مشاهدة النسخة كاملة : ما بين القدس وغزة


أبو فاطمة
06-23-2010, 02:51 PM
ما بين القدس وغزة


د. أحمد مصطفى

شغلت "إسرائيل" الدنيا في الأيام الماضية بما وصفته وسائل الإعلام الغربية بأنه "تخفيف الحصار على قطاع غزة". وخصصت منافذ رئيسية صدر نشراتها لاجتماعات قادة الصهاينة ثم انفضاض اجتماعاتهم ثم تحديد موعد اجتماع آخر وهكذا إلى أن صدر بيان، ثم قيل إن بالبيان غموضاً ففسر بقرار ودارت ماكينة الإعلام حول إن كان القرار متناقضاً أم لا.

وسمعنا عن شخص اسمه توني بلير، كان ملء السمع والبصر حين قاد بريطانيا في شراكة مع أميركا لغزو واحتلال أفغانستان والعراق، قيل إنه سعى لدى الصهاينة ليقنعهم بتخفيف الحصار (باعتباره "ممثلاً" للرباعية) لتفادي الانتقادات الدولية بعد الغارة البربرية على سفن المساعدات الإنسانية ومجزرة الشهداء الأتراك في المياه الدولية.

وأخيراً، كفر الاحتلال الصهيوني العنصري عن جريمته بماذا؟ تعديل قائمة الممنوعات على مليون ونصف المليون فلسطيني يعيشون في ظل حصار خانق وقاتل منذ نحو أربع سنوات تحت بصر وسمع العالم المتحضر والمسلمين الخيرين والعرب الكرماء. على أن التعديل لن يشمل السماح بدخول أي محظور (مثل أي شيء معدني أو به عناصر كيميائية ـ أي كل شيء تقريباً) وذلك وفق رقابة دولية. ولعل مسألة "دولية" تلك هي مكافأة بلير الذي يقوم عملياً بدور "المستشار" الدولي للحكومة الإسرائيلية أكثر منه وسيطاً بين الاحتلال والمحتلين.

وبدا إعلامنا العربي يسير على خطى الإعلام الغربي، وإن اعتبر بعضه أن دم الشهداء الأتراك لم يذهب سدى وأنه أدى إلى فتح معبر رفح أولاً ثم "تخفيف الحصار" تالياً. وربما خفت حدة بعض التعليقات السلبية باللغة العربية تجاه تركيا وغيرها ممن شاركوا في قافلة الحرية، لكن الواقع أن شيئاً لم يحدث سوى مناورة علاقات عامة "بليرية" صرفة من جانب الصهاينة لإلهاء العالم بأنها تستجيب للضغوط. أما الحصار فهو باق، ويشارك فيه العرب والمسلمون قبل الأجانب ويدفع ثمنه الفلسطينيون من حياتهم يومياً.

لكن الأخطر أن الإلهاء بمأساة غزة وزيارة هذا ومناشدة ذاك هو ما يجري في القدس. وكما أعلن قادة الصهاينة أن قرارهم الأجوف بخصوص حصار غزة سيمكنهم من التشدد في الإجراءات "الأمنية" ضد القطاع فإنهم لم يضيعوا فرصة في العودة إلى مخططاتهم الاستيطانية للقدس العربية المحتلة. وهنا أود فقط أن استبق من سيحللون في العالم العربي ويدبجون مقالات الرأي حول احتمال إثارة خلاف إسرائيلي/أميركي بشأن الاستيطان "مجدداً" وكأنما كان هناك خلاف سابقاً.

ما قيل عنه أنه خلاف سابق كان بسبب ضجة إعلامية تناولت إعلان الصهاينة عن بناء عشرات المئات من الوحدات الاستيطانية في القدس بينما كان نائب الرئيس الأميركي جو بايدن في زيارة لفلسطين المحتلة. ولا أظن أنه كان هناك خلاف وإنما تفكير بالتمني من الضعفاء منا، فبايدن هذا كان من أشد المدافعين عن الجريمة الإسرائيلية في المياه الدولية وشاهدته على شاشات التليفزيونات الأميركية وهو يبرر ويفسر ويشرع القرصنة والإرهاب الصهيوني ويكاد يدين الأتراك الذين سيروا سفن الإغاثة أو ينعتهم بالإرهاب! كما أنه سارع بعد الكارثة إلى زيارة شرم الشيخ لضمان ألا يتمادى رد الفعل المصري على مجزرة المياه الدولية أكثر من فتح معبر رفح بالطريقة التي فتح بها.

وبعدما اختبر الصهاينة مدى إجرامهم الدولي، متجاوزاً العرب المستكينين، عادوا إلى خططهم التي لم يطووها كثيراً وهي تهويد القدس وتدعيم الاستيطان في الضفة الغربية حتى ينحصر كل حديث بعد ذلك على غزة وكأنها ما بقي من فلسطين. وبدأ الصهاينة بإبعاد نواب المجلس التشريعي الفلسطيني من القدس، ليس لأنهم من هذا الفصيل الفلسطيني أو ذاك وإنما لأن وجودهم قد يمثل تحدياً قانونياً أو قد يشجع الفلسطينيين المقدسيين على أن بينهم قيادات برلمانية فيزيد من تمسكهم بأرضهم ومدينتهم.

ثم بدأت الترتيبات لتنفيذ خطة بناء تستلزم هدم 22 منزلاً فلسطينياً في القدس لبناء منتزه توراتي (حديقة الملك) على مساحة 54 فداناً في حي سلوان بالقدس الشرقية. ويعد المشروع محاولة أخرى ضمن محاولات مستمرة لتهجير السكان الأصليين من القدس وتهويدها تماما في إرهاب دولة يسخر من كل القوانين الدولية ولا يقيم وزناً للمتعاملين معه من العرب المعتدلين. وتعليقاً على مخطط هدم البيوت الفلسطينية قال محافظ القدس الفلسطيني: "هذه بلدية استعمار لا تستطيع أن تدعي أنك تبني (حدائق) بينما تقوم بحرمان الناس من العيش في بيتهم".

واغلب الظن أن ذلك ليس الإجراء الأخير في جعبة قادة الصهاينة فيما يخص القدس، وربما بقية الضفة الغربية أو القدر الأكبر منها. ولا يتوقع أن يهتم أحد في العالم أو من بين العرب والمسلمين بما يجري في مدينة أولى القبلتين وثالث الحرمين ولا في مدينة مهد المسيح عليه السلام. وسيبقى الجميع مشغولين بحصار غزة ودرجاته على مقياس الاحتلال وغضب تركيا وخوف معسكر الاعتدال العربي من نفوذ تركي وإيراني على حساب ما كان لهم من صوت سابقا. ويبدو أن توني بلير تعلم جيداً من مسؤول التلفيق الإعلامي لديه أيام رئاسته للحكومة البريطانية، اليستر كامبل، ويطبق ما تعلمه الآن في مهمته الاستشارية الدولية للقيادة الصهيونية.

كاتب صحفي عربي مقيم ببريطانيا

نقلا عن المركز الفلسطيني