مشاهدة النسخة كاملة : لطريق إلى زويرات في موريتانيا.. الصحراء تمارس جبروتها


ام خديجة
06-15-2010, 08:02 PM
لطريق إلى زويرات في موريتانيا.. الصحراء تمارس جبروتها (http://www.saharamedias.net/smedia/index.php/2008-12-24-00-08-06/7908-2010-06-15-14-22-30.html)

ازويرات ـ محمد ناجي ولد أحمدو


[/URL][URL="http://www.mushahed.net/vb"]http://www.mushahed.net/vb/imgcache/4581.imgcache.jpg (http://www.mushahed.net/vb)


على امتداد الثلاثمائة وحوالي الاربعين كيلومترا، الفاصلة بين "يغرف"؛ حيث ينتهي الشريط المسفلت الذي يربط العاصمة نواكشوط بأطار كبري مدن الشمال الموريتاني، وازويرات؛ العاصمة المنجمية للبلاد... لا شيء يقطع صمت الصحراء غير الغبار الذي تثيره رباعيات الدفع، التي تمخر السهل، أو قطعان إبل ربطتها علاقات أزلية بالمكان.
ترافق العابرين سلسلة جبال الموريتانيد، بتشكيلاتها المختلفة، التي تحفها منبسطات رملية؛ تتناثر على جنباتها حبيبات حجارة متعددة الأشكال والعينات .

يبدو الطريق مقفرا إلى شوم؛ عند ملتقى طرق العواصم السياسية والاقتصادية والمنجمية اولسياحية لموريتانيا.. لا توجد قرى تدركها العين المجردة على جنبات الطريق.. فكل ما هنالك بيوت قليلة من سعف النخل، المستورد من واحات آدرار القريبة، ونقطة تفتيش يتيمة تابعة للدرك الوطني.. إنها الصحراء حين تمارس جبروتها.
وفجأة ، تنتهك "عذرية" المكان قرية شوم، وهي مركز إداري تابع لمقاطعة أطار، إولى بنات القطار التي تواجهك عبر هذا الطريق، فلولا أن السكة الحديدية تمر على بعد خطوات منها لما كانت.. واحة صغيرة انغرست في السهل الصخري.. ومحطة استراحة بنتها الشركة الوطنية للصناعة والمعادن.. وبعض عشرات بيوت.. وحامية عسكرية.. تلك هي شوم.
نصل الى منطقة "الزفال"؛ الغنية بالرمال الذهبية التي تدخل الحدود دون تأشيرة، عبر المجابات الكبرى، وتزحف إلى حيث شاءت دونما توقف لنقاط التفتيش.. اسم يعرفه محبو شعر محمد ولد الطلبة، فالظعائن التي تربعت يوما في سبخة النيش، عبرت في رحلة تتبعها مساقط الماء ومنابت الكلأ غادرته "عامدات الزفال"؟
أرض "أزفال" الرملية الصعبة، أرغمت الدولة أن تشق عبرها ندوبا قصيرا من الإسفلت.. أصبح محطة راحة للسائقين المنهكين من جلاد الصحراء.
ينتهي الندوب الأسود، وتستأنف الصحراء إرهاق العابرين من جديد، فتلقن العابرين دروسا مفادها أن عريكتها صعبة، وأنها لا تحترم إلا الصبورين، الذين يحق لهم وحدهم فهم كنهها، وسبر غور جمالها.
على حافة منبسط صخري شديد الاتساع تنام قرية "اتواجيل".. نقطة في بحر الفراغ، يحضنها الجبل من الشرق، كأنما يهمس في أذنها: لا تخافي.. يا بنيتي.. فأنا هنا.
تتبدى افديرك.. ببيوتها الحمراء، وجبالها الأشد حمرة، ويقترب الطريق الى ازويرات من الانتهاء.. ثلاثون كيلومترا فقط، ونلقي عصا التسيار.
كانت افديرك تسمى في الحقبة الاستعمارية "أفور غورو"، غورو الذي قاد الحملة الفرنسية في جبال آدرار، وقاد فيما بعد نظيرتها الى دمشق الشام بعيد نهاية الحرب العالمية الأولى.. هو ذاته الذي صرخ على قبر صلاح الدين: "ها قد عدنا يا صلاح الدين".
غير أن المدينة الصغيرة التي أراد لها المستعمرون حمل اسم قائدهم.. عادت لتتسمى باسمها الأصيل.. ولتصرخ ملء الأفق "ها قد عادت افديرك.. يا غورو".
ثلاثون كيلومترا فقط، وتستقبل ازويرات، مدينة الجبال والحر اللافح؛ شمال موريتانيا، زوراها، القادمين من الجنوب، بأوراش استخراج المعادن على جنبات الطريق المسفلت القصير الرابط بينها ومدينة افديرك التي كانت يوما من الأيام عاصمة للولاية.
تصر عاصمة الحديد، وحاضرة ولاية تيرس بشمال موريتانيا، على تذكيرنا بأنها "أم الحديد" في البلد؛ الآليات الضخمة التي تنغرس على سفوح وقمم الجبال، التي تعتبر النقطة الوسطى في سلسلة جبال الموريتانيد، وأحد أبرز المواقع إفريقيا حينما يتعلق الأمر بخامات الحديد عالية الجودة.
عرفت المدينة "المعدن" على يد المستعمر الفرنسي، الذي أقام هنا احتكارية تمتص عرق وثروات الشعب الموريتاني، "ميفرما": شركة متعددة الجنسيات، كانت دولة داخل الدولة؛ قبل أن تدول؛ إثر قرار تأميمها، الذي أصدره الرئيس المؤسس المختار ولد داداه عام 1974، الذي أنشأ على أنقاضها شركة "اسنيم"، ومن يومها بدأ تاريخ جديد للمدينة وساكنتها.
ازويرات هبة خامات الحديد الذي لا تقتصر منافعه على العاملين في ورشات الاستخراج ، بقية الساكنة أيضا يستفيدون ... قطار الشركة الوطنية للصناعة والمناجم "اسنيم" الذي ينقل ركام الحديد إلى الميناء المعدني في نواذيبو عاصمة الصيد، يتهادى حاملا مع خامات الحديد المياه والبضائع والمسافرين إلى ازويرات، والقرى المجاورة لها...قرى تجد مبرر استمرارية حياتها وديمومتها من الشركة العتيدة.
ورغم أن الحديد الآن ليس في ربيعه الذهبي، في ظل التدهور النسبي لنوعية الحديد الموريتاني، بعد استنزاف "الكلابه"، وسير مناجم "امهودات" الحثيث على خط الاستنزاف ،فإن شركة سنيم تواصل تأكيداتها على أنها ما زالت بخير، وإن كانت باشرت تنفيذ إجراءات تقشفية، في إطار ما أسمته "ترشيد النفقات".
هنا في ازويرات تدخل عالما آخر يتطلب الانصهار فيه جهدا ووقتا قد يبدو للوهلة الأولى عصيا على الغرباء.. حيث يقطع أزيز سيارات عمال سنيم صمت الثلث الأخير من الليل، وهم يغادرون المدينة باتجاه أزيز أكبر تطلقه المولدات، والجرافات، والقطار.. وتلك قصة أخرى.


نقلا صحراء ميديا