مشاهدة النسخة كاملة : لماذا لا نفيد من أخطاء العدو؟


أبو فاطمة
06-23-2010, 03:00 PM
لماذا لا نفيد من أخطاء العدو؟


ميشيل كيلو

يربح المرء، في السياسة كما في غيرها، عندما تكون خياراته وتصرفاته صحيحة، ويعرف كيف يفيد من أخطاء خصومه وأعدائه. لا يكفي، كي يربح المرء، أن يكون على صواب، أو أن يكون سلوكه صحيحاً، وعليه أن يعرف كيف يستخدم ما يقوم به الخصم لصالحه، مثلما يفعلون في بعض ألعاب المصارعة الصينية التي تتشدد في ضرورة الإفادة من قوة الخصم، وتتبنى فنوناً متنوعة بقصد إضافتها إلى رصيد المرء، عندما ينخرط في صراع.

لا يدعو ما سبق إلى تجاهل مصادر قوة المرء، والاكتفاء بالاعتماد على أخطاء عدوه، لأن من يتجاهل مصادر قوته ويعتمد في انتصاره على خصومه وأعدائه يكون إما أبلهَ أو أهبلَ، هزيمته مضمونة عند أي صراع. وللأسف، فإن معظم عرب زماننا ينشدون النصر من حال جمدوا فيها مصادر قوتهم بصورة تكاد تكون تامة، واتكلوا على عوامل لا سيطرة لهم عليها، يقررها العدو، فمن المنطقي ألا تخدمهم، وأن تكون موجهة ضدهم.

ليس هناك عدو أو خصم يخلو سلوكه وتفكيره من أخطاء، وتحفل سياسات "إسرائيل" وممارساتها بأخطاء تتراكم منذ أن قامت، تغطي علاقاتها مع العرب وتتخطاها إلى علاقاتها مع مختلف دول وبلدان العالم. لكن مشكلتنا تكمن في أننا لا نعرف كيف نفيد منها، ولا نرى فيها كواشف تظهر ما لدى عدونا من نقاط ضعف، غير أننا قررنا، على ما يبدو، تجاهلها، كأنها غير موجودة أو عديمة الأهمية بالنسبة لنا.

لو أردنا ذكر أخطاء فادحة اقترفها العدو خلال الأشهر القليلة الماضية، أثارت عليه العالم بأسره، لكان بين ما نذكّر به تقرير جولدستون حول الحرب على غزة، واغتيال الشهيد الفلسطيني محمود المبحوح في دبي، ومهاجمة بواخر "أسطول الحرية" المدنية في المياه الدولية، وإطلاق النار على ركاب عزل كانوا عليها، ينتمون إلى دول وشعوب مختلفة. بيد أن الطريقة العربية في استثمار جريمة تصفية المبحوح، الفظيعة بكل المعايير، والتي لم يجد حتى الأمريكيون الجرأة في أنفسهم على تبريرها والدفاع عنها، نجحت في طمسها وإطفائها خلال أشهر قليلة، كأن العرب أرادوا التخلص منها والإحجام عن استغلالها وليس الإفادة منها لعزل وفضح العدو، ولتأسيس جبهات عالمية واسعة تغطي أربع بقاع الأرض تعمل بطرق مدروسة لمحاصرته وجعل قطاعات كبيرة من شعوب العالم تقاطعه، وترفض شراء منتجاته، وإقامة علاقات ثقافية أو إنسانية معه، وتمتنع عن تقديم تبرعات أو معونات له، وعن قبول التعاون مع مؤسساته، الرسمية والحزبية والنقابية، وتلاحق ممثليه الرسميين كمجرمي حرب ومجرمين ضد الإنسانية تقيم عليهم دعاوى قضائية في كل بلد، وتقاطع خطوطه الجوية وسفنه وجامعاته ومعاهده.. إلا أن شيئاً من هذا لم يحدث، على رغم تزايد دعم شعوب البلدان المتقدمة للحق الفلسطيني، ووجود علامات تشير إلى استعدادها لمقاطعة كل ما هو "إسرائيلي" وصهيوني، اقتصادياً وسياسياً وثقافياً وإنسانياً. لقد تم طي القضية عربياً، مع أن ذيولها الدولية تلاحق "إسرائيل"، بينما تتراكم أنباء الملاحقات التي تستهدف قتلة الشهيد، وتتابع دول مهمة كألمانيا، لها علاقات تاريخية مع "إسرائيل" مشحونة بعقدة الذنب تجاه اليهود، المطالبة بتسليمها المجرمين والقتلة، وتطارد أستراليا وإيرلندا مزوري جوازات سفرها، وتبدي بريطانيا، ذات الدور الحاسم في إقامة الكيان الصهيوني، تذمراً متعاظماً من قادة تل أبيب، وتلاحق بعضهم قضائياً، مع أنهم يحتلون مراكز رفيعة جداً في مؤسساتها العسكرية والسياسية. يتابع العالم قضية المبحوح، في حين نسيناها نحن العرب، رغم وقوعها بالأمس القريب جداً.

وليس حالنا مع "أسطول الحرية" مختلفاً عن حالنا مع الشهيد الذي أرسل العدو جيشاً كاملاً من المجرمين لقتله. وعلى رغم الفارق الهائل بين حجم الجريمتين "الإسرائيليتين"، فإن ثمة ملاحظتين تفرضان نفسهما علينا هما: أننا كنا بعيدين عن أسطول الحرية قبل انطلاقه من تركيا، وأننا تركنا أنقرة تتولى أمر ما حدث بعد المجزرة، كأننا نريد أن نبقى بعيدين عن نتائجها وذيولها السياسية، كما بقينا بعيدين عن التحضيرات لإرسال الأسطول. ومثلما أحجمنا عن الإفادة من جريمة قتل المبحوح، نحجم اليوم عن جعل قضية "أسطول الحرية" أولية بالنسبة إلينا، كأنما هي قضية تركية صرف، ليس لنا علاقة بها، من غير الجائز أن نفيد منها في عزل العدو وتحجيم قدرته على التحرك إقليمياً ودولياً، في لحظة تشي دلائل عديدة بأنه ربما كان يعد فيها لجريمة ستكون الأعظم في تاريخه، يقول قادته إن ضحاياها سيكونون شعوباً عربية بأكملها: في لبنان وفلسطين وسوريا، وربما في إيران، يخطط هؤلاء لإعادتها إلى العصر الحجري، أي لإبادتها والقضاء على كل ما بنته وحققته من تقدم وعمران.

لا يكفي، كي نربح، أن يرتكب العدو جرائم مدانة دولياً، يجب أن تكون لدينا القدرة على الربح، وأن نكون مصممين عليه، وعارفين بطرق تحقيقه، وإلا ظن العالم أننا نقبل ما نتعرض له من قتل وعدوان وجرائم، ونسي مثلما ننسى نحن ما يحل بنا، خاصة في البلدان التي زاد فيها التعاطف معنا وشرعت تدافع عن حقوقنا، ويمكن لدعمها لنا أن يحرم العدو من موارد ضرورية هو بأمس الحاجة إليها، لطالما أعانته على النصر في حروبه علينا.

هل صرنا إلى حال لا نعرف فيها كيف نفيد من أخطاء العدو، رغم فظاعتها، وكيف ننظم قدراتنا كي نربح، حتى إذا لم يقترف أخطاء أو يرتكب جرائم؟ أخشى أننا في هذه الحال منذ زمن طويل. لو كنا في غيره، لما قام الكيان الغاصب في فلسطين أصلاً، ولما هزم أربعمائة وخمسون ألف يهودي، قدم معظمهم قبل أعوام قليلة إلى فلسطين، قلب العرب الجغرافي والاستراتيجي، خمسين مليون عربي عاشوا فيها وحولها منذ أقدم الأزمنة. ولما كانت أعظم قوة لدينا هي حزب الله، ولكان أي جيش عربي مؤهلاً لمواجهة "إسرائيل" باقتدار، ولاستطاعت الدول العربية بناء جيوش متفوقة من جميع النواحي على جيش كان يفتقر إلى لغة مشتركة إلى ما قبل سنوات قليلة، لا ينحدر أفراده من أصول مشتركة، وإنما جمعوا من مختلف بقاع الدنيا فهم لا يعرفون بعضهم بعضاً، ولدى القسم الغربي منهم نظرة استعلائية تجاه قسمهم الشرقي، بينما حكمت عليهم الجغرافيا بالعيش في مكان ضيق وصغير المساحة، يمكن قصفه بالمدافع من جميع جهاته، فلا يبقى مليمتر مربع واحد منه بعيداً عن النار أو خارج دائرتها. أخيراً، لو لم نكن في هذه الحال، لما عجز العدو طوال قرن ونيف عن إنزال هزيمة نهائية بشعب فلسطين، الأعزل والمشرد، بينما نجح في إنزال هزائم متلاحقة بقوى عسكرية نظاميه يفتقر الفلسطينيون إلى جزء من الموارد والأسلحة والقوى البشرية التي بحوزتها.

ليس لدينا خيارات وبدائل كثيرة: إما أن نتعلم فن الصراع ضد العدو الخارجي، وإما أن نطبق عليه ما نطبقه من فنونه ضد العدو الداخلي. في هاتين الحالتين، لن يكون مستحيلاً كسب معركتنا ضد "إسرائيل" التي ترتكب من الجرائم والأخطاء ما يجعل معظم العالم يجأر بالشكوى منها، بينما يدعو إلى إزالتها عدد متزايد من أصحاب الضمير وذوي النفوذ والرأي فيه، كان آخرهم كبيرة مراسلي الصحف لدى البيت الأبيض الأمريكي، هيلين توماس، التي طالبت، بعد صمت دام نيفاً ونصف قرن، بحل يعيد الأرض إلى أصحابها الفلسطينيين، واليهود إلى أوطانهم الأصلية في أمريكا وألمانيا وبلدان الغرب.

نقلا عن المركز الفلسطيني