مشاهدة النسخة كاملة : مَوْجة يهودية مُضادة


أبو فاطمة
06-16-2010, 09:39 AM
أفق آخر
مَوْجة يهودية مُضادة
خيري منصور

ما الذي يدفع أكثر من ستين كاتباً وأكاديمياً يهودياً في الدولة الصهيونية إلى مطالبة وزير الحرب الجنرال باراك بالسماح لطلاب الجامعات في غزة كي يخرجوا من القطاع المحاصر لإكمال دراستهم في الضفة الغربية، هل هو التعاطف الإنساني المجرد أم الإحساس بأن هؤلاء المحاصرين سوف يزدادون غضباً وبالتالي انتقاماً من أسباب التجهيل والحصار؟ إن شأن هؤلاء المثقفين اليهود أمثال البروفيسور أفيشاي مارغيلت ونير بوعام لا يختلف عن الدوافع التي أدت إلى صرخات احتجاج صاخبة ضد سياسة الصهيونية ازاء الفلسطينيين، ولعلّ إسرائيل شاحاك وبورغ ومَن ساروا على الدرب ذاته كانوا ولا يزالون يقرعون الأجراس منذرين جيل الحرب وجنرالات الاحتلال من مستقبل ملغوم يكون فيه الجيل القادم من اليهود مطالبين بتسديد مديونيات فرضها عليهم الآباء . والمسألة أعقد من أن تلخّص في مواقف أخلاقية لأنها سياسية واستراتيجية في الصّميم، فثمة من اليهود من يرون أبعد مما يرى قادتهم الذين يورطونهم في مواقف يصعب على الجيل الراهن أن يحزر مدى تأثيرها، وما سوف يترتب عليها في المستقبل القريب .

بهذا التصور يكون الأكاديميون والمثقفون اليهود الذين يسبحون ضد تيار الصهيونية أدرى من العميان الذين يقودون السّفينة لأن التاريخ لن يتوقف هذا اليوم أو غداً، وموازين القوى إقليمياً ودولياً ليست أبدية، والمنتصر لا يملك ضمانة أو بوليصة تأمين تاريخية تحصنه من هزيمة ساحقة . وهذه مناسبة للقول بأن أمثال هؤلاء الأكاديميين ومنهم مؤرخون دانوا مجازر مجهولة كمجزرة الطنبورة عام 1948 ليسوا البرهان على جدلية الفكر الصهيوني إنهم من خارجه تماماً ولو كانوا في مداره لتحوّل الأمر إلى كارثة لأن الصهيونية تكون عندئذٍ قد أفرزت نقيضها من داخلها وتحوّلت من أسطورة أحادية البعد إلى تاريخ جدلي، وقد تستخف المؤسسة العسكرية الصهيونية بأمثال هؤلاء وترى فيهم نسبة من الشواذ أو العاقين، لكن ما قاله جيري روبين ذات يوم عن المناهضين لسياسة أمريكا من داخلها ينطبق بدرجة أو أخرى على هؤلاء الأكاديميين .

قال روبين إنهم يقرضون أحشاء الوحش لأنهم يمارسون العصيان من الداخل وليس من الخارج، بحيث تتحوّل أطروحاتهم النقدية إلى أدبيات سياسية ممنوعة من الصّرف .

وما كان لهذه الظاهرة أن تتنامى في جوف الوحش الصهيوني لولا إفراط الجنرالات في القسوة، ونزوعهم إلى الإبادة لأنهم كأسماك القرش يسيل المزيد من لعابهم السّام كلّما شموا رائحة الدم حتى لو كان دم طفل فلسطيني رضيع .

وقبل عشرين عاماً كانت هذه الظاهرة في طور يشبه طور العذراء تبعاً لمصطلحات علم الأحياء، لكنها الآن تبلورت وهي آخذة في التمدد، وستهدد حتماً ذلك اليقين الوهمي الذي راهنت الصهيونية على حصانته وتحويله إلى أيْقونة .

نقلا عن دار الخليج