مشاهدة النسخة كاملة : تركيا وأمريكا: تنافس لا تواطؤ


أبو فاطمة
06-22-2010, 10:10 AM
اليوم ، غداً
تركيا وأمريكا: تنافس لا تواطؤ

سعد محيو

إدارة أوباما أوضحت منذ اللحظة الأولى لدخولها البيت الأبيض أن تركيا تُعتبر أولوية بالنسبة إليها . وهي رفعت شعار “الشراكة النموذجية” بين البلدين التي يجب أن تساعد على تحقيق الأهداف الأمريكية في مثلث الشرق الأوسط آسيا الوسطى القوقاز .

نظرياً، بدت المصالح متطابقة بين واشنطن وأنقرة: فكلاهما يريد تسوية الصراع العربي “الإسرائيلي”، ويرغب في استقرار العراق وبقائه مُوحّداً، وفي عدم امتلاك إيران للقنبلة، وفي تحقيق الاستقرار في أفغانستان، وتغيير مسار سوريا نحو الغرب .

لكن حين نأتي إلى التنفيذ تتغيّر الصورة . فتركيا لم تعد كما كانت منذ 90 سنة، ذلك الشريك الصغير في التحالف الغربي الكبير، التي تُؤمر فتطيع، وتتقبل باستكانة الرفض والإهانة من الاتحاد الأوروبي . إنها تحوّلت خلال العقود الثلاثة الأخيرة إلى قوة إقليمية دولية مكتملة النمو تقريباً، تحتل المرتبة السادسة عشرة في الاقتصاد العالمي، وتريد موقعاً في النظام الدولي يتناسب مع قوتها هذه .

بكلمات أوضح: تركيا تريد الاعتراف بها (مجدداً) كقوة كبرى، كما تريد من الغرب احترام مصالحها المُتوّسعة مع الشرق . وهذا ليس موقف رجب طيب أردوغان وحده، بل هو حصيلة اجماع تحقق أخيراً في أوساط النخبة السياسية التركية برمتها: عسكراً ومدنيين، يساراً ويميناً، علمانيين وإسلاميين .

حين خطب الرئيس أوباما قبل نحو السنة أمام البرلمان التركي داعياً إلى الشراكة النموذجية والتعاون الاستراتيجي بين تركيا والولايات المتحدة، ظن الكثيرون أنه على وشك القبول بهذه المطالب التركية، في إطار استراتيجيته الجديدة القاضية بصياغة نظام عالمي جديد يستند إلى مجموعة العشرين . لكن يتبيّن الآن أن الخطب الرنانة شيء، والممارسة العملية شيء آخر .

فواشنطن، وعلى رغم كل التطابق بين أهدافها وأهداف تركيا في الشرق الأوسط، لاتزال ترفض الأسلوب التركي لتحقيق هذه الأهداف، والذي يستند إلى الحوار والتعاون الاقتصادي والأمني والسياسي وإلى شعار “الخلافات صفر مع الجيران” . إنها (واشنطن) تسعى على العكس إلى بذر الشقاق في الشرق الأوسط، كي تضمن استمرار هيمنتها على المنطقة . وهذا يشمل حفر الخنادق بين إيران وجيرانها العرب، وعرقلة أي مسعى لتطوير ترتيبات إقليمية جديدة، وإبقاء حالة التوتر الشديد خاصة في منطقة الخليج العربي .

لابل يمكن القول أيضاً أن طموح واشنطن الأكبر هو استئناف ما انقطع من حروب بين تركيا العثمانية وإيران الصفوية، بعد أن أزال الغزو الأمريكي للعراق خيار الحروب العربية الفارسية التي نجحت واشنطن في إشعالها ب”كفاءة عالية” .

علاوة على ذلك، لاتزال السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط أسيرة المصالح “الإسرائيلية” واليهودية الأمريكية المتطرفة، التي تواصل رفض أي نظام إقليمي جديد يعترف بمصالح تركيا وإيران ويُنهي الهيمنة “الإسرائيلية” عليه .

كل هذه المعطيات تشي بأن تقسيم العمل المُفترض بين أنقرة وواشنطن مُمكن نظرياً لكنه يبدو مستعصياً على أرض الواقع، إلا بالطبع إذا ما قبلت الأولى الاعتراف بالدور الإقليمي للثانية، كما اعترفت من قبل بدور البرازيل في أمريكا الجنوبية، وروسيا في اتحادها السوفييتي السابق، وماليزيا وتايلاند في جنوب شرق آسيا .

لكن، وإلى أن يحدث ذلك، سيكون التنافس لا التواطؤ، والندّية لا التبعية، هو السمة الجديدة للعلاقات التركية الأمريكية .

نقلا عن دار الخليج