مشاهدة النسخة كاملة : نحو تنمية عمرانية مستدامة


أبو فاطمة
06-21-2010, 09:30 AM
نحو تنمية عمرانية مستدامة

الدح ولد كاوي
ماجستير في تهيئة المدن

نحو تنمية عمرانية مستدامة
إن المتأمل في واقع مدننا اليوم يجد نفسه عاجزا عن تصور حجم المشاكل التي لا زالت ترهق كاهلها، في هذا البلد الفتي، الذي بدأ في خطواته الأولى يسير على خطط واستيراتيجييات تنموية وضعها المصممون دون وعي بالظروف الطبيعية الاستثنائية (الجفاف) والمستوى الثقافي لسكان البلد. وهو ما أعطى النتائج الديمغرافية التي لم تكن متوقعة، حيث تضخمت بعض المدن على حساب البعض الآخر، وبرزت أقطاب تنموية جديدة دون أن تكون ضمن الخطة التنموية الشاملة.
من هنا بدأت التحديات العمرانية تنمو مع نمو الدولة، دون أن يصاحب ذلك وعي تام بمخاطر تلك التحديات، وبدأت ظاهرة (المدينة الدولة) حيث أن كل شيء بالنسبة لنا يختصر في مدينة نواكشوط، التي تضم أهم الخدمات وتستأثر بأكثر فرص العمل في الوطن.

لاشك أن كيفية تقسيم المجال عمرانيا من خلال المقاربة الوظيفية (سكن، عمل، خدمات) هي التي تتحكم في العملية التخطيطية برمتها قديما و حديثا. على هذا المستوى ينبغي أن نمتلك رؤية بعيدة المدى تتضمن تناسقا ما بين طريقة تنظيم المجال من جهة، و تسييره من جهة أخرى. وإذا انتقلنا إلى مستوى أكثر تفصيلا، نجد أن التصور العمراني، ومعالجة الفضاء العام هي التي تحدد النماذج المختلفة لكل من: سلاسة النقل، وانسيابية المرور أو على العكس توقف حركة النقل العمومي. الأمر الذي يسري على الأحياء الجديدة في محيط المدينة كما يسري على الأحياء الواقعة بمركزها. حيث أن هذه الأخيرة تضطلع بدور جوهري في نجاعة منظومة النقل، فهي إما مصدرا وإما وجهة لغالبية التنقلات.

إن المتتبع للمسار العمراني لمدينة انواكشوط سيقر بحقائق أهمها على الإطلاق وجود بون شاسع بين تطلعات السكان من الخدمات الحضرية والقدرة الفعلية للمخططين على التجاوب مع تطلعات السكان من جهة و أولويات التنمية و الحياة الحضرية الحديثة من جهة أخرى. كما أن عدم التناغم بين الآمال العريضة التي علقها سكان المدينة على اللامركزية على الصعيد الحضري، وطريقة فهم الفاعلين المحليين (مهندسين ، منتخبين ، سكان ، جمعيات أهلية....الخ) لمسؤولياتهم وأدائهم لها أدى إلى استفحال المشاكل التي تعانيها المدينة.

من هنا فإن الحلول يجب أن تنصب في إطار سياسة التنمية العمرانية المستدامة على مستوى البلد والتي ترتكز على أساسين: أولهما إشراك السكان في عملية التنمية العمرانية من خلال فكرة المقاربة التشاركية، التي تعتبر أداة فعالة في تحقيق عملية التنمية العمرانية المستدامة، وقد اتضح ذلك في العديد من الدراسات التجريبية، عندما تم تطبيق ذلك في تعزيز دور المجتمع كطرف فعال في عمليات التنمية العمرانية وإدارة وتنظيم العملية التنموية وتحسين البيئة العمرانية وفقاً لاحتياجاته ومتطلباته، ويعتبر هذا خطوة تجاه تحقيق التواصل العمراني. وثانيهما إعادة النظر في التخطيط الإقليمي . فمدننا تتوفر على مميزات غير متجانسة، سواء على مستوى التنوع المعماري والبشري، أو على مستوى الاختلال العمراني الحاصل نتيجة تزايد البنايات، خاصة الفوضوية منها، ووجود بعض الغموض أو الثغرات في القوانين العمرانية، كعدم تحديد بعض الصلاحيات بدقة ووضوح دور كل متدخل على المحيط الحضاري. فخطة التنمية إما أن تهدف إلى تطوير القطاعات الإنتاجية وزيادة طاقتها بحيث تفوق الزيادة السكانية. وإما أن تسعى إلى زيادة عدد السكان عن طريق تشجيع الزيادة الطبيعية حتى تتوفر الأيدي العاملة لاستثمار الموارد الطبيعية المتاحة كما هو الحال في الدول البترولية في شبه الجزيرة العربية، أو الدول حديثة العمران البشري كاستراليا والأرجنتين وإما أن تحاول إيجاد نوع من التوازن بين الزيادة الطبيعية والزيادة الإنتاجية.

ومن هنا فإننا نقترح في إطار التخطيط الإقليمي العمل على توزيع مراكز الثقل الاقتصادي بشكل عادل، من خلال إعادة النظر في التوزيع السابق، إلى جانب تطوير المراكز الريفية، وتنمية المدن الصغيرة والمتوسطة.

إن الوضع الحالي الذي تتميز به مدينة انواكشوط، من التضخم وتركز العديد من الأنشطة التجارية والخدمات، هو الذي يبعث ويلح على أهمية تطبيق فكرة تخطيط المراكز الجانبية أو الهامشية التي توجد قريبة من المدينة، والتي ستكون مهمتها تخفيف الضغط عن العاصمة ومركزها المتشبع.

إن أهم الأهداف التي يجب أن يضعها التخطيط الإقليمي في الاعتبار هي إيجاد نوع من التوازن الاقتصادي بين أقاليم الدولة المختلفة وخاصة بين المناطق الحضرية والريفية وبين النطاقات الزراعية والأقاليم الصناعية بكل مستوياتها أو بمعنى آخر المتطورة والمتخلفة. وستساعد هذه العملية في الحد من الزيادة والتضخم اللذان تعرفهما انواكشوط، لما ستعمل عليه من كبح لجماح الهجرة، التي أثرت مباشرة على المناطق المجاورة نتيجة لدرجة التشبع التي وصلت إليها العاصمة. الشيء الذي ساهم في انتشار التحضر الفوضوي. لذا فالحلول الهيكلية المرتقبة لا يمكن أن تكون مقتصرة على البرامج والمخططات المحلية، فتوفير التسهيلات الضرورية اللازمة مستقبلا لقيام مشاريع الإنماء الاقتصادي والخدمات الاجتماعية، يشترط أن تتم على أساس اللامركزية، مما يعني القيام بتوزيع مراكز الثقل الاقتصادي في المناطق المهمشة، سواء في الجنوب الشرقي أو الوسط الغربي. وذلك لخلق محاور اقتصادية ذات جذب إقليمي كبير يمكن أن تحد من نفوذ العاصمة، وبالتالي المناطق والمدن الشمالية، كما يمكن أن يساهم في وضع طريقة جديدة لتوزيع الأنشطة الاقتصادية، وبالتالي توزيع السكان داخل البلاد.

وللمحافظة على التوازن البيئي المحلي لا بد من تحقيق تنمية حضرية وريفية مزدوجة، وذلك تجاوزا للمشاكل المحلية سواء ضمن المدينة أو القرى المجاورة أو الولايات التي تكون كلها خزانا من التجمعات الريفية والعمالة. هذه التجمعات عموما لا تزال تعاني من جيوب الفقر المادي وضآلة الأراضي الفلاحية في بعض الأحيان، إلى جانب الجفاف الذي أتى على مصادرها الاقتصادية الطبيعية من رعي وزراعة. كل ذلك مع غيره أفرز موجات هجرة متتالية من سكان هذه التجمعات نحو المدينة. لذا فإن التوازن الهيكلي والمجالي المنتظر يتطلب من السلطات المحلية والإقليمية خاصة، تطوير المراكز والتجمعات الريفية المجاورة للعاصمة والبعيدة منها، والعمل على توسيع بناء المدن والقرى التي توجد بالقرب من هذه المراكز وتكثيف مشروعات التنمية الريفية فيها.

وبهذا يمكن لهذه المراكز أن تصبح وحدة اقتصادية واجتماعية تنتمي لإقليم حضري وريفي متكامل ومتزن، من حيث توزيع الأنشطة والأدوار. وهذا التصور لا يمكن أن يكتب له النجاح إلا بعد توحيد استراتيجيات التنمية الريفية والحضرية معا. وذلك إما على نطاق إقليمي أو على نطاق وطني.

ويمكن القول بأن تنمية شبكة حضرية متوازنة بالبلاد يجب أن يبدأ باتخاذ سياسة عمرانية واضحة ومحددة الأهداف وذلك بجعل العاصمة والمدن الكبرى بالبلاد تفقد هيمنتها الاقتصادية تدريجيا، وخصوصا العاصمة (انواكشوط). وإجراء تنمية متوازنة في جميع أنحاء البلاد عبر تنمية المدن الصغيرة والمتوسطة، وذلك في ضوء توفير وتهيئة الظروف المحيطة بها، من حيث التطوير والنمو. كما يجب أن تركز التنمية العمرانية للمدن الصغيرة والمتوسطة على سياسات إقليمية تعنى بتنمية المدن في إطار أقاليم حضرية كبرى، وسياسات محلية على مستوى المدن نفس

نقلا عن الأخبار