مشاهدة النسخة كاملة : الذاكرة المتنقلة..


أبو فاطمة
06-22-2010, 04:59 PM
الذاكرة المتنقلة..

أحمد ولد إسلم



عجبت للإنسان كيف تنتقي ذاكرته من بين ملايين اللحظات التي تمر بها منذ بداية الإدراك وحتى مفارقتها عالم الحس، عددا محدودا تبنى له حصنا منيعا، ترفض أن يغادره، وتبقي لديها دائما متسعا لتشييد حصون جديدة لأحداث أو أشياء تختارها.

ولطالما راودني سؤال مزعج وغريب، عن طبيعة ذلك الانتقاء وكيفيته، فلماذا نتذكر يوما واحدا من سنة تتشابه أيامها في الطول والقصر والشروق والغروب، وأحيانا كثيرة في المضامين، وتمر عشرات السنوات لا تتوقف ذاكرتنا فيها عند يوم واحد؟.

ولماذا ترسخ كلمة واحدة أو ابتسامة أو همسة، أو حتى إيماءة عشوائية لا دلالة لها، وتتسرب بقية الكلمات والأحداث بهدوء من سور الذاكرة من دون أدنى ندم على ذلك؟.

وما المعايير التي تضعها الذاكرة للسماح بخروج ملايين المعلومات، أو تخزينها؟.

تجابهني الأسئلة ذاتها كلما أزمعت سفرة، أو غيرت سكنا؛ إذ أنثر جميع أشيائي، ثم ألتقط منها آحادا متفرقة، وأذر الباقي، فأستغرب كيف تصر قصاصة ورق صغيرة مقتطعة من ورقة تصويت على مرافقتي أين ما كنت منذ أكثر من عشر سنوات، وكيف ينزوي بجانبها صك مصرفي انتهت صلاحيته قبل ميلادي، وصورة غير ملونة لم تعد تشي بأي إيحاء يدل على أصحابها، وكذا بطاقة بريد من مدينة لم أمض فيها غير ساعات..!

وأتساءل هل سيكون ذلك الانتقاء هو ذاته لو كان من قررنا إحالتهم إلى سلة الذكريات وتركهم في دمننا، حاضرون معنا لحظة إعادة الترتيب، ورافقونا إلى بوابة المغادرة؟.

ثم أقلب نظري في أحوال الناس وذكرياتهم فأجد المغترب أكثر الخلق عناء في حفظ وترتيب متحفه الصغير، ففي ذرعه الأرض تنتقي الذاكرة لحظات معدودة تشيد حولها سورا سميكا، وتحفظ وجوها - ربما تكون من عامة الناس-، تحفر قسماتها على جدار السور، ثم تشقى بعد ذلك في مقارنة تلك الوجوه مجهولة الأسماء، بوجوه مجهولة جديدة تصادفها في دروب الزمن، أو ينعكس ظلها على المرآة الجانبية للحياة المسرعة إلى المصير.

وربما تقسو على المغترب ذاكرته حين تصر على عدم إغفال أي شيء مما يستحسن حمله؛ من المواقف والأشخاص والذكريات، أو تراوده لتأجيل الرحيل مخافة أن لا تسع الحمولة المرخصة متاعه المتناثر.

وأكثر ما في الأمر إثارة للتساؤل؛ أن أناسا وقرى وأحداثا، نعيش معهم سنين عددا، ثم لا نذكر بعد فراقهم لحظة واحدة استطاعت هتك حجاب التجاهل السميك المحيط بمخازن ذاكرتنا.

فنجد شخصا شاركنا نصف العمر أو زاد على ذلك، ثم غاب عن الأنظار، ونحرج إذ نلتقيه من ترددنا في نطق اسمه مخافة الخطأ.

أتراه التأثير النفسي لتلك المواقف والأشخاص والأحداث والأشياء، هو الذي يختار لكل ذلك مكانه اللائق، أم هي ردات فعلنا على ذلك التأثير، تجعلنا نتشبث بما انتقينا باعتباره لحظة من سيطرتنا التامة على ذواتنا؟.

أكفيل تقادم الأزمنة بإعادة ترتيب متاحفنا المتنقلة، أم أن الذكريات التي استعصت على تالد الأيام ستكون أكثر تحصينا في مستقبلها، ...هل ترى سأذكر يوما كيف كتبت هذا.. ولماذ؟.

نقلا عن الأخبار