مشاهدة النسخة كاملة : الحكومة تتراجع عن حرية الانتخاب في هيئات التعليم العالي


أبو فاطمة
06-22-2010, 03:05 PM
الحكومة تتراجع عن حرية الانتخاب في هيئات التعليم العالي

بقلم: حماه الله ولد السالم

بعد عقود متطاولة، قبلت الدولة في عهد الرئيس السابق معاوية، تجديد النصوص المسيرة للتعليم العالي، وتم انتداب مكتب كندي مع خبراء تونسيين لذلك العمل، وتم تقديم مسودة بالغة الدقة والصرامة والفاعلية، تفرض موادها على هيئة التدريس شروطا بالغة القسوة في الولوج لهيئات التعليم العالي وفي تولي مناصبه وتسييره أكاديميا ومنهجيا ومؤسسيا، لكن عصابة الفساد التي كانت تسير الجامعة وقتها وبدعم من قادتها في هيئة التشريع والترجمة والتعليم العالي والتكوين بالوزارة الوصية آنذاك، دفعت بمراجعة شاملة وفوضوية، أنتجت نصا مشوها ومبتورا وكسيحا، قميئا في مواده وأفكاره ومراميه، تماما كمنتجيه ومقننيه ومحرريه.

لكن العجيب والغريب أنه خلا من أي إشارة إلى تدخل السلطة في تحديد معايير الانتخاب للهيئات الأكاديمية ولاسيما الرؤساء والعمداء والمديرون.. وقد جاء انتخاب رئيس الجامعة الحالي وعمداء الكليات القديمة، وفقا لتلك النصوص المشوهة، لكن الانتخاب مر بسلام، على الرغم من الهنات الواضحة في تشكيل اللجنة الغريبة لانتخاب رئيس الجامعة مثلا، إذ كانت مشكلة وفقا لمعايير مسبقة ومن أجل انتخاب موجه، وهو حال انتخاب عمداء الكليات، حيث أصدر رئيس الجامعة الحالي لائحة بالمعايير اللازم توافرها في من يريد التقدم للعمادة، وأشهد أنها كانت معايير تحكّميّة وموجهة ومكيفة لتنطبق على عمرو أو زيد من الناس دون غيرهم.

واليوم أصدرت رئاسة الجمهورية وبتأشيرة الإجازة، مشروع قانون يتعلق بالتعليم العالي والبحث العلمي، وفيه تم تكريس التدخل السافر للسلطة والإدارة في انتخاب الهيئات الأكاديمية ولا سيما الرئيس والعميد والمدير.. وذلك على النحو التالي:

المادة 18: يدير الجامعة العمومية رئيس يعين من بين المدرسين بمرسوم لمدة أربع سنوات قابلة للتجديد مرة واحدة. ويتم تحديد معايير وإجراءات اختيار الرئيس بموجب مرسوم.

وبذلك تم القضاء على حق هيئة التدريس في الاختيار الحر لرئيس الجامعة أو المعهد، لأن معايير الترشيح محدّدة سلفا ومن قبل السلطة وإدارتها. أما ما يتبع ذلك فهو حشو وشكلانية لا طائل من ورائه، فضلا عن فتح الباب أمام المرشحين من كل المراتب الأكاديمية كي لا تكون هناك حرمة للرتبة ولا للمستوى. ليس سرا أن المستفيد الأول والأخير من هذه المادة السيئة والفاسدة، هو جماعة الفساد في التعليم العالي، والتي لم تصلها حملة مكافحة الفساد بالحق أو بالباطل لأنها ببساطة جماعة خفية في العمل والسلوك والنظام والمصالح، وهي المسؤولة أولا وأخيرا عن إفراغ التعليم العالي والبحث العلمي من كل محتوى وجدية.

والمسؤول أيضا هو وزير التعليم العالي الحالي بل وخلانه في الجامعة وخارجها، ليتم تسليم رئاسة الجامعة والعمادات والمعهد وغيره للأيدي الصديقة والشقيقة والمأمونة على تكريس المسار نفسه.

عجبا لنظام يعلن الحرية ومكافحة الفساد والشفافية، ثم يلغي بجرة قلم وبوقاحة حقا مكتسبا ناضل من أجله الشرفاء في مؤسسات تعمرها عصابات الفساد والحقد والجهل، ليتم تكريس الرداءة الفكرية والمؤسسية ولأعوام قادمة.

وهو حال المادة 29 وفيها تم ربط معايير الترشيح لتسيير المعاهد والمدارس العليا بمرسوم يصدر لاحقا وبالطبع وفقا لهوى النظام والوزير ورفاقه.

وهو حال المادة المتعلقة بتشكيل المجلس الوطني للتعليم العالي الذي يحدد مرسوم وزاري لاحق معايير الالتحاق به وتسييره سدا للباب أمام المزعجين من أصحاب الكفاءة والجرأة في الحق والتمرد على السوء المنهجي والفعلي.

والنص الجديد في أغلب مواده لغة ركيكة وعبارات مقحمة، مناقضة لجوهر القيم الإسلامية والعربية، ومليئة بالأخطاء الفادحة حتى إنه يجري الحديث عن مجلس تربوي في الجامعة لأن المحررين لا يميزون بين الأكاديمي والتربوي، أو يريدون ذلك بسوء نية وسخرية.

في المادة الأولى: جاء الحديث الماكر الوقح عن مبادئ منها احترام الإسلام، احترام القيم الكونية، ثم ختمت بكلام عام لا يحمل أي إلزام عن مواصلة تطوير التعليم باللغة العربية... كذا.

وللعلم فإن الدول غير الإسلامية تحترم الدين الإسلامي في النصوص القانونية ومنها الكيان الصهيوني، أما الإشارة للغة العربية فهي من معجم السخرية من عقول أهل العربية لأنه ببساطة لم يجر يوما العمل على إنفاذها في التعليم العالي التقني والعلمي. حتى يكون هناك مجال لمواصلة جهود لم تبدأ أصلا.

وفي الباب الثاني، جاءت المادة 11 لتقول إن المهمة الأساسية للجامعات العمومية هي الإسهام في تعزيز الهوية الموريتانية وترقية القيم الكونية.

وللعلم فإن الأمر يتعلق بكشف جديد من شقين، أولهما الهوية الموريتانية التي هي مفهوم جديد في التاريخ والسياسة والاجتماع لإقصاء البعد الإسلامي والعروبي، وثانيهما هو القيم الكونية التي يقصد بها العلمنة والمنهج اللساني الأجنبي ومعايير الخلق والتفكير اللا دينية السائدة في الجامعات الغربية.

إن الذي يجري ببساطة هو مزيد تكريس الاستبداد للسلطة حتى على هيئات التعليم العالي، كي تبقى بيئة بوليسية عفنة تكرس الجهل والتبعية والنفاق والتزلف، وهي عملات زائفة ستطرد نظيرتها النفيسة بكافة أشكالها: الكفاءة، الاستقلالية، الجدية، العقلانية، الفكر النقدي، والأصالة والوطنية.

إنه قانون باطل وفاسد ومنحط وسافل ودنيئ، يكرس سيطرة النظام واستبداده ورفضه لكل ما هو حق وجديد ومسؤول، ومن ورائه جماعات الفساد التي تختفي تحت كل الواجهات ترعى في المال والمناهج والأفكار لتكرس مشروعها الظلامي والمادي واللا أخلاقي.

لقد نكص النظام الحاكم على عقبيه كثيرا، وفي ميادين عدة، وجاءت هذه النصوص لتـؤكد وبلا جدال، حرص الحاكم والإدارة وجماعة الفساد الجامعي، على ضرب كل أمل للحرية الأكاديمية والعلمية في موريتانيا.

حرر في 10 رجب 1431 من هجرة خير البرية

ولله الأمر من قبل ومن بعد..

حماه الله ولد السالم

مدرس في ما يسمى التعليم العالي

نقلا عن أقلام حرة