مشاهدة النسخة كاملة : الدور التركي من التعديل إلى التفعيل


أبو فاطمة
06-15-2010, 01:52 AM
الدور التركي من التعديل إلى التفعيل

عبد الزهرة الركابي

في العام المنصرم قامت أنقرة بتعديل موقفها التحالفي مع الدولة الصهيونية، عندما رفضت مشاركة الطيران “الإسرائيلي” الحربي في مناورات “نسر الأناضول” التي تجريها تركيا في كل عام، وبمشاركة أمريكية وإيطالية وبعض دول حلف الناتو، كما لا ننسى الموقف التركي من العدوان “الإسرائيلي” على غزة، حيث كان أكثر شدة وصلابة في التنديد بهذا العدوان، وقد عد المراقبون وقتها هذا التراجع الحاد في العلاقات التركية - “الإسرائيلية”، على أنه تعديل أو تصحيح في علاقات تركيا مع الكيان الصهيوني، يُراد منه تهيئة الأجواء في المنطقة، كي يأخذ الدور التركي الإقليمي مداه المؤثر في القضية الفلسطينية، والصراع العربي - “الإسرائيلي” على العموم، بما في ذلك القيام بمهمة الوساطة لمفاوضات السلام غير المباشرة بين دمشق وتل أبيب، بينما نظر إليه البعض على أنه دور مواز ومنافس للدور الإيراني الإقليمي، بعدما أحدث احتلال العراق من قبل أمريكا، فراغاً واسعاً في المنطقة، وعجز النظام العربي عن ملئه، ناهيك عن الحسابات الأخرى التي تروم أنقرة تحقيقها من وراء تعديل موقفها من الدولة الصهيونية، وخصوصاً في ظل الرفض المتكرر من الأوروبيين لانضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي .

تميز الدور التركي وخلافاً للدور الإيراني بميزة الكاريزمية الجذابة التي أداها رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان، وبدءاً من العدوان على غزة ومروراً بمنتدى دافوس الذي انسحب منه أردوغان، بعدما لم يسمح له رئيس الجلسة بالرد الكافي على أكاذيب شيمون بيريز رئيس الكيان بشأن العدوان على غزة، وتواصلاً إلى الوقت الراهن إثر المجزرة التي ارتكبتها “إسرائيل” بحق المشاركين في أسطول الحرية الذي شكلت السفن التركية نصفه، ناهيك عن الشهداء الأتراك الذين كانوا الأكثرية في ضحايا هذه المجزرة .

لم يكتف الدور التركي الإقليمي في تحركه على محور الصراع العربي- “الإسرائيلي” وحسب، وإنما نشر أجنحته على الملف النووي الإيراني من خلال توقيع اتفاق، بمعية البرازيل مع إيران لتبادل اليورانيوم، بهدف احتواء الموقف المتوتر بين أمريكا والأوروبيين من جهة، وإيران من جهة أخرى، بيد أن هذا الاتفاق، كما يبدو، لم يوقف عجلة الموقف الأمريكي الماضية قدماً وصولاً إلى فرض عقوبات مشددة على طهران .

لقد بات واضحاً أن الدور التركي في هذا العام انتقل إلى مرحلة التفعيل والتأثير المباشرين، بحيث أصبحت تركيا عبر مهمة كسر الحصار عن غزة، في موقف شبه التقابل المباشر مع الدولة الصهيونية سياسياً واقتصادياً وعسكرياً، وهذا ما يُفسر تهديدها الأخير والمتعلق بالرحلة الثانية لأسطول الحرية، عندما أكد مصدر تركي رفيع المستوى لمحطة التلفاز “cnn “ التركية، أن أسطول الحرية القادم سواء انطلق من تركيا أو شاركت فيه سفن تركية سيحظى بمرافقة سفن حربية تركية لمنع أي هجمات قرصنة عليه، وأضاف هذا المصدر أن تركيا لن تسمح أبداً للجيش “الإسرائيلي” بالهجوم على سفنها بهذه الوقاحة، معتبراً السفينة التي تحمل العلم التركي أرضاً تركية وفقاً للعرف والقانون .

ففي الجانب السياسي، أعلنت تركيا موقفاً معارضاً وقوياً في المحافل الدولية بالنسبة لحصار غزة، وفي الجانب الاقتصادي ذكرت أوساط تركية مطلعة أن أنقرة أوقفت العمل ببعض المشاريع الاقتصادية المشتركة بينها وبين الدولة الصهيونية .

إن مرحلة التفعيل للدور التركي الإقليمي في هذا الوقت أحرجت الدولة الصهيونية وحلفاءها الغربيين، وكذلك أمريكا التي سارع رئيسها أوباما إلى الاتصال برئيس الوزراء التركي أردوغان، بهدف تبريد الغضب التركي والطلب من الزعيم التركي التريث في إرسال أسطول الحرية الثاني، لكن الإحراج الأكبر هو الذي أصاب النظام العربي الذي تخلف موقفه، فرادى وجماعياً، عن الموقف التركي بمسافة بعيدة، وهو أمر لم يعد مستغرباً في الشارع العربي الذي تعوّد على تراكم المواجع من أداء السياسات السائدة، ولهذا، لم يستغرب المراقبون والمشاهدون والمتفرجون من طغيان العلم الأحمر التركي على المسيرات والتظاهرات التي عمت قسماً من الشارع العربي وعلى قلتها، قياساً بالتظاهرات والمسيرات التي جرت في الشارع التركي والأوروبي والعالمي، ويبدو أن الشارع العربي هو الآخر أُصيب بعدوى النظام الرسمي، أو ربما هذا يأتي من إحباطه أو من تراكم المواجع لديه، وهو في كلا الأمرين . . لا عزاء له .

نقلا عن دار الخليج