مشاهدة النسخة كاملة : العلاقات التركية "الإسرائيلية" إلى أين؟


أبو فاطمة
06-16-2010, 09:32 AM
العلاقات التركية "الإسرائيلية" إلى أين؟

فايز رشيد

لم يستقطب حدث خلال الأشهر الأخيرة هذا الاهتمام الإعلامي والدولي الكبير، مثل الهجوم البربري الصهيوني على قافلة أسطول الحرية في البحر المتوسط، فإضافة إلى الجريمة النكراء بحد ذاتها، فإن انعكاسات ما جرى، بدت كأنها المسمار الأخير في نعش العلاقات التركية “الإسرائيلية”، التي تردت بالمعنى التدريجي منذ بداية تسلم “حزب العدالة والتنمية” في تركيا .

كتابات وتحليلات كثيرة كُتبت ولا تزال تُكتب حول العلاقات التركية “الإسرائيلية” . البعض يصور ردود الفعل التركية على جريمة الأسطول، بأنها فورة غضب، ولا تلبث أن تعود العلاقات بين الطرفين إلى سابق عهدها . كتابات تتطرق إلى ما سمته اللعبة السياسية التي تمارسها أنقرة للدخول في الاتحاد الأوروبي من باب تأثيرها ودورها القوي في المنطقة . وتتساءل بعض الأعمدة الصحافية بسخرية عن الدور التركي من خلال القول: وهل ستقوم تركيا بتحرير فلسطين؟ وأخرى تستذكر الآثار السلبية للحقبة العثمانية في الوطن العربي، وتستنكر إمكانية العودة إلى مرحلة شبيهة، وإلى آخر هذه التحليلات التي لا تنطلق من مقاييس الموضوعية، بل من غايات وأهداف، البعض منها تشكيكي، والآخر استنكاري، ومواقف تعمل على إلباس تركيا ثوباً من التحليلات والمواقف التي لم تصدر عنها .

منذ النجاح الذي أحرزه حزب العدالة والتنمية في انتخابات عام 2002 وتسلمه للسلطة، بدأت مقدمات عهد تركي جديد في الظهور، من ملامحه: التعامل مع الولايات المتحدة ليس كتابع استراتيجي وإنما ند استراتيجي في ما يتعلق بشؤون المنطقة . كان عدم السماح للقوات الأمريكية باستخدام الأراضي التركية لغزو العراق بداية هذه المقدمات، وشكّل آنذاك بداية تغيير في العلاقات التركية الأمريكية . أيضاً حرصت تركيا على تطبيع علاقاتها مع جمهورية أرمينيا، ومع حزب العمال الكردستاني . في ما يتعلق بما يُتهم به الأتراك من اقتراف مذبحة تاريخية ضد الأرمن وتهديدات بعض السياسيين الأمريكيين بإثارته في الكونجرس الأمريكي، اتخذت تركيا موقفاً حمل في طياته تهديداً للولايات المتحدة بأنه إذا ما أثيرت هذه المسألة، فإن ذلك سيلحق ضرراً بالعلاقات التركية الأمريكية، وبالفعل اضطر أوباما إلى الابتعاد عن استعمال كلمة “مذبحة” عند الحديث عن هذا الموضوع، ونادى مراراً بتطبيع العلاقات التركية الأرمينية .

من ملامح عهد حزب العدالة والتنمية أيضاً: أن الموقف التركي بالنسبة ل”إسرائيل” بدأ يشهد اختلافاً جذرياً، ففي مراحل ماضية فإن العلاقات التركية “الإسرائيلية” تميزت بمتانتها وبعدها الاستراتيجي، ومثلت تركيا الدولة الصديقة الأفضل للكيان في المنطقة، بعد سقوط حكم الشاه في إيران .

حزب العدالة والتنمية ألغى الصفة الاستراتيجية عن العلاقة مع “إسرائيل”، وأبقى على علاقة المصالح المشتركة، من خلال منظور يتمثل أحد أهم أسسه: الانفتاح على دول الجوار العربي وإيران . لذلك شهدنا ونشهد تطوراً مطرداً في العلاقات التركية مع إيران ومع الدول العربية، وبخاصة الجارة سوريا، وتأييداً كبيراً للحقوق الوطنية الفلسطينية . القضايا العادلة العربية أيضاً أتت ضمن هذا السياق، ومن ثم بدأ الفتور المتدرج في العلاقة التركية “الإسرائيلية”، وفي سياقها جاء موقف أردوغان في دافوس، والمحاولة التركية لرعاية مفاوضات غير مباشرة بين سوريا و”إسرائيل”، تبين للأتراك بعدها زيف مقولات السلام “الإسرائيلية”، وجاءت أيضاً التصريحات التركية المتصاعدة في حدتها وخاصة بعد العدوانين الصهيونيين: على لبنان في يوليو/ تموز عام ،2006 وعلى قطاع غزة 2008 2009 والمذابح والمجازر التي ارتكبتها “إسرائيل” في العدوانين، الأمر الذي زاد في توتير الأجواء بين الطرفين . قبل حادثة الأسطول: تراجعت أنقرة عن دعوة “إسرائيل” لحضور تدريبات عسكرية للناتو في عام ،2009 وقامت بإلغاء المناورات مع “إسرائيل” بعد الاعتداء على “أسطول الحرية” .

وفي السياق نفسه، جاءت حادثة إهانة السفير التركي في “إسرائيل”، وإصرار تركيا على اعتذار الكيان الصهيوني . وبالفعل هذا ما تم .

الاعتداء الإجرامي على الأسطول، كان بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير، لذلك كانت ردود الأفعال التركية العنيفة، المتمثلة في خطوات عملية، وفي تصريحات عنيفة وصلبة .

الخطوات التركية التصعيدية في حدتها تجاه الكيان الصهيوني مرشحة لأن تستكمل بخطوات أخرى . أما على صعيد التحول في الموقف التركي من “إسرائيل” في مرحلة حزب التنمية والعدالة فلذلك أسبابه ومن أبرزها: أن الحزب في أساسه هو حزب إسلامي التوجه، مستنير، يدير تركيا بذكاء كبير بعيداً عن المهاجمة المباشرة للعلمانية، يعتمد في أطروحاته على التأييد الجماهيري التركي الكبير له ولمواقفه، القريبة من تفكير وإحساس غالبية الشعب التركي . لقد وصل التأييد الشعبي للحزب ذروته وأوجه في الانتخابات التشريعية الماضية، إضافة إلى خطته القاضية “والتي أيضاً يطبقها بذكاء كبير” بالحد من تدخل سلطة الجيش في الحياة السياسية .

ضمن هذه المعطيات فالتردي في العلاقات التركية “الإسرائيلية” مرشح للتفاقم . أما عن العلاقات الاقتصادية والعسكرية بين الجانبين، فهي في معظمها حصيلة عهود سابقة، لكن بالضرورة فإنها ستتأثر أيضاً، طالما بقي حزب التنمية والعدالة في السلطة، وبالطبع نتمنى ذلك .

نقلا عن دار الخليج