مشاهدة النسخة كاملة : تركيا تدفع الثمن نيابة عنا


أبو فاطمة
06-22-2010, 08:27 AM
تركيا تدفع الثمن نيابة عنا


فهمي هويدي

تركيا تدفع الآن ثمن تصالحها مع ذاتها وتضامنها مع الشعب الفلسطيني، الأمر الذي يمهد الطريق للانقلاب الإستراتيجي، الذي لاحت بوادره في الشرق الأوسط، الذي يمثل غياب مصر نقطة الضعف الأساسية فيه.

(1)

في الأسبوع الماضي استضاف برنامج «إسكلا سنجق» (المرفأ والراية)، الذي تبثه القناة السابعة التركية مجموعة من الضيوف لمناقشة انطباعاتهم عن أسطول الحرية، الذي انطلق لكسر حصار غزة، وهاجمته "إسرائيل" في المياه الدولية. اثنان من الضيوف كانا من بين ركاب السفينة «مرمرة»، التي تعرضت للعدوان الإسرائيلي. أحدهما فنان اسمه سنان البيرق.

قال إنه حين انضم إلى الناشطين المسافرين كان خاطباً لفتاة تركية. وحين عاد وجد أن خطيبته طلبت منه أن يكون أول ما يفعلانه بعد الزواج أن ينضما إلى المجموعة المسافرة على ظهر الدفعة الثانية من سفن أسطول الحرية التي تجهز الآن لمواصلة محاولة كسر الحصار.

الضيفة الثانية كانت عارضة أزياء سابقة (غير محجبة)، وقد قالت في حديثها إنها ذهبت استجابة لنداء كسر حصار غزة لأسباب إنسانية بحتة، وخرجت من بيتها متطوعة، لكنها بعد الذي جرى للسفينة، وجدت أنها عادت من الرحلة مناضلة وصاحبة قضية نذرت نفسها للدفاع عنها. الضيف الثالث كان والد الفتى فرقان دوجان البالغ من العمر 14 عاماً الذي قتلته القوات الإسرائيلية، وقد قال بصوت هادئ إنه احتسب ابنه شهيداً عند الله، وأن شقيق فرقان وشقيقته قررا أن ينضما إلى أول قافلة تالية تسعى لكسر حصار غزة.

هذه الانطباعات ليست مشاعر استثنائية.. إنما هي انعكاس لموقف الأغلبية، التي فتح العدوان على غزة في عام 2008 أعينها على بشاعة الوجه الحقيقي ل"إسرائيل"، وكانت تلك هي اللحظة الكاشفة، التي أيقظت الضمير التركي. وجددت انتماءه إلى الأمة التي تباعد عنها حيناً من الدهر. ومن ثم جعلت الجماهير تندفع لاحتضان فكرة «أسطول الحرية». ورغم الدم التركي الذي سال أثناء المحاولة الأخيرة لكسر حصار غزة، فإن الحماس الجماهيري المتأجج دفع هيئة الإغاثة التركية إلى تجهيز ست سفن أخرى للقيام بمحاولة ثانية لكسر الحصار. وتم إبلاغ الاتحاد الأوروبي بأن تلك السفن سوف تنطلق إلى هدفها في النصف الثاني من شهر يوليو المقبل.

(2)

غضب الحكومة في أنقرة لا يقل عن غضب الشارع في إسطنبول، ذلك أن ثمة إجماعاً بين عناصر النخبة السياسية، الذين التقتهم على الأقل، على أن استهداف السفينة مرمرة كان متعمداً، كما أن قتل الأتراك دون غيرهم لم يكن خطأ أو مجرد مصادفة. وأن إسرائيل في الحالتين أرادت أن توجه رسالة إلى حكومة السيد أردوغان، رداً على موقفه من بيريز في مؤتمر دافوس وتحديه لها في موضوع إهانة السفير التركي في تل أبيب. ورداً على تصريحاته الناقدة للسياسات الإسرائيلية الوحشية تجاه الفلسطينيين في الوقت الذي يتزايد فيه اقترابه من العالم العربي، ولأن الرسالة وصلت إلى أنقرة فإن أردوغان صعد نقده لإرهاب الدولة في "إسرائيل". ورئيس الجمهورية عبد الله جول أكد في أكثر من تصريح أن العلاقات مع "إسرائيل" بعد الهجوم على «مرمرة» لن تعود إلى ما كانت عليه في السابق. وقال بيان صادر عن وزارة الخارجية التركية إنه تم تشكيل لجنة وزارية لتقييم الموقف، الذي نشأ بعد الهجوم على أسطول الحرية، ووضع ما سمي بـ«خريطة طريق» للتعامل مع تداعيات هذا الموقف من مختلف الزوايا. ذلك أن ما جرى كانت له أصداؤه القوية في ثلاث دوائر على الأقل. الأولى تتصل بالساحة السياسية الداخلية، والثانية تخص العلاقات الإسرائيلية- التركية، والثالثة تنصب على العلاقات الأمريكية- التركية.

فيما تعلق بالوضع الداخلي في تركيا فالثابت أن ما حدث رفع من شعبية الحزب الحاكم وزعيمه رجب أردوغان حتى وصلت إلى 40٪ حسب استطلاعات الرأي العام. وكان الحديث يدور في الأسابيع الماضية عن 33 و34٪، لكن ذلك أثار انتقادات في أوساط الخصوم السياسيين، الذين يتمثلون أساساً في حزب الحركة القومية والشعب الجمهوري. كما أنه أشاع استياء في محيط الفئات التي ارتبطت مصالحها ب"إسرائيل" والولايات المتحدة. ومنطق الآخرين مفهوم، أما الأولون فقد عبرت عنهم كتابات نشرتها بعض الصحف حذرت من مغبة الابتعاد عن الفلك الأمريكي والإسرائيلي، ومن تورط تركيا في الصراع العربي- الإسرائيلي. وتحدث بعض الكتاب عن أن أردوغان حرص على تصعيد الموقف مع "إسرائيل" لأسباب انتخابية، ولكي يعزز موقف حزبه ويوسع من التأييد الشعبي له في الانتخابات التشريعية التي ستجرى في العام المقبل.

سألت عن موقف الجيش الذي عادة ما كانت له كلمة- فاصلة أحياناً- في مثل هذه الأمور، فتلقيت ردين، الأول أن موقف الحكومة تم بالاتفاق مع رئاسة أركان الجيش، والثاني أن نفوذ الجيش تقلص خلال السنوات الأخيرة، بحيث إنه لم يعد بالقوة التي كان عليها في السابق.

ليس فقط بسبب تراجع دوره في مجلس الأمن القومي، ولكن أيضاً لأن تورط بعض قياداته وعناصره في قضية التنظيم السري الانقلابي «أرجنكون» أساء إليه وسحب الكثير من رصيده خصوصاً بعدما نسب إلى ذلك التنظيم من اتهامات شملت عمليات قتل سياسية وتحضيراً لإثارة الفوضى في الداخل.

(٣)

ملف العلاقة مع "إسرائيل" أكثر تعقيداً وسخونة. ذلك أن هجومها على أسطول الحرية، وتعمد قتلها تسعة من الأتراك، شكل انعطافة مهمة وأحدث انتكاسة كبرى في العلاقات التاريخية والراسخة بين البلدين. وهي التي توثقت في عام 1996، الذي وقعت أثناءه عدة اتفاقات عسكرية واستخباراتية بينهما كانت بمثابة نقلة نوعية في وضع الأساس لعلاقات إستراتيجية بين البلدين، حتى أثارت في حينها توقعات بالمضي نحو تشكيل محور تركي- إسرائيلي- أمريكي في المنطقة، لكن ذلك كله تبدد الآن، وبدا كأنه من ذكريات زمن سحيق انقلبت فيه الأمور رأساً على عقب.

التطورات التي طرأت على مسار علاقات البلدين تثير سؤالين كبيرين، هما: كيف ستتعامل الحكومة التركية مع "إسرائيل" بعد الذي جرى؟ ثم، ما هي خيارات "إسرائيل" في الرد على الموقف التركي الذي خيب آمالها وتحدى سطوتها وهيلمانها؟

في الرد على السؤال الأول هناك مستويان، الأول يخص واقعة استهداف السفينة مرمرة وقتل الأتراك التسعة، الذين كانوا من بين ركابها. والمستوى الثاني يتعلق بعموم العلاقات القائمة بين البلدين منذ عام 1949 (كانت تركيا أول دولة مسلمة اعترفت بإسرائيل). بالنسبة لموضوع قافلة الحرية فإن حكومة أنقرة لديها أربعة مطالب هي: إجراء تحقيق دولي فيما جرى- اعتذار "إسرائيل" عن استهداف السفينة التركية وقتل بعض الأتراك الذين كانوا على ظهرها- دفع تعويضات مالية لأهالي الضحايا التسعة- إعادة السفن التركية الثلاث التي حملت المساعدات لإغاثة أهل غزة. وهذه المطالب ترفضها "إسرائيل" باستثناء الرابع منها الخاص بالسفن الثلاث المحتجزة لديها.

صحيفتا «ستار» و«حريات» التركيتان تحدثتا عن إجراءات ستتخذها حكومة أنقرة، أقرتها اللجنة الوزارية، التي شكلت لتقييم العلاقات مع "إسرائيل"، ذلك أن رفضها للمطالب التركية سيؤدى يقينا إلى الهبوط بالعلاقات الدبلوماسية إلى أدنى مستوى. وهو ما توقعته إذاعة الجيش الإسرائيلي، التي تحدثت عنه «حضيض جديد» في علاقات البلدين. (للعلم: حين سحبت تركيا سفيرها من إسرائيل بسبب غزو لبنان عام 1982، فإن عملية إعادة السفير إلى تل أبيب استغرقت عشر سنوات).

الذي لا يقل أهمية عما سبق، وربما الأخطر، أن تدهور العلاقات من شأنه أن يؤدي إلى إعادة النظر في 59 اتفاقية بين البلدين، بينها 16 اتفاقية عسكرية وأمنية تبلغ قيمتها سبعة مليارات ونصف المليار دولار، يفترض أن تسددها تركيا إلى "إسرائيل"، وضياع هذا المبلغ الكبير عليها يشكل لها ضربة اقتصادية موجعة. وهذه الصفقات تشكل شراء طائرات بدون طيار، وألف دبابة مدرعة من طراز «ميركافا 3» بقيمة خمسة بلايين دولار، ومشروع مشترك لبناء صواريخ بقيمة 1.5 مليون دولار، وتحديث طائرات فانتوم وتحديث دبابات وتأهيل طيارين أتراك وتدريب طيارين إسرائيليين في الأجواء التركية.. إلخ. وقد نشرت صحيفة «زمان» المقربة من الحكومة أن توجيهات صدرت للشركات التركية، التي تتعامل مع الصناعات العسكرية الإسرائيلية بإلغاء الصفقات الموقعة معها.

حين سألت ما هي الأوراق التي تملكها "إسرائيل" في الضغط على تركيا وترهيبها، كان الرد أن حاجة "إسرائيل" إلى تركيا أكبر بكثير من حاجة تركيا إلى "إسرائيل". فأنقرة لا تعول كثيراً على "إسرائيل"، وما تحصله منها يمكن توفيره من بدائل أخرى (روسيا سارعت بعد الأزمة الأخيرة إلى عرض مساعداتها على أنقرة لتوفير احتياجاتها العسكرية). أما "إسرائيل" فهي تريد الكثير من تركيا اقتصادياً وعسكرياً وإستراتيجياً.

أضاف محدثي القريب من دوائر رئيس الوزراء أردوغان أن "إسرائيل" تراهن في مواجهة الأزمة الحالية على عدة عوامل، أهمها ضغوط حلفائها في واشنطن على أنقرة. والأرجح أنها ستستخدم اختراقها لبعض التجمعات الكردية لإزعاج حكومة أنقرة (يربط بعض المحللين بين المجزرة التي حدثت في مدينة الإسكندرونة، وقتل فيها ستة من الجنود الأتراك وبين انطلاق أسطول الحرية يوم 30 مايو الماضي، ويرون أنها رسالة تحذيرية إسرائيلية). وقد تلجأ "إسرائيل" أيضاً إلى إثارة بعض الاضطرابات الأخرى في داخل تركيا.. وفي حين قررت لجنة العلاقات الخارجية في الكنيست عقد جلسة خاصة لمناقشة ما وصفوه بـ«مذبحة الأرمن» كيداً في تركيا وتشهيراً بها، فقد انطلقت في "إسرائيل" حملة شعبية لمقاطعة السياحة في تركيا والمنتجات الصناعية والزراعية التركية، التي تباع في "إسرائيل"، إلى غير ذلك من الإجراءات التي لا تترك أثراً موجعاً للاقتصاد التركي (صحيفة صباح ذكرت أن الأفواج السياحية الإسرائيلية ألغت حجوزاتها، في حين أن السياحة العربية زادت بنسبة 40٪ على العام الماضي، وأشارت إلى أن السائح العربي ينفق ثلاثة أضعاف ما ينفقه السائح الإسرائيلي).

(4)

ما كان يمكن أن تغضب "إسرائيل"، دون أن يتردد صدى ذلك الغضب قوياً في واشنطن. وهذا ما حدث. فقد نقلت وكالات الأنباء (في 17/6) أن مؤتمراً صحفياً عقده بهذا الخصوص في العاصمة الأمريكية بعض النواب الجمهوريين والديمقراطيين، الذين حذروا تركيا من استمرارها فيما اعتبروه عداء لإسرائيل. فقال النائب مايك بنس إن تركيا «ستدفع الثمن» إذا استمرت على موقفها الحالي من التقارب مع إيران وزيادة العداء ل"إسرائيل". ووصف النائب الديمقراطي إليوت أنجيل أفعال تركيا بأنها «مخزية». في الوقت ذاته وقع 126 عضواً في مجلس النواب رسالة طلبت من الرئيس أوباما معارضة أي إدانة دولية ل"إسرائيل" بسبب عدوانها على أسطول الحرية.

وقعت على تحليل أعمق لهذا الملف نشرته صحيفة الشرق الأوسط في 10/6 منسوباً إلى خدمة صحيفة «نيويورك تايمز»، ذكر أن تركيا أثارت غضب واشنطن، التي اعتبرتها تحدياً لسياستها لأهم قضيتين إقليميتين إلحاحاً، هما: البرنامج النووي الإيراني (حين اتفقت مع البرازيل لحل إشكال البرنامج بعيداً عن الوصاية الأمريكية)- وعملية السلام الإسرائيلية- الفلسطينية (لاحظ أن أردوغان رفض اعتبار حماس منظمة إرهابية). وأضاف التقرير نقلاً عن ستيفن كوك الخبير لدى مجلس العلاقات الخارجية أن واشنطن باتت تنظر إلى تركيا باعتبارها «تعبث بأرجاء المنطقة وتقدم على أفعال تتعارض مع ما ترغبه القوى العظمى»، من ثم فإن السؤال الذي أصبح مطروحاً في واشنطن الآن- والكلام لا يزال للسيد كوك- هو: كيف يمكن الإبقاء على تركيا في حدود حارة الطريق المخصص لها؟

هذه المشاهد تشكل الخلفية التي تمهد الآن لما يبدو أنه «انقلاب إستراتيجي» في منطقتنا، الأمر الذي يستدعي مواصلة الحديث في الأسبوع المقبل بإذن الله.

نقلا عن المركز الفلسطيني