مشاهدة النسخة كاملة : هل يقاضي المجرم نفسه؟!


أبو فاطمة
06-15-2010, 05:51 PM
هل يقاضي المجرم نفسه؟!

د. أيمن أبو ناهية


في الوقت الذي تتعالى فيه الأصوات المطالبة بتشكيل لجنة دولية محايدة للتحقيق في مجزرة أسطول الحرية، تصر دولة الاحتلال على كبريائها وتمردها ضاربة بعرض الحائط كل القرارات الدولية برفضها القاطع لتدويل القضية أو حتى مشاركة أطراف دولية ذات مصداقية في لجنة التحقيق الإسرائيلية سوى السماح لشخصين -ربما أمريكان- بصفة مراقبين مجردين من أي صلاحية قانونية، كي تنفرد وحدها بالقضية "قاضياً منحازاً" و"محكوما بريئا"، وبذلك يسدل الستار على الجريمة.

لعل الشيء المدهش أن يُمَثل البلد دورين في آن واحد "المتهم والقاضي"، بمعنى أن يحقق البلد المتهم مع نفسه؟! كيف ستكون نتائج التحقيق في مثل هذه الحالة، أليس من الطبيعي أن تحابي الدولة نفسها؟! وهذا حال دولة الاحتلال الإسرائيلي التي ترفض تشكيل لجنة قضائية دولية محايدة للتحقيق في قضية مجزرة أسطول الحرية، بل أن وصلت وقاحتها إلى حد أنها لا تتجاهل التهم التي وجهت لها من قبل منظمة حقوق الإنسان الدولية التابعة للأمم المتحدة، فالمتوقع أن تفقد اللجنة الإسرائيلية مصداقيتها بطريقة تشكيلها, وعبر صلاحياتها ومشروعيتها بالإضافة لانحياز قراراتها. فأي مصداقية للجنة قامت بتشكيلها دولة هي أصلا متهمة باقترافها جرائم حرب وأعمال قرصنة في المياه الدولية ستكون بطبيعة الحال فاقدة لمضمونها القانوني، لا أقول القانون الدولي بل حتى قانون الجرائم الإسرائيلي.

لقد جربنا لجان التحقيق الإسرائيلية عدة مرات، فلم تكن مرة واحدة جادة في التحقيق أو تعاقب مرتكبي الجرائم، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على "ديمقراطيتها العوجاء"! حيث شكلت لجان تحقيق رسمية بموجب قانون لجان التحقيق عام 1967الذي أصدرته اثر الاحتجاجات الدولية على المجازر التي ارتكبها جيشها في حرب 67، كذلك لجنة "أغرانات" عقب حرب أكتوبر 73, ولجنة "كهان" عقب مذبحة صبرا وشاتيلا عام 1982, ولجنة التحقيق التي شكلها شامير إثر مجزرة الأقصى عام 1991، ولجنة "شمغار" اثر مذبحة الحرم الإبراهيمي عام 1994، لجنة مجزرة جنين لبتي شكلها شارون عام 2002، و لجنة "فينوغراد" اثر حرب تموز في جنوب لبنان عام 2006، ولجنة التحقيق التي شكلها اولمرت اثر مجازر حرب الرصاص المصبوب على غزة لتكون بديلا عن تقرير حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة بما يعرف بتقرير "غولدستون" عام 2009.

فرغم ما تعتبره سلطات الاحتلال أن هذه اللجان مستقلة، فهي لجان داخلية منحازة تماما للمؤسسة العسكرية الاسرائيلية، وفي الحقيقة أنها لجان لاستخلاص الدروس والعبر على اعتبار أنها نوع من أنواع المناورات العسكرية التي يستفيد منها أولا وأخيرا الجيش، وليس من اجل مقاضاة أفراده. بل إن إيهود باراك اشترط عدم تَحميل الجيش أي مسؤولية وعدم الكشف عن شخصياتهم وهوياتهم وأسمائهم وتعهد أن لا يعرض أحد جنوده لأذى مهما كانت تهمته.

فإذا كانت المسألة هكذا مع من سيتم التحقيق ومن سيكون المتهم ومن يتحمل المسئولية إذن؟! وفي هذه الحالة أصبحت لجان التحقيق عبارة عن لجان صورية لا قيمة لها تكون مسخرة لخدمة الجيش بل تشجعه على مواصلة ارتكاب المجازر ضد المدنيين، وواهم من يعتقد أن لجنة التحقيق الإسرائيلية ستعمل بحيادية ونزاهة لما اقترفه جيشهم من مجازر ضد المدنيين في المياه الدولية، فالإسرائيليون منحازون بشكل مسبق لجيشهم وعقيدتهم "هل يَعض الكلب ذيل أخيه"؟!. لا يعقل أن تكون لجنة التحقيق مستقلة في قراراها عمن قررها وتخرج عن طوع حكومتها، وباختصار إن تشكيل لجنة تحقيق إسرائيلية هي من قبيل ذر الرماد في العيون، لأنها لن تكون سوى لجنة سياسية أو إدارية هزيلة.

أما القول أن تكون لجنة التحقيق لجنة داخلية مشكلة من قضاة وجنرالات وحقوقيين عسكريين، هذا معناه التستر على الجريمة وإعطاء صك الغفران لمنفذيها، فاللجنة يجب أن تكون متمثلة بأعضاء مستقلين ومختلفين لا يمتثلون لجهة معينة، أي أن يكونوا دوليين يتبعون منظمات حقوقية لهم الحرية في التحقيق بعيدين كل البعد عن السياسة والتسييس والانحيازية، ويملكون الصلاحيات الكاملة في تقصي الحقائق من جميع الأطراف، وفي النهاية يخرجون بتوصيات ترفع للجهات الدولية الرسمية على رأسها محكمة الجنايات الدولية للبت في الأمر.

نقلا عن المركز الفلسطيني