مشاهدة النسخة كاملة : بين تركيا وإيران


أبو فاطمة
06-23-2010, 03:06 AM
بين تركيا وإيران

صلاح حميدة


منذ بداية الاستعمار في أرض فلسطين، والقضية الفلسطينية تشكل همّ الأمتين العربية والإسلامية وأحرار العالم، وكان الاهتمام العالمي والإسلامي والعربي يتأرجح بين فترة وأخرى، تبعاً لعوامل كثيرة لا يمكن حصرها مجتمعة، ولكن بالنّسبة للشعوب العربية والإسلامية بقيت القضية والاهتمام بالشأن الفلسطيني على سلم أولوياتها، ولكن هذا الاهتمام كان في غالب الأوقات مقيّداً من قبل الأنظمة الرّسمية التي تحكمهم.

تركّز الصراع المباشر بين الدّولة العبرية وبين الشعب الفلسطيني في البداية، وكذلك مع المحيط العربي وخاصة المباشر منه، أو ما عرف بدول الطّوق، وتمّ خوض العديد من الحروب مع دولة الاحتلال.

كانت استراتيجية الاحتلال تقوم على تطويق العرب الذين يحاربونها وطعنهم في ظهرهم عبر دول أخرى بعضها إسلامي وأخرى فيها ملايين المسلمين، ولذلك ركّزت على تمتين علاقاتها مع الهند وإثيوبيا وتركيا وإيران، وبهذه التحالفات مع تلك الدّول كانت تسعى لحرمان العرب من عمقهم الإستراتيجي الّذي يجسّده ملايين المسلمين الذين تهمهم فلسطين مثلما تهم العرب، ولكن للإنصاف، فلم تكن الملامة تقع على العرب وحدهم في هذا الخلل الجوهري في معادلة الصراع القائمة والتي تهدف لتحرير فلسطين، فمثلما ابتعد العرب عن الإسلام في تلك الفترة، كان المسلمون من غير العرب قد اتجهوا نحو القومية والتغريب المعادي للعروبة والإسلام.

شهدت إيران بثورتها تغيّرات إستراتيجية فيما يخص الملف الفلسطيني، وقدّمت الدّعم للمقاومة الفلسطينية على اختلاف فصائلها من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين، ولكنّها لم تستطع حل كافّة الإشكالات والمخاوف مع جوارها العربي في الخليج، وغالباً ما يتم اتهام من يتلقون الدّعم منها من المقاومة الفلسطينية باتهامات كثيرة، كاتهامهم بالتشيّع أو بأنّهم أدوات إيرانية في المنطقة العربية أو في الملف الفلسطيني وغيرها من الاتهامات التي لم يتم إثباتها، وتطرق لها كاتب هذه السطور في مقال سابق بعنوان ( جدليّة العلاقة بين إيران والمقاومة الفلسطينية).

قدّمت إيران الثّورة للمقاومة الفلسطينية الكثير من الدعم في السر والعلن، الأمر الذي أثار حفيظة العديد من المفكرين العرب الذين يعادون إيران - وبعضهم سلفي التوجه- ، وقد قال البعض إنّ المقاومة الفلسطينية لا تلام لتلقّيها هذا الدّعم المالي والتسليحي والسياسي والإعلامي والإغاثي من إيران، ودعوا بالمقابل الدّول العربية السّنية لفتح أبوابها للمقاومة الفلسطينية ودعمها بشكل مفتوح وبلا شروط كما تفعل إيران.

تتهم إيران في نواياها فيما يخصّ دعم المقاومة الفلسطينية، بل هناك من يتهمها بالتّواطؤ مع الأمريكان في احتلال العراق وأفغانستان، ولكن ما يهمّنا هنا الملف الفلسطيني تحديداً، والتعاطي مع نظريّة المصلحية في الدّعم الإيراني، فإيران تعلن أنّ دعمها للمقاومة الفلسطينية مبني على قاعدة دينية وأخرى ثورية، وتعتبر أنّ هذا واجب عليها.

ولكن بعض المحللين يثيرون تساؤلات حول رفض بعض الأطراف دعم إيران للمقاومة الفلسطينية وتشكيكها في هذا الدّعم؟ ويعتبرون أنّه حتى لو كان لهذا الدّعم دوافع مصلحية تتبع مشروعاً إيرانياً في المنطقة والعالم، فهذا من حقّها، كما أنّه من حق المقاومة الفلسطينية التّوجّه لأي مصدر دعم لجهودها من أجل التحرر من الاحتلال.

تركيا بدورها ومنذ عشر سنوات تقترب تدريجياً من الاهتمام بشؤون المنطقة والعالم الإسلامي بشكل عام، وزاد اهتمامها بالشأن الفلسطيني بشكل كبير بعد الحرب على غزة والعدوان والقرصنة على أسطول الحرية، الذي نتج عنه مقتل مواطنين أتراك كانوا على متن أحد السّفن.

هناك من رأى أنّ هذه العودة التركية للاهتمام بالقضيّة الفلسطينية هي عودة محمودة، بل ذهبوا إلى وجوب دعم وتشجيع وتعويض تركيا عن أي تبعات لهذه العودة بعد الغياب الطويل، وبالرّغم من أنّ هذه العودة مقيّدة بقيود كبيرة داخلية وخارجية، ومجزوءة التأثير، وتقتصر على الدّعم السياسي والإعلامي والإغاثي، إلا أنّ هذا الجهد بحاجة لتفهّم ودعم من العرب أفراداً وجماعات ودولاً، كما يرى الكثيرون، وبينهم علماء دين مسلمون لهم تأثير كبير في العالم الإسلامي.

الجهود التركية الحالية تقوم على التواصل مع العديد من الأطراف ولا تقدّم دعماً مالياً ولا عسكرياً للمقاومة الفلسطينية، بل تتواصل رسمياً فقط مع الطّرف الثاني في المعادلة الفلسطينية وتدعمه مالياً وتدريبياً، ولذلك هناك حدود للاندفاع التركي تجاه القضيّة الفلسطينية، ويوجد عوائق وتهديدات للساسة الأتراك بدأت بالتّكاثر طردياً مع تزايد الاهتمام التركي بالقضية الفلسطينية.

تتهم تركيا بأنّ لها طموحات إستراتيجية في المنطقة والعالم، وأنّ دوافعها للتدّخل في الشأن الفلسطيني هي دوافع مصلحية كما إيران، وأنّها تلجأ لتبنّي رفع لواء كسر حصار غزة حتى تضع قدمها في موقع التّأثير الدّولي هذه الأيام وهو قطاع غزة المحاصر ومقاومته الصّامدة، وتتهم الجماهير والنّخب الفلسطينية والعربية بالمبالغة بتقدير الدّور التركي وحدود تأثيره في الملفّات الإقليمية، ومن الاتهامات التي تساق للدور التركي بأنّه عبارة عن وكيل حصري للسياسات الأمريكية في المنطقة، وأنّه يأتي لخدمة جهود تهميش ومواجهة المد الإيراني وتأثيره في الملفات الإقليمية وخاصّة الملف الفلسطيني، وسحب الملف نهائياً من تحت أرجل إيران وانتهاءً بضربها وتحطيم طموحاتها الإقليمية والنووية.

ولكن من الواضح أنّ الإيرانيين والأتراك وصلوا إلى نوع من التّوافق على قضايا مصلحية وأخرى مبدئية تجاوزت الضّغوط والعراقيل الغربية، وهو ما أثار حفيظة الغرب والاحتلال الإسرائيلي معاً، ولا أعتقد أنّ الطّرفين معنيان بأي تنافس أو تصادم فيما بينهما في المدى المنظور، إضافةً إلى أنّ التجربة التركية - لو قدّر لها أن تنجح بشكل كامل - سيكتب لها أنّها استطاعت أن تستوعب غالبية أطياف وتوجّهات وطوائف العرب والمسلمين واحتواء تناقضاتهم وتوجيهها بطرية إيجابية تخدم المجموع العربي والاسلامي.

السّاسة الأتراك يعلنون بشكل صريح أنّ مصيرهم من مصير العرب وأنّ مصير إسطنبول من مصير غزة وأخواتها العربيات، بل يؤكّدون ويصرون على معاقبة الاحتلال على جرائمه، ويطالبون بشكل مستمر برفع الحصار عن قطاع غزة، ويعتبرون أنّ تفاعلهم مع القضية الفلسطينية تفاعل طبيعي ومنطقي، وينتقدون ويهاجمون المتصهينين الأتراك الذين يرفضون التقارب مع العالم العربي، و في نفس الوقت يتسوّلون التقارب من الغرب الأوروبي منذ قرن من الزّمان.

أمام الدّعمين التركي والإيراني المثيرين للجدل هذه الأيام تقف المقاومة الفلسطينية باستراتيجيتها للتعامل مع كافّة الأطراف الإقليمية والدّولية. فالمقاومة الفلسطينية تعلم علم اليقين أنّ فلسطين بحاجة لتضافر كافّة الجهود العربية والإسلامية ولكل أحرار العالم، وأنّ تحرير فلسطين بجهد المقاومة وحدها غير ممكن، وأنّ أهم وظيفة للمقاومة هي الإعداد والإستعداد وإبقاء جذوة المقاومة مشتعلة، وأهم سبب لجعل قضية فلسطين حية والسعي لتحريرها قائماً في الوعي وفي الأجندة العربية والإسلامية موجوداً هو مقاومة الشعب الفلسطيني المستمرة، لأنّ مقاومة الفلسطينيين وصمودهم وتمسّكهم بحقوقهم هي التي تضع العرب والمسلمين أمام مسؤولياتهم، ومن لا يعمل من أجل قناعات ومبادىء، سيعمل بدوافع المصلحية والنّفوذ وفوائد ( المؤلّفة قلوبهم ).

تعلن المقاومة الفلسطينية بوضوح دعمها لأيّ جهد إيجابي لأي مسلم أو عربي في العالم - أو من غير العرب والمسلمين - يخدم القضية الفلسطينية، فما دامت إستراتيجيتها بدأت تؤتي أكلها بتلك التّحركات فهي تحقق الإنجازات تلو الإنجازات، لأنّ محصّلة تلك الجهود ستصبّ حتماً لصالح الجهد المقاوم، حتى ولو تنوّعت أشكال و أهداف الدّعم، وهذا يعتمد بشكل رئيسي على وعي وفهم عميق وبوصلة قويّة للمقاومة الفلسطينية، تستفيد من الجميع ولا تصبح أداةً في مشاريعهم.

ولهذا وبالرّغم من ظهور الدّور التركي بأنّه منافس للدور الإيراني، إلا أنّ المقاومة الفلسطينية حافظت على علاقات متوازنة مع الطّرفين، بل تسعى بشكل حثيث للتواصل مع كافة مراكز التّأثير في المنطقة والعالم لصالح القضيّة الفلسطينية، وهي تسعى لجعل بوصلة كل تلك الدّول والمنظمات تتجه لصالح استراتيجية المقاومة في الحشد لتحرير فلسطين، ولا يغفل أيّ مراقب تحقيق هذه الإستراتيجية لإنجازات ذات أهمّية.

تتشابه الكثير من الاتهامات التي تساق لكل من إيران وتركيا و من نفس الجهات، ولكن تتفاوت طبيعة الدّعم للمقاومة الفلسطينية بين إيران وتركيا، فمن الواضح أنّ ما تستطيع تقديمه إيران لا تستطيعه تركيا، وكذلك فإن كثيراً مما تستطيعه تركيا لا تقدر عليه إيران، وهما يمثّلان صورة تكاملية متناغمة، فإيران تقدّم للمقاومة كل ما تريد بشكل مفتوح على كافّة الصّعد ولا تبخل عليها بشيء، في حين تركيا تقوم بدور إغاثي وإعلامي وسياسي أدّى للحراك الحالي الذي من الممكن أن يؤدّي لرفع أو تخفيف الحصار عن قطاع غزة، وبالرغم من أنّ بعض الحركيين والمحللين يعيبون على تركيا استمرار علاقاتها مع الدّولة العبرية حتى الآن، ويتهمونها في نواياها وفي مواقفها لعدم قطعها لهذه العلاقة بعد مجزرة الحريّة، إلا أنّ ارتباطات تركيا الغربية والقيود الدّاخلية على النّخبة السياسية الحاكمة فيها لا يمكن أن تمكّنها من فعل أكثر مما فعلت حالياً، إضافة إلى أنّ حزب العدالة والتنمية هو حزب منشق عن حزب السعادة التركي الذي أسسه نجم الدّين أربكان، والذي يعبّر عن جماعة الإخوان المسلمين في تركيا، وأربكان بدوره إنتقد أردوجان في خطابه قبل وبعد مجزرة الحرية ودعا الجماهير التركية لتضغط على حزب العدالة حتى يقطع العلاقات نهائياً مع الدّولة العبرية، إضافة إلى انّ حزب العدالة والتّنمية حزب فضفاض فيه الكثير من الأطياف السياسية والعرقية والدّينية التي تجمعها أهداف محددّة تتعلق غالبيتها بكسر سطوة غلاة العلمانية والمتصهينين والماسونيين على السلطة في تركيا والتّحول نحو دولة القانون والديمقراطية والحريات، وبالتالي ما يحرّكهم هي مصالح تركيا، وأردوجان و بعض من معه يعملون لجعل تبني القضية الفلسطينية والتّقارب مع العرب والمسلمين مصلحة للأتراك، وهنا يقع واجب جعل هذا التّقارب مصلحة تركية على عاتق الأفراد والجماعات والدّول في العالمين العربي والإسلامي.

بعض الإستراتيجيين يرون أن تركيا - كما إيران وكما تحاول قوى أخرى في العالم- تعلم أنّ الرّكوب في القطار الأمريكي- الأوروبي، يؤدّي تلقائياً إلى الإنكماش والتّراجع والمهانة، ولهم في ذلك تجربة الشاه الإيراني الذي ضاقت عليه الأرض بما رحبت وألقاه الغرب، إضافة لتجربة وقوف تركيا على أبواب أوروبا لقرن من الزّمان بلا جدوى، وتدرك هاتان الدّولتان الكبيرتان أنّ من يريد الرّبح وامتلاك أوراق القوّة فعليه بالتّحالف مع المقاومة المناوئة للاستعمار الغربي في المنطقة، وهنا يتداخل المصلحي مع المبدئي.

لغة الأرقام تقول إن كسب قطب مثل تركيا - حتى لو بشكل منقوص- يعتبر ذخراً للقضية والمقاومة والشّعب الفلسطيني، وكذلك الأمر بالنسبة لإيران، التي يمكن اعتبارها حليفاً إستراتيجياً يعتمد عليه في ظل ثبات النّظام والموقف. أمّا عربياً، فالنّظام السّياسي العربي في غالبه مستقيل من العمل الإيجابي لصالح القضية الفلسطينية، والأمل فقط في قوى المقاومة والقوى الحيّة في الأمّة، وهنا يقع على عاتق الشّعوب العربية لتغيّر بعض الأنظمة التي تشكّل السيف الصهيوني - الأمريكي المسلط على رقبة الشّعوب، وعقبةً كأداء في طريق إكمال حلقات التّحرر من الاحتلال.

نقلا عن المركز الفلسطيني