مشاهدة النسخة كاملة : تأجيل الانتخابات البلدية.. بين عجز فتح وخيبة اليسار!


أبو فاطمة
06-16-2010, 01:33 PM
تأجيل الانتخابات البلدية.. بين عجز فتح وخيبة اليسار!

لمى خاطر



"تأجيل الانتخابات المحلية جاء بطلب من حركة حماس عبر الجامعة العربية بعد طرح موضوع المصالحة مجددا.." هكذا صرح الناطق باسم أجهزة فتح الأمنية، وهذه بطبيعة الحال كانت أكثر الطرائف المرافقة لمسرحية الانتخابات إضحاكا، فمن جهة لماذا يتبرع ناطق أمني لتبرير تأجيل الانتخابات وكشف ما وراء كواليس القرار السياسي؟ الإجابة: إن هذا تقليد طبيعي في نظام الضفة الذي يستوعب كل شيء سوى النظام والمهنية، والأجهزة الأمنية كانت على الدوام ومنذ ثلاث سنوات الراعي الرسمي لأية عملية (ديمقراطية) جرت في الضفة، وكانت تقوم بجهد استثنائي لتغييب وترهيب كل منافس لفتح في أي انتخابات جامعية أو نقابية، ومن جهة أخرى، لماذا تبدو فتح الآن مهتمة لهذه الدرجة بتنفيذ رغبة حماس بتأجيل الانتخابات؟ ولو سلمنا جدلاً برواية المؤسسة الأمنية (رغم نفي حماس لها) فهل تهيئة الأجواء للمصالحة تقتضي فقط تأجيل الانتخابات؟ ماذا عن عمليات الاعتقال السياسي التي لم تتوقف؟ وماذا عن حظر كل مظاهر وجود ونشاط حماس في الضفة؟ وماذا عن قرارات الفصل التعسفي من الوظائف العمومية والتي ما زالت متصاعدة؟ عزام الأحمد كان قد قال إن حماس تستطيع المشاركة في الانتخابات، ولم يقل لنا كيف ستشارك الحركة وهي ممنوعة من رفع راية لها في الضفة! هكذا تكون ديمقراطية غابة البنادق وإلا فلا!

حين كانت فتح قد قررت إجراء الانتخابات المحلية في الضفة بهدف إزالة الشرعية الحمساوية عن كثير من البلديات التي كانت قد فازت فيها في الانتخابات السابقة ( هذا مع العلم أنها سطت على كثير من المجالس البلدية وعينت هيئات بديلة لها) حين فعلت فتح ذلك، لم تكن في وارد التفكير بما سيتمخض عنه في المقابل خوض انتخابات بمستوى الهيئات المحلية في غياب حماس، ونسيت فتح أنها ستفقد هكذا العامل الوحيد الكفيل بتوحيدها أو إرغامها على نبذ خلافاتها الداخلية وتحييدها، وهذا العامل هو وجود حماس التي كانت على الدوام هاجساً لفتح من جهة وصمام أمان لوحدتها المصطنعة والاضطرارية من جهة أخرى.

لكن غياب حماس أو على الأصح تغييبها قسراً وضع فتح أمام تحد جديد، وكشف لها حجم وأبعاد عجزها الداخلي وخلافاتها واستشراء ظاهرة المحسوبيات والمصالح الشخصية والتنازع على المناصب والتي وجدت الحركة أنها تفوق قدرتها على تشكيل قوائم موحدة تخوض خلالها الانتخابات المحلية، خصوصاً وأن الحماس المنقطع النظير الذي أبدته قوى اليسار المختلفة لهذه الانتخابات كان يشكل عامل قلق وتخويف لفتح من أن يحصد اليسار نسبة كبيرة مستفيداً من خلافات الحركة من جهة وغياب حماس من جهة أخرى.

اليسار بدوره مني بخيبة أمل كبيرة جراء قرار التأجيل لدرجة دفعت بعض ناطقيه للمطالبة بتحرك شعبي وجماهيري لإسقاط قرار حكومة فياض! (سبحان الله كيف تقضي شريعة اليسار بصحية مثل هذا التحرك الشعبي، وكيف كانت تحرم أي تحرك مناهض لانتهاكات الحكومة والأجهزة الأمنية للحريات ولحقوق الإنسان، وذلك خشية تعميق الانقسام!)

ولكن شئنا أم أبينا، ينبغي علينا تفهم موقف اليسار الذي يعيش بجميع عناوينه هاجس التلاشي والاندثار، فانتخابات لا تشارك فيها حماس هي فرصة ذهبية لإحراز بعض الأهداف في مرمى الديمقراطية الفلسطينية العرجاء، وقياساً على تقدم اليسار النسبي في الانتخابات الجامعية في الضفة خلال العام الحالي والتي قاطعتها حماس سيصبح مفهوماً أن (يقاتل) اليسار لإسقاط قرار التأجيل!

لكن الطريف في الأمر هو تلك النغمة الجديدة التي خرجت علينا بها قوى اليسار ومفادها أن واقع الانقسام ينبغي التعامل معه وأن الحالة الفلسطينية لا تحتمل تعطيل المسيرة الديمقراطية، وهنا نتوقف عند تعبير (المسيرة الديمقراطية)، فهل شهد الواقع الفلسطيني أي مؤشر على التقاليد الديمقراطية النزيهة منذ ما يعرف بالانقسام ابتداء بتشكيل حكومة غير شرعية وغير دستورية في الضفة ومروراً ببعض المحطات الانتخابية الطلابية والنقابية التي غُيبت حماس فيها قسراً عن المشاركة وكانت الأجهزة الأمنية اللاعب الأساسي فيها لصالح فتح، وتكفلت بمعاقبة حماس أيما عقاب على مشاركتها في بعض تلك المحطات، وتجربة جامعة بيرزيت ما زالت ماثلة أمامنا، فهل تعي قوى اليسار ما تقول حين تتحدث عن مسيرة ديمقراطية وتزعم أن إجراء الانتخابات المحلية كان من شأنه أن يعززها على حد تعبير أحد رموز اليسار في تعقيبه على قرار التأجيل؟

يبدو هنا أن فتح قد أدركت قبل اليسار حقيقة استحالة إجراء انتخابات محلية أو تشريعية في ظل غياب حماس عنها، وهذا الإدراك لم يأت بدافع الحرص على تقاليد الشراكة الوطنية واستيعاب الآخر، بل لأنها رأت بأم عينها كيف أن منافساً من طراز حماس هو عامل توحدها الوحيد، وكيف أن سلبيات تنافسها على الانتخابات مع نفسها أكبر بكثير مما كانت تظن. وبقي أن يدرك اليسار بدوره أن الشعارات الكبيرة التي يطرحها حول الانقسام وآثاره والمصالحة وضروراتها، ينبغي أن تترجمها مواقف عملية تثبت للناس حقيقة تلك الشعارات وصدق مطلقيها، إذ ما دام الانقسام لا يوقف ولا ينبغي أو يوقف عجلة الديمقراطية كما يقول اليسار فعلام التباكي الدائم عليه إذن وجعله مشجباً تعلق عليه كل مآسي القضية الفلسطينية؟ فحين يكون الاحتكام للتقاليد الديمقراطية متاحاً فهذا يعني بالضرورة أن المجتمع يعيش أحسن أحواله وأزهى مراحله، وأن الانقسام لم يؤثر عليه سلباً ولم يدمر حاضره ومستقبله كما تقول أدبيات اليسار الجديدة!

نقلا عن المركز الفلسطيني