مشاهدة النسخة كاملة : جوهر القلق الأمريكي من الدور الإقليمي المتعاظم لتركيا


أبو فاطمة
06-22-2010, 09:48 AM
جوهر القلق الأمريكي من الدور الإقليمي المتعاظم لتركيا


علي الرشيد

لم تكن الأحداث الأخيرة المرتبطة بتداعيات "أسطول الحرية"، وتصويت أنقرة ضد فرض عقوبات دولية جديدة على إيران في مجلس الأمن الدولي، سوى القشة التي قصمت ظهر البعير للكشف عن قلق الإدارة الأمريكية من التوجهات التركية الجديدة المرتبطة بحكومة حزب العدالة والتنمية، والغضب المصحوب بالتهديد والوعيد الذي صرّح به برلمانيون أمريكيون محسوبون على اللوبي الصهيوني إزاء أنقرة، إذا ما قررت البقاء في نفس المربع وعدم مغادرته، وبالتالي فإن القلق الأمريكي الرسمي، وغضب بعض نخبه السياسية والبرلمانية ليس وليد اليوم وإنما يعود لشهور أو سنين خلت - تقدر بعشر سنوات - ، حيث كان يتفاعل بشكل تدريجي حتى بلغ ذورته وطفا على السطح مؤخراً.

والسؤال الذي يطرح نفسه: ما الأسباب التي أثارت قلق الإدارة الأمريكية إزاء الحكومة التركية؟ وما آفاق العلاقة بين الدولتين وانعكاساتها المستقبلية؟ .. لعل أهم هذه القضايا:

أولاً: التوجه الأيديولوجي الإسلامي للحكومة - بخلاف التوجهات العلمانية لسابقاتها من الحكومات التي لم يرأسها حزب العدالة والتنمية - المسنود بتأييد شعبي كبير كشفت عنه صناديق الاقتراع في أكثر من انتخابات واستفتاء، والمظاهرات الضخمة وخاصة التي نظمت للتنديد بمجزرة "إسرائيل" ضد سفن أسطول الحرية والتي تضمنت رموزاً ولافتات إسلامية ظهرت فيها النساء المشاركات وهن يرتدين الحجاب، والرجال يضعون عصابة حماس المكتوبة بالعربية، ويرددون عبارات عقائدية للتنديد ب"إسرائيل" - بحسب صحيفة أمريكية.

ثانياً: إن أنقرة اليوم لم تعد حليفة طيّعة لواشنطن كما كانت طيلة عقود، ورغم العلاقات الوطيدة بين تركيا والولايات المتحدة فإن مواقف الأولى ظهرت مختلفة غير مرة عن مواقف الأخيرة في الشهور الأخيرة، بل ربما استفزّت واشنطن وأزعجتها، فقبل شهر فقط أثارت تركيا حفيظة الولايات المتحدة حينما أعلنت هي والبرازيل عن إبرام صفقة مع إيران لتهدئة التوتر الناجم عن أزمة برنامجها النووي، في اتفاق كان يهدف إلى تجنيب طهران العقوبات الأممية التي أيدتها واشنطن، ثم قامت بالتصويت ضد فرض عقوبات جديدة عليها في مجلس الأمن، واستقبال الرئيس الإيراني أحمدي نجاد ورئيس الوزراء الروسي فلاديمير بوتين استقبالاً وصفته صحيفة نيويورك تايمز بأنه كان حاراً في قمة للأمن الإقليمي بإسطنبول، وتوّج ذلك بمواقف الطرفين المتناقضة بخصوص مجزرة سفينة مرمرة، حيث قال وزير الخارجية التركي أحمد داوود أوغلو قبيل لقاء مع نظيرته الأمريكية هيلاري كلينتون: "نحن نتوقع من الولايات المتحدة أن تظهر تضامنا معنا.. وأنا لست سعيداً بالتصريحات التي صدرت عن الولايات المتحدة".

وكانت بدايات هذا الافتراق تعود لعام 2003 حينما صوت حزب العدالة والتنمية آنذاك ضد السماح للولايات المتحدة بمهاجمة العراق من الأراضي التركية.

ثالثاً: التوجه نحو الشرق الإسلامي وإنهاء خلافات مزمنة مع دوله، وإقامة تحالفات جديدة في المنطقة قائمة على التعاون وحسن الجوار وبناء شراكات اقتصادية وثقافية واجتماعية متطورة معه، ويعتقد الأمريكيون أن هذا التوجه يأتي على حساب علاقات تركيا بالغرب، فقد عبّر وزير الدفاع الأمريكي روبرت غيتس عن قلقه من توجه أنقرة شرقاً، وإن كان عزا ذلك إلى تقصير الأوروبيين في ضم تركيا إلى اتحادهم، مطالباً الولايات المتحدة وحلفاءها الأوروبيين بـ "التفكير ملياً وبعمق في أسباب هذه التطورات التي تقع في تركيا، ومعرفة ما عليهم فعله لمواجهتها، وإشعار القادة الأتراك بقيمة الروابط مع الغرب، وإقناعهم بأهميتها".

رابعاً: توتر العلاقات بين "إسرائيل" وتركيا، والتي وصلت مرحلة تلويح حكومة رجب طيب أردوغان بخفض مستوياتها الدبلوماسية مع تل أبيب وتقليص التعاون الأمني والعسكري والاقتصادي معها إن لم تستجب لمطالبها، بتقديم اعتذار رسمي عن حادثة الاعتداء على سفينة مرمرة وإجراء تحقيق دولي بشأنها، وكشفت عن حجم كراهية الشعب التركي لجرائم الصهاينة خصوصاً بعد الحادث، وما سبقها من عدوان إسرائيلي على غزة في الحرب التي شنت نهاية 2008 ومطلع 2009 وحصار ظالم ما زال مطبقاً عليها حتى الآن.

وفي هذا الصدد أشار وزير الدفاع الأمريكي إلى أن "التدهور في العلاقات بين تركيا و"إسرائيل" أمر يبعث على القلق"، واعتبر أن العلاقة التي وصفها بالبناءة بين الدولتين "أسهمت في استقرار المنطقة، معرباً عن أمله في أن تكون "إعادتها أمراً ممكناً مع مرور الوقت".

ويدخل في إطار القلق الأمريكي الشعبية والمكانة التي حظي بها أردوغان في الأوساط العربية والإسلامية من خلال مواقفه وتصريحاته الأخيرة كأكبر منافح عن القضية الفلسطينية، وهو ما صنع منه بطلاً وزعيماً، خصوصاً في ظل تقاعس أغلب الأنظمة العربية عن هذه المهمة، وبدلاً من العلاقة الحميمة بين "إسرائيل" وتركيا والتي كانت سائدة لقرون، وتبادل الشكوك المشتركة تجاه البلاد العربية، حلّ محلها تقارب أنقرة مع دول عربية وإسلامية تعتبر عدوة تقليدية ل"إسرائيل" كسوريا وإيران.

ولعل هذا ما دفع نواب أمريكيين لتحذير أنقرة من أن علاقاتها مع واشنطن سوف تتضرر إذا استمرت فيما يرونه مساراً معادياً ل"إسرائيل"، ووصل الأمر بالنائب الجمهوري مايك بنس بتهديدها "بدفع الثمن" فيما لو "استمرت في موقفها الحالي من التقارب مع إيران وزيادة العداء لدولة إسرائيل".

باختصار: إن تركيا حزب العدالة والتنمية ذا الجذور الإسلامية الذي يذّكر الأتراك والمسلمين بأمجاد إمبراطوريتهم العثمانية، تريد بتحركاتها إثبات دورها الإقليمي الذي غابت عنه طويلاً، والاعتراف به دولياً. ورغم حرصها على عدم قطع الخطوط مع الولايات المتحدة والغرب الأوربي، فإنها "قد تفعل أشياء تتعارض في مقاصدها مع ما تريده القوى الكبرى في المنطقة" مكرّسة بذلك استقلالية قراراتها، متسلحة بموقعها الجيوبولتيكي المهم، ووضعها الاقتصادي الجديد كإحدى الدول الصناعية المتقدمة العشرين، وتجربتها الديمقراطية التي لا يمكن ل"إسرائيل" المزايدة عليها، ودبلوماسيتها الناجحة التي شكلت دوراً جديداً لها في انفتاحها على الشرق العربي والإسلامي الذي تجاهلته لعقود، وهو ما جعل الولايات المتحدة والغرب في حاجة لها أكثر من حاجتها إليهم. ولعل مجمل ذلك يفسر القلق الذي تشترك فيه الولايات المتحدة مع حليفتيها "إسرائيل" وأوروبا من الدور الإقليمي المتعاظم لتركيا في المنطقة والخشية من انعكاساته المستقبلية المتوقعة.

نقلا عن المركز الفلسطيني