مشاهدة النسخة كاملة : يا أبا جندل إن الله جاعل لما ترى مخرجاً


أبو فاطمة
06-15-2010, 12:35 AM
قراءة سياسية ودينية لانتفاضة السفن

يا أبا جندل إن الله جاعل لما ترى مخرجاً

النائب محمود الخطيب

لعل في قصة صلح الحديبية ما يكون أكبر شاهد وإسقاط على مشاهد الواقع، وهو المشهد الذي حدد المعالم لما بعده، بعد أن كانت خافية لما تزيد عن أربع سنين والسبب صعوبة التكهن سياسيا بحدث لا يمكن قراءة مستقبله من خلال وضع دولي معقد وتواطؤ عربي مهين.

والمشهد هو مجريات الأحداث التي توالت بعد حادثة أسطول الحرية وما تبعه من ضجةٍ إعلاميةٍ؛ تسببت في إرباك الموقف الأمريكي والصهيوني وإحراج الأنظمة العربية، والتي تعتبر كشاهد الزور على ما يجري من حصار خانق ظالم لأهلنا في قطاع غزة.

إن في قصة صلح الحديبية شواهد كثيرة يمكن إسقاطها على هذا المشهد المشرق الذي ظن المسلمون في بداية توقيع الصلح ما اعتبروه انتكاسة سياسية، لا تمثل الحالة السياسية الناشئة والقوية للمسلمين.

وفي قراءة أولية قرر معظم الصحابة وعلى رأسهم عمر بن الخطاب الاعتراض على هذا الصلح، وأقوى وضع أحرج المسلمين حينما جاء أبو جندل يرسف في أغلاله، وكان من بنود الصلح أن من جاء إلى محمد بغير إذن وليه يرد إلى قريش، وكان في استمرار وضع هذا الشرط وقبوله مع القدرة على إنقاذ أبي جندل وضعاً محرجاً للمسلمين، لكن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: إني رسول الله وإنه لن يخذلني، ثم قال لأبي جندل: اصبر فإن الله جاعل لما ترى مخرجاً.

واستفز هذا التصريح المسلمين لا سيما عمر بن الخطاب؛ لأنه في نظرهم تصريح لا يتماشى والأحداث الجارية، ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم كان ذا نظرة سياسية ثاقبة، تخطت أنظار الصحابة الضيقة، والسبب أن الصحابة رأيهم اجتهادي والرسول مؤيد بالوحي في جملة أموره واجتهاداته.

وعملنا السياسي اليوم اجتهاد محض فمصيب ومخطئ كما الصحابة، وشاهدي في الكلام قول الرسول لأبي جندل: إن الله جاعلٌ لما ترى مخرجا، أي أن الذي ترى يا أبا جندل من ضيق وحصار وظلم وإبقاءك عندهم في القيد، فهذا ضمن النظر السياسي لا مجال للحديث عنه سياسياً، وإمكانية القول إنني بخطة معينة يمكن أن أقلب الوضع لإنقاذك وتحريرك إمكانية ضعيفة وشاهدها مرفوض.

ولكن الرسول ربط الأمر بالسماء، ذلك أن الربط بعالم السياسة في بعض الأحيان لا يكون مقنعاً للتعقيدات المحيطة بالظرف السياسي. ولو أن غزة أُخبرت في بداية الحصار أن بإمكانها فك الحصار من خلال قوتها، لكذب الأمر الواقع.

ولكنها اعتمدت النهج السياسي المنطقي والمرن، والذي يتمثل بما طرح من قبول بمبدأ الهدنة مقابل انسحاب صهيوني لحدود عام 67 وإغلاق ملف الأسرى واللاجئين .

واعتمدت خطا عقائديا قويا بالتصميم والإرادة، والتي تتمثل بالثقة بالله، والإرادة السياسية الأُسطورية والصمود والتحدي وثقافة المقاومة والممانعة.

ومما يذكر مفسرونا أن قريشاً طلبت من الرسول في بداية مشواره الدعوي خطة ذات نتائج عملية ملموسة تتحقق في فترة زمنية محددة، فأجابهم بقوله تعالى"قل ما كنت بدعاً من الرسل وما أدري ما يفعل بي ولا بكم".

والآية من عند (وما أدري ما يفعل بي ولا بكم) سبع كلمات استمرت أكثر من عشرين سنة؛ حتى نزلت أول سبع آيات من سورة الفتح لتتبين المعالم السياسية للمرحلة القادمة، وحينها وقف الرسول خطيباً ليتبين ماله وما للمسلمين وما للمشركين وما الخط الذي ينتهجه ضد الكفار.

فيقول علماؤنا: سبع آيات نسخت سبع كلمات ليس في القرآن غيرها.

فنحن في جانب العقيدة ننطلق كأنه لا أسباب، ثم نعمل في الأسباب كأنه لا قدر، وعقيدتنا أن الله تعبّدنا بالعمل لا بالقدر.

وعلى العمل يدور الأجر ولكن لا تدور النتيجة، وقد شاء المولى وحكم أن تأتي بضاعة الفرج من حيث لا يظنه ظان أو يتوقعه متوقع، كما جاءت بضاعة الفرج لأبي جندل من حيث لا يتوقعه أحد.

جاءت بضاعة بداية فك الحصار من البحر على حين أن الحديث كان يتوجه إلى ضرورة فك الحصار عن غزة وفتح المعابر بما فيها المعبر الأم وهو معبر رفح.

وجاءت على عكس المتوقع لتقول لك: إن الفرج من الله بعد استنفاذ عالم الأسباب، والصمود في وجه التحديات إذ استنفاذ عالم الأسباب واجب ديني تترتب عليه النتيجة بالثواب أو العقاب دون النتيجة الدنيوية.

لقد خرجت تلك العصابة التي تزعمها أبو جندل، لتشكل عبئاً سياسياً محرجاً لقريش وضغطاً أجبر قريشاً على التنازل عن شروطها التي وضعت، ولتطلب قريش من الرسول أن يأخذهم إلى جواره، من حيث لا يظن الناس أتى الفرج.

وخرجت تلك السفن لتشكل عبئاً وحرجاً سياسياً لما يسمى بالمجتمع الدولي، ولتشكل ضغطاً على أمريكيا و"إسرائيل" ، وليسخر المولى لغزة التي اعتمدت منهج التقوى والصمود والتحدي والعزة والإصرار، ليسخر لها من يحمل كلمتها ويدافع عنها، ويستعد للمجيء شخصياً في سبيلها وسبيل عزتها ورفعتها، ولتقْلب تلك السفن القادمة من عمق البحار المعادلة ولتغير شيئاً منها، وتجبر أمريكا المنحازة الظالمة إلى استخدام البدائل بالإتفاق مع شركائها لامتصاص الهبة العالمية والفضيحة الصهيونية، والتي تمثلت بغباء صهيوني لا سابقة له، وإملاء رباني وليقضي الله أمراً كان مفعولا.

وهذا الذي حدث وأيّن كان خارجاً عن تخطيطات بني صهيون، لكنه في عالم القدر ليس مصادفة لأنه لا بد من كشف سوءة وعورة من يتآمر على شعبنا الأبي العظيم، ولتسقطهم الأمة من حساباتها ومشروعها.

ولقد كنت احسب أن الله سيستبدل بهؤلاء غيرهم ولا شك، ولكن أن يكون البديل والرفض الإلهي أن يتحدث عن غزة أوروبا وحكوماتها وشعوبها ولا يتحدث العرب شيئاً عنها إلا تصريحات خجلة.

ولولا الضوء الأخضر الأمريكي لما تكلموا ولما فعلوا ما فعلوا، هذا ما لم أحسبه، وللبحر في عالم القدر لمدلولات ليست كالبر، فرسولنا قال: عرضت علي ثلة من أمتي يركبون البحر كالملوك على الأسرّة.

وأخبر أن للبحر مكانة حتى للشهداء تفوق مكانة شهداء البر، حيث يعفى الشهيد من تبعات ذنوبه إلا الدّين ويعفى شهيد البحر من الذنوب جميعها والدّين.

والمشهد على الرغم من حلاوته وبريقه إلا أن الخطوات لا تزال بطيئة في طريق رفع الحصار، والسبب أن الحصار مرتبط بمعادلة سياسية وهي شروط الرباعية، ومرتبط "بجلعاد" وهو ما زال أسيراً محتجزاً ، ومرتبط بالمصالحة وهي متعثرة.

والذي أراه أن الحصار سيبقى له مدلوله السياسي، وسيكون هنالك تخفيف للحصار بشكل ما لن يرقى إلى الشكل المطلوب، لأن المجتمع الدولي الذي ترأسه أمريكيا يريد ثمناً لفك الحصار ويعتبر فك الحصار بدون دفع الثمن نصراُ لحماس ولغزة.

ولكنه يدخل بمداخل أن الحصار على الناس فيخفف على الناس لكن العزلة ستبقى على حماس، وغزة اليوم كافأها المولى على صمودها وتحديها ومنهجها ببداية رفعة الأمة ..

ومهما يكن من أمر فالقارئ يقرأ أن ما حدث وإن لم يكن كافياً، إلا أنه ما لم ترد أمريكا والكيان حلحلته ولو بشكل متواضع، وهو إحكام الحصار من البر والبحر وكسر شوكة غزة. وهو خطوة لم يكن أحد يتوقع أن تؤتى أكلها وثمارها على نحو ما آتت وهو فاق كل توقع وتصور.

وهو بداية لأن تنزل أمريكيا والكيان من البرج العاجي عن بعض الكبرياء والشروط التي اشترطت، وهي اضطرت راغمة أن تتناول الأحداق لامتصاصها على عكس شهوتها وكبريائها. (تجري الرياح بما لا تشتهي السفن).

وهو نصر لسياسة الثبات والصبر والتحدي وبداية هزيمة سياسة التآمر والتخاذل. وكشف لوجه السياسة الصهيونية وبيان غبائها وأنها لم تعد قادرة على معالجة الوضع دون فضائح.

وهو أسمى نصر سجلته المقاومة في كل الميادين وإلى الآن، إذ أن التعاطف مع غزة قد بلغ مداه، وعزلة "إسرائيل" قد بلغت مداها، وهي في أسوأ وضع دولي منذ نشأتها، وغزة في أمسّ وضع دولي منذ دخلت السياسة وهي بيان على أن العالم ما زال ينبض بالخير وأن الظلم لا يقبله الأحرار، وأنهم يتحركون في مواجهته مهما كان الثمن بخلاف الأذلاء.

وأن سياسة العنف والتنكيل تزيد المشهد قرباً من النهاية وفيها إمكانية قيام محور عالمي مناهض ومعادل لمحور التطرف الإرهابي، ليوازن معادلة "ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض" وهي إعلان من السماء أن قضيته أسمى من أن يتناولها أناس باعوا دينهم وضميرهم للعدو، فهم مفلسون حتى في تصريحاتهم ونخوتهم، فهم أتفه من أن يتكلموا عن غزة فضلاً عن القدس؛ لأن المعركة عقائدية قبل أن تكون سياسية، وفلسطين عزيزة ومن عزتها أنها لن يتكلم فيها وفي ثوابتها أي أحد، ولن يرفع لواء الدفاع عنها أي رافع، ولن ينتصر لها إلا الأيادي المتوضئة، ولن يخوض معركتها الفاصلة إلا من يعرف لله حقه.

وهي تمثيل بأن الله يأتي بالحرج للعدو من حيث لا يحتسب، فحيث يعتقد أن البحر أكبر الحصون لإحكام الحصار تأتيه الخزي من قبله ومن مأمنه يأتي الحذر، (فظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا)، وعلى أن سياسة المقاومة أَثبت قدماً من سياسة التنازل، وهي خطوة في الاتجاه والطريق إلى القدس.

والآن يا عروسة المدائن، بان كل خائن، وانكشف الستر عن الكمائن، فغزة كافأها الله، وعرفت في تاريخنا أنها من يدفع الضريبة، ضريبة الكرامة عن الأمة، ولم أكن أفهم حديث الرسول حينما تكلم عن مرابطة عسقلان إلا حينما بدأ حصار غزة، فغزة في تاريخنا من دفع الضريبة عن الأمة في طريقها إلى القدس، فهي إذن فوق كل ما ذكرنا. طريقنا إلى القدس.

نقلا عن المركز الفلسطيني