مشاهدة النسخة كاملة : خطّة الرباعية الدولية لكسر الحصار على غزّة


أبوسمية
06-20-2010, 06:11 PM
خطّة الرباعية الدولية لكسر الحصار على غزّة

د.عبدالعاطي محمد

ألقت واقعة الهجوم "الإسرائيلي" على أسطول الحرّية حجراً في المياه الراكدة، تحرّكت على أثره مختلف الأطراف المعنية في اتجاه العمل على كسر الحصار المفروض على غزّة منذ عام 2007. على مدى السنوات الثلاث الماضية ظلّ هذا الهدف مجرّد دعوة خطابية لإبراء الذمم من الأطراف العربية والدولية المعنيّة بينما حافظت السياسة "الإسرائيلية" على موقفها الرافض لرفع الحصار. ولكن أسطول الحرّية غيّر من خطاب الجميع ومن السياسات أيضاً حيث بات كسر الحصار هدفاً عملياً تتحرّك في إطاره هذه الأطراف جميعها ولكن ضمن سيناريوهات مختلفة تجمع بينها قواسم مشتركة قليلة جداً ونقاطاً واسعة للخلاف، فعلى مائدة البحث ثلاثة سيناريوهات: "إسرائيلية" ودولية وعربية تتباين في منطلقاتها وأسسها ومن ثم في آلياتها، ولكنها في نهاية المطاف تؤدّي إلى رفع الحصار تحت مفهوم «الكسر» لا الإنهاء التامّ.

لقد ذهب السيد عمرو موسى أمين عام الجامعة العربية إلى غزّة بعد أيام قليلة من واقعة الاعتداء "الإسرائيلي" على أسطول الحرية وبعد نحو 72 ساعة من حضوره المنتدى العربي التركي الذي عقد في اسطنبول أكّد فيه أن الموقف التركي من "إسرائيل" إضافة قويّة للموقف العربي. وكانت زيارته لغزّة هي الأولى من نوعها منذ ثلاث سنوات، وجاءت متأخّرة للغاية خصوصاً في ظلّ توالي زيارات وفود التضامن الشعبية عربياً ودولياً وزيارات المسؤولين الغربيين الرسمية وزيارة بان كي مون أمين عام الأمم المتحدة في 20 يناير 2009 بعد أيام من انتهاء الحرب "الإسرائيلية" على غزّة والتي أتبعها بزيارة أخرى في 21 مارس الماضي. وقد تسبّب غياب الأمين العام للجامعة العربية في إحراج الجامعة والأنظمة العربية أيضاً خصوصاً مع إصرار الحكومة "الإسرائيلية" على وضع العراقيل أمام تحريك عملية السلام على المسار الفلسطيني. ولكن تغيّر المناخ الإقليمي والدولي بالنسبة لمسألة الحصار ضخّ دماء الشجاعة في عروق الأمين العام للجامعة فذهب إلى القطاع فيما وصفته مصادر الحكومة الفلسطينية المقالة بأنه زيارة تاريخية. وهناك أبلغ موسى حكومة إسماعيل هنية بوجود قرار عربي لكسر الحصار على قطاع غزّة، وأنه قد بدأ تطبيق هذا القرار بزيارته هذه. وقال موسى في مؤتمر صحفي عقب لقائه مع هنية: الحصار "الإسرائيلي" على قطاع غزّة يجب أن يكسر، وهناك قرار عربي واضح بهذا الشأن يجب تنفيذه. ومن جانبه قال أحمد بن حلي نائب الأمين العام للجامعة إن زيارة موسى هي للتأكيد على أن الدول العربية قرّرت بشكل عملي إنهاء الحصار مضيفاً أن القوى العربية تعمل الآن على ذلك، وأن زيارة الأمين العام تجسيد للتضامن العربي مع أهل غزّة بكلّ شرائحه وكلّ الفصائل والمجتمع المدني ورجال الأعمال.

تشديد الأمين العام للجامعة العربية على كسر الحصار وتأكيداته هو ومسؤولي الأمانة العامة بأن هناك قراراً عربياً بذلك يتعيّن تنفيذه ليس فيه جديد، فقد تكرّر مراراً في السابق خلال كلّ أنشطة واجتماعات الجامعة العربية، ولكن الجديد هذه المرّة هو الانتقال عربياً من موقع التعهّدات واتّخاذ القرار إلى موقع التحرّك العملي والتنفيذ، وقد حدث التوقيت للانتقال من القول إلى الفعل بسبب التحوّلات التي طرأت على الموقفين "الإسرائيلي" والدولي (بما فيه الولايات المتحدة) من مسألة حصار غزّة وصبّت في اتجاه البحث عن مخرج من الفشل الذي انتهت إليه سياسة فرض الحصار على القطاع. في "إسرائيل" كان الهدف الاستراتيجي من وراء فرض الحصار ذا أربعة أبعاد: أن يفرض على الفلسطينيين توحيداً من جديد بين الضفة وغزّة تحت قيادة صديق لـ"إسرائيل"، واستعماله كأداة ضغط على حماس للإقلال من عملية إطلاق الصواريخ أو تهديد أمن "إسرائيل"، والحفاظ على وهم أن السلطة الفلسطينية لمحمود عباس وسلام فياض لا تزال صاحبة السيادة القانونية على غزّة، ومنع الاحتكاك مع مصر التي تخشى فتح حدودها مع الفلسطينيين (هآرتس 13/6). وبعد ثلاث سنوات لم تؤتِ هذه السياسة أكلها أو حقّقت نتائج غير كافية على حدّ تعبير هآرتس، فمن الصحيح أن التعاون الاستراتيجي مع مصر قد توثّق كما أصبحت حماس منضبطة منذ عملية الرصاص المصبوب (هجوم غزة في أواخر 2008)، إلا أن سلطة الحركة لم تضعف، كما أن عباس وفياض لم يستعملا سلطتهما في القطاع.

الفشل "الإسرائيلي" في تحقيق هذه الأهداف السياسية من وراء فرض الحصار، قابله استياء غربي مؤثّر من الموقف "الإسرائيلي" تجسّد في تعدد زيارات مسؤولين وبرلمانيين أوروبيين للقطاع وما خرج عن هذه الزيارات من دعوات غربية بضرورة إنهاء الحصار رفعاً للمعاناة الإنسانية التي عانى منها أبناء القطاع ودفاعاً عن الأخلاقيات والأعراف الدولية التي يتحتّم على "إسرائيل" كدولة احتلال احترامها. ومن ذلك زيارة خافيير سولانا المنسّق الأعلى للسياسة الخارجية والأمنية في الاتحاد الأوروبي في 28 فبراير 2009، وزيارة وفد برلماني اسكتلندي في إبريل 2009، وزيارة جيمي كارتر في يونيو من نفس العام، وزيارة وفد من البرلمان الأوروبي في يناير الماضي وزيارة مسؤولة السياسة الخارجية الأوروبية كاترين أشتون في فبراير الماضي. وتصاعد الضغط الغربي عقب واقعة الاعتداء على أسطول الحرّية، فتركية التي كان لها نصيب الأسد من الخسائر المدنية هي دولة أوروبية بغضّ النظر عن ثقافتها الشرقية والإسلامية ولها تأثيرها في الساحة الأوروبية، وقد استطاعت بموقفها المؤازر عملياً لكسر الحصار دفع العواصم الأوروبية إلى تعرية الموقف "الإسرائيلي" وعدم الاقتناع بالحجج التي تطرحها "إسرائيل" لاستمرار الحصار. ومن جهة أخرى حدث تغيّر نوعي مهمّ في الموقف الأميركي صبّ في اتجاه الضغط على "إسرائيل" لتغيير سياستها في موضوع الحصار ليس من منطلق التعاطف مع حماس والعداء لـ"إسرائيل" وإنما اعتراضاً على فلسفة الحصار ذاتها وأدواته التي لم تعد مفيدة بل محرجة لـ"إسرائيل" وسط الرأي العام الغربي والأميركي ومن ثم يصعب على إدارة أوباما الدفاع عنها على طول الخطّ.

وقد توقّفت الصحافة "الإسرائيلية" عند تطوّر مهمّ في الموقف الأميركي من الاعتداء على أسطول الحرّية. فقد لاحظت أن إدارة أوباما التي اتّخذت موقفاً عائقاً لا يبين "إسرائيل" والتي لم تكن مرتاحة مطلقاً للاتفاق التركي البرازيلي-الإيراني بتبادل اليورانيوم المخصّب على الأراضي التركية، هي نفسها التي أصدرت تعليماتها لحكومة نتانياهو بضرورة الاستجابة للإنذار التركي وإطلاق سراح جميع المعتقلين من أعضاء قافلة الحرّية. وقد استنتجت الصحافة "الإسرائيلية" من ذلك الموقف، إضافة إلى الموقف الأميركي في مؤتمر مراجعة معاهدة منع الانتشار النووي عندما لم تعترض واشنطن لأول مرّة على ما قرّره المؤتمر بإخضاع "إسرائيل" للتفتيش على ترسانتها النووية، أن التأييد المطلق والتلقائي من جانب الولايات المتحدة لـ"إسرائيل" انتهى وقته (على الأقلّ في ظلّ إدارة أوباما) وجاء وقت إصدار المؤشّرات تلو الأخرى من جانب واشنطن بأنه من وقت إلى آخر ستكون هناك مواقف أميركية مضادّة للسياسة "الإسرائيلية". ويشار في هذا الصدد أيضاً إلى طلب واشنطن من "إسرائيل" تشكيل لجنة تحقيق دولية في واقعة الاعتداء على أسطول الحرّية.

مما يستدعي ذكره في هذا الصدد أيضاً أن جهات في الإدارة الأميركية أبلغت صحيفة نيويورك تايمز بعد يومين فقط من واقعة أسطول الحرّية بأن الحصار على غزّة «غير قابل للبقاء»، وبعده بيومين صدر تصريح رسمي عن البيت الأبيض يقول إن الترتيبات الحالية للحصار ليست ذات بقاء. فكان ذلك تعبيراً عن وجود خطّة أميركية بالتعاون مع توني بلير لوضع ترتيبات تنهي هذا الحصار.

عربياً تمّت قراءة هذه التطوّرات على أنها فرص مواتية لإجبار "إسرائيل" على رفع الحصار عن القطاع، وربما كان التشدّد "الإسرائيلي" والتعنّت سابقاً في الاستجابة للنداءات العربية والدولية سبباً وراء تأجيل الانتقال العربي من موقع التعهّد الخطابي إلى التنفيذ. ولكن كان هناك سبب آخر لا يمكن إخفاؤه ألا وهو الرغبة في أن يجبر الحصار الطرفين الفلسطينيين المتنازعين فتح وحماس على المصالحة. وقد انتظرت الأطراف العربية كثيراً لإتمام هذه المصالحة ولكنها لم تتحقّق، كما تعرّضت لضغوط شعبية مكثّفة تلومها على التقاعس في اتخاذ تحرّكات عملية لكسر الحصار بينما يمضي الوقت دون أيّ تغيير في الموقف برمّته. وكانت قمّة سرت العربية التي اتّخذت من الدفاع عن القدس شعاراً لها قد عبّرت عن روح جديدة من التوافق العربي ركّزت على ضرورة التصدّي للممارسات "الإسرائيلية" سواء في القطاع أو الضفة. وهنا لم يعد تعليق التحرّك العربي لكسر الحصار على التقدّم في مسألة المصالحة مقنعاً وتقرّر تجاوزه والتعامل مع حماس على أنها أمر واقع دون أن يكون ذلك إشارة بأيّ حال من الأحوال على أنه تكريس لشرعية حكومة غزّة.

التقاء كلّ الأطراف على أن الحصار لم يعد له جدوى ويتعيّن البحث عن مخرج لكسره أو رفعه تماماً، لا يعني أنها متّفقة على سيناريو بعينه لتحقيق هذا الهدف. السيناريو الأول هو السيناريو الدولي أو ذلك الذي تتبنّاه الرباعية الدولية ويقوم توني بلير بالترويج لأفكاره منذ عدّة أيام ويقوم بشكل أساسي على توفير دور للمجتمع الدولي في كسر أو رفع الحصار، وذلك استناداً إلى إجراء تغيير جوهري في القائمة "الإسرائيلية" للمواد والمنتجات التي يسمح بإدخالها إلى القطاع، حيث سيتمّ النصّ على المنتجات غير المصرّح بها وما هو غير ذلك لا يجب أن تعترض عليه "إسرائيل". كما يتضمّن تحرك الرباعية الدولية إنشاء جهاز رقابة دولي بالنسبة للسلع التي تستخدم في أعمال مدنية وعسكرية كالحديد والإسمنت والأنابيب، وستكون "إسرائيل" شريكة في الرقابة ولكن ليس وحدها، وفيما يتعلّق بالمعابر البرّية من "إسرائيل" إلى غزّة سيتمّ فتحها بشكل منتظم ولكن في وجود مراقبين دوليين ومن السلطة الفلسطينية مثلما كان الحال في معبر رفح وفقاً لاتفاق 2005 الذي تجمّد بعد أحداث غزّة عام 2007.

في "إسرائيل" يوجد سيناريو آخر حيث هناك من يدعو إلى قبول هذا العرض لكي تتخلّص "إسرائيل" من الانتقاد الدولي المتواصل والمتصاعد بالنسبة لتعاملها مع القطاع، وهناك أيضاً من يطرح حلاً آخر هو فصل غزّة عن القطاع إلى غير رجعة تعزيزاً للهدف الذي لم يتحقّق عندما تصوّر أرييل شارون أن الانسحاب الأحادي الجانب من هناك سيخلّص "إسرائيل" من التزاماتها تجاه القطاع كدولة احتلال، ويستند أصحاب هذا الحلّ إلى أنه سيرضي العواصم الغربية التي تطالب "إسرائيل" بإنهاء الحصار وتحرير غزّة، ورغم أنه لن يرضي العواصم العربية، إلا أن رضا الغرب أهمّ من وجهة نظرهم. ولكن وفقاً لتصريحات رئيس الحكومة بنيامين نتانياهو تبدو "إسرائيل" أقرب إلى القبول بسيناريو الرباعية الدولية حيث أبلغ نتانياهو مجلس وزرائه بأن تل أبيب لديها سياسة جديدة بالنسبة لحصار غزة قائلاً: «إن المبدأ الذي يقودنا اليوم هو منع تهريب السلاح إلى غزة مع السماح بدخول البضائع وتقييم المساعدة المدنية».. وما يعزّز ذلك السيناريو ما صرّح به أخيراً وزير الخارجية المصري أحمد أبو الغيط بأن الدبلوماسية المصرية عملت على مدار الأيام الأخيرة (عقب واقعة أسطول الحرّية) على متابعة تنفيذ توجيهات الرئيس مبارك فيما يتعلّق بالاتصال مع الجانب "الإسرائيلي" لحثّه على تنفيذ وعد رئيس الوزراء "الإسرائيلي" نتانياهو للرئيس مبارك خلال لقائهما الأخير بالفتح الجزئي والمنتظم للمعابر "الإسرائيلية" على القطاع.

السيناريو الثالث عربي ويتناغم مع أفكار الرباعية الدولية، أي ضمان تدفّق المواد والمنتجات المسموح بها تحت إشراف دولي وفتح المعابر "الإسرائيلية" على القطاع بشكل منتظم أو دائم، ولكنه يضيف إلى ذلك جانباً آخر هو ضرورة إتمام المصالحة الفلسطينية جنباً إلى جنب مع هذا التحرّك المفترض لرفع الحصار (جزئياً). وقد تحدث عن هذا التصوّر السيد عمرو موسى خلال زيارته لغزّة، ولكن حكومة هنية رفضت الربط بين كسر الحصار وإتمام المصالحة والمسارات الأخرى (المفاوضات بين السلطة و"إسرائيل").
السيناريوهات الثلاثة تتعلّق في نهاية المطاف على رفع جزئي للحصار له ضوابط دولية ولكن ترتيبات التطبيق وحلّ كلّ إشكاليات ملف الحصار السياسية قبل الإنسانية تظلّ خاضعة لاحتمالات عديدة متباينة قد تؤدّي إلى انتكاسة هذا التوجه قبل أن يبدأ على أرض الواقع.

نقلا عن المركز الفلسطينى