مشاهدة النسخة كاملة : رفع الحصار أو كسره


أبو فاطمة
06-15-2010, 01:43 AM
رفع الحصار أو كسره

علي الغفلي

صار من المحتم أن يتم فك الحصار المفروض على الفلسطينيين في قطاع غزة، سواء من خلال اتخاذ الحكومة “الإسرائيلية” قراراً يفيد برفعه، أو من خلال استمرار إرسال قوافل الإغاثة الدولية في تحد يفضي إلى كسره . بعد نحو ثلاث سنوات من الحرمان الجائر الذي ظل الفلسطينيون يرزحون تحت وطأته، أصبح فك الحصار هدفاً متعاظم الأولوية، ومن المستغرب أصلاً أن هذه الأولوية ظلت متوارية عن الانتباه طيلة تلك الفترة .

نحن أمام فرصة حقيقية كي يتم إنهاء الجريمة التي يتعرض لها أكثر من مليون ونصف المليون من المدنيين الفلسطينيين، انحصرت خطيئتهم في ممارسة حقهم في الانتخابات الديمقراطية التي وضعت ترتيباتها إرادة القوى الكبرى . يتجسد جوهر هذه الفرصة في إجماع شعوب العالم على ضرورة تحرير أهالي قطاع غزة من الواقع الظالم المفروض عليهم، وتتعزز إمكانية تحقيق هذا الهدف بشكل فعلي من خلال الدعم الواضح والمتنامي الذي تبديه أعداد متزايدة من حكومات العالم لمسألة إنهاء الحصار .

لا ينبغي الاجتهاد مطولاً في الأسباب التي دفعت بتركيا إلى اتخاذ مسار مواجهة تل أبيب في موضوع حصار غزة . ليس من المفروض أن نحصر التفكير في أن أسباب سلوك تركيا تكمن في سعيها إلى تحقيق أهداف استراتيجية أو مصالح سياسية في الساحتين الإقليمية أو الدولية، إذ إن تعمد أنقرة تخريب علاقاتها مع تل أبيب لا يشكل هدفاً استراتيجياً على الإطلاق بالنسبة لهذه الدولة التي لم تلق القبول الأوروبي الكامل من جهة، ولم تجد التقدير المناسب من الحكومات العربية من جهة أخرى . وليست تركيا جاهزة كي تمعن في توتير علاقاتها بالولايات المتحدة من خلال إحراج حليفة واشنطن الأولى في المنطقة، ونقصد بها “إسرائيل” . تدرك تركيا أهمية علاقاتها مع الولايات المتحدة و”إسرائيل”، وهي ليست مستعدة للمضي بعيداً في الإساءة إلى هذه العلاقات، وتعلم تماماً حدود مواجهتهما، وتدرك متى سوف يتعين عليها التراجع عن مسار الصدام معهما .

لا ندري ما هو وجه الغرابة في أن يتم اعتبار الأسباب الإنسانية البحتة دافعاً وراء سلوك السياسات الخارجية، على الأقل في فئة معينة من التفاعلات الدولية، نعتقد أن موضوع فك الحصار عن غزة يعد واحداً منها بالنسبة للحكومة التركية . نعم، نعتقد أن القيادة التركية تحركت في هذا الصدد مدفوعة بعدم قدرتها على قبول فكرة استمرار المعاناة الإنسانية التي يتعرض لها الفلسطينيون تحت الحصار . لم يكن هذا الحصار منطقياً في الأساس، وليس من المستغرب أن تبادر دولة ما إلى التحرك ضد هذا الواقع المنافي للمنطق . وليس ترك هذا العدد الكبير من الفلسطينيين فريسة للحرمان الممتد الذي تفرضه “إسرائيل” متماشياً مع مبادئ العدالة والحرية، ولذلك لا ينبغي أن تبدو عزيمة دولة ما على وضع حد له أمراً يحتاج إلى تفسيرات تتعلق بالسياسات والاستراتيجيات الكبرى . ولم يضف استمرار الحصار للقطاع طيلة الفترة الماضية أية شرعية أو يجعله مستساغاً، ولذلك فإن التحرك من أجل إنهائه يأتي تعبيراً عن الضجر باستمرار الجريمة “الإسرائيلية” التي لم يعد الضمير الإنساني قادراً على التعايش معها .

سرعان ما قفزت دول أخرى إلى قطار تحدي الحصار “الإسرائيلي” الذي قادته تركيا، ويقيننا هو أن هذه الدول عمدت إلى التعبير عن رفضها استمرار الحصار وحرصها على فكه مدفوعة بالأسباب الإنسانية ذاتها التي جعلت تركيا تتحرك في المقام الأول . لم يكن من الصعب بالنسبة لحكومات وشعوب كافة هذه الدول إدراك فداحة الجريمة الإنسانية التي يتعرض لها الفلسطينيون في قطاع غزة، تماماً كما لم يكن من الصعب بالنسبة لها اكتشاف سخافة التفاهات السياسية التي تسوقها تل أبيب لتبرير استمرار فرض الحصار .

من الواضح أن الضمير العالمي قد استيقظ، وهو استيقاظ متأخر على أية حال، ولكن أن يستيقظ هذا الضمير متأخراً خير من ألا يستيقظ على الإطلاق . ونشطت المنظمات الدولية كذلك، وصار للأمم المتحدة موقف واضح إزاء ضرورة إنهاء الحصار، وتبلور موقف محدد من قبل جامعة الدول العربية أيضاً، بلغ درجة أن يذهب أمينها العام عمرو موسى إلى قطاع غزة ليعلن من هناك ضرورة كسر الحصار . ولا تخفي واشنطن رأيها تجاه الحصار، وهي تعلن صراحة ضرورة العمل على عدم استمراره . وتتأهب المزيد من قوافل سفن المساعدات الإنسانية للإبحار باتجاه شواطئ غزة، منطلقة من أقاليم العالم المختلفة، محملة بالمزيد من مضامين الإرادة العالمية الهادفة إلى إنهاء المعاناة الهائلة التي تتعمد “إسرائيل” فرضها على أطفال ورجال ونساء وشيوخ قطاع غزة .

تواجه “إسرائيل” مطلباً عالمياً محدداً، يتمثل في فك الحصار، وهو مطلب يبدو أن شعوب وحكومات دول العالم مستعدة للمضي بعيداً في سبيل تحقيقه، في الوقت الذي تبدو البدائل المتاحة أمام تل أبيب محدودة جداً . اعتادت الحكومة “الإسرائيلية” على ممارسة أساليب متباينة من أجل التهرب من الالتزامات المترتبة عليها، تتنوع بين التجاهل والمراوغة والكذب، ولا يبدو أن كافة هذه الأساليب المعتادة مجدية أمام الإرادة العالمية في مسألة الحصار، خاصة بعد أن عمدت إلى استخدام القوة العسكرية ضد سفينة المساعدات التركية، ولكنها لم تنجح إلا في مضاعفة أعداد قوافل المساعدات التي تبحر إلى شواطئ غزة . من الحكمة بالنسبة لتل أبيب أن تقرر رفع الحصار، وإن هي لم تفعل ذلك فإن الإرادة الدولية كفيلة بكسره .

* رئيس قسم العلوم السياسية، جامعة الإمارات

نقلا عن دار الخليج