مشاهدة النسخة كاملة : محور تركيا - البرازيل والدور العربي الغائب


أبو فاطمة
06-14-2010, 09:50 AM
محور تركيا - البرازيل والدور العربي الغائب


كلوفيس مقصود

كان تصويت عضوي مجلس الأمن تركيا والبرازيل ضد قرار فرض العقوبات على إيران التي جعلها الرئيس أوباما إحدى أولوياته في علاقته الخارجية، مؤشراً واضحاً على انفكاك من أي رصيد متبق للتبعية التي ميزت علاقات الولايات المتحدة مع هاتين الدولتين . بمعنى آخر شكّل الرفض الأمريكي للمبادرة التركية البرازيلية حافزاً لكي تصبح قناعات هاتين الدولتين سياسات لهما . وحيث كان نجاح الحزبين الحاكمين فيهما في انتخابات مستقيمة وبالتالي معبرة عن موقف مواطنيهما، لذا فإن محوراً جديداً من شأنه أن يشكل أداة جذب للعديد من دول عالم الجنوب وغيرها مرجعية لممارسة استقلالية الإرادة والقرار ومن ثم توفير مناخ ملائم لتسريع نظام عالمي يتميز بتعددية القطبية كما يعمل على تعزيز وسائل وآليات الدبلوماسية الوقائية ما يؤهل الدول النامية أن تعمل على حل النزاعات بما يسرّع فرص تمكينها تأمين التنمية المستدامة وإخراج عالم الجنوب من حالات الفقر والأزمات الغذائية والمائية، وبالتالي الحد من الفجوة القائمة بين عالمي الجنوب والشمال ويمهد لإزالة الطبقية داخلها .

أما النتيجة المباشرة لمدلول هذا الاقتراع في مجلس الأمن أن تركيا والبرازيل مصممتان على حماية مناعة دول المناطق التي تنتميان إليها، وعلى الدول الكبرى وخاصة الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن من الآن فصاعداً أن تعي أن الاستكانة حتى لإجماعها لن تحول مستقبلاً عن مواجهات عند الاضطرار بعد استنفاد كل محاولات الإقناع وتجربة كل الخيارات التي توفر التفاهم وعدم إخضاع المجتمع الدولي لاستمرار التوتر والتوجس من احتمالات النزاع والحروب .

هل هذا يعني أن مبادرة المحور التركي البرازيلي لا تشارك العديد من تقويمات عالمية عن مخاطر انتشار الأسلحة النووية؟ ما يستغربه هذا المحور والكثير من الرأي العام العالمي هو لماذا يتم ترسيخ ازدواجية المعايير في ما يتعلق بممارسة ضغط قد يكون مطلوباً مثلاً على إيران حيث لا يوجد دليل واضح وقاطع على أنها بصدد إنتاج سلاح نووي رغم أن إيران تتعمد خطاباً ملتبساً في هذا المضمار، وبالتالي يؤدي إلى أثر سلبي على علاقاتها الدولية، في حين أن “إسرائيل” التي لديها أسلحة نووية تبقى كأنها محصنة ضد أي مساءلة في هذا الشأن .

صحيح أنه خلال موازين القوى سابقاً، خاصة أثناء القطبية الثنائية، كانت الإدارات الأمريكية وبمساندة بعض الدول الغربية تبقي “إسرائيل” بمنأى عن المساءلة لأن الإدارات الأمريكية منذ قيام “إسرائيل” تقيم نفسها ضامنة ومن دون تردد كون أمن “إسرائيل” مرتبطاً بتفوقها الاستراتيجي على مجمل الدول العربية .

إن هذا الموقف الثابت الذي تكرره كل الإدارات الأمريكية بما فيها الإدارة الحالية أجاز أن تبقى “إسرائيل” منفلتة من أي عقاب، ومتمردة على كل قرارات الأمم المتحدة، وخارقة بشكل متواصل للقانون الدولي كما القانون الإنساني، ومدركة بالتالي أن بإمكانها تعطيل أي قرار من مجلس الأمن بممارسة الولايات المتحدة حق النقض، ويشاركها في ذلك أحياناً بعض الدول الحليفة لها . يتبين لنا أن ما قامت به “إسرائيل” في 31 مايو/ أيار الماضي في عرض البحر من عدوان على باخرة الحرية التركية ما أدى إلى استشهاد تسعة من الأتراك المتضامنين مع شعب غزة كان استفزازاً اعتبرته “إسرائيل” محاولة إجهاض لقدراتها في إملاء وفرض سياساتها على المنطقة والعالم . جاء الجواب التركي حاسماً بجديته ومعبّراً عن أن استباحة حقوق الشعب الفلسطيني وخاصة أهالي غزة تهدد السلام في المنطقة وتعتبر عملاً عدائياً لتركيا، كما تقوض احتمالات التنمية والحرية والحقوق الوطنية والقومية لشعوب المنطقة، فكان الموقف الذي أعلنته تركيا ومن ثم بلورته أن فلتان “إسرائيل” في عدوانها وتحديها للشرعية الدولية لن يبقيا من دون ردع وتكلفة . هذا الموقف جعلَ الأمة العربية تدرك أن التقاعس تحت ستار “الواقعية” لا يمكن أن يبقى سائداً، وأن الجماهير العربية تواقة إلى الكرامة فعلاً وليس وصفاً، وهو ما جعل الموقف التركي المصمم على كسر حصار غزة وليس تلطيفه، هو الواقعية الجديدة التي من شأنها أن تساهم في إخراجنا من السكوت والتفكك وهامشية حضورنا .

حان الوقت ألا يبقى ما تقوم به “إسرائيل” من جرائم حرب مبعثرة كأنها ممارسات منفصلة عن قناعات عقائدية واحدة لديها، وليس هنا مجال بحث مسيرة ارتكاب الجرائم التي قامت بها منذ دير ياسين، ومن ثم التمدد الاستيطاني الذي حولته إلى تجاوز لقرار التقسيم الذي أعطاها 25% من فلسطين التاريخية، وثم أصبحت عام 67 مسيطرة على 78% من أرض فلسطين والتي تعمل اليوم على ما تبقى من فلسطين التاريخية بواسطة تهويد القدس والسيطرة على المياه والحصار الجائر لغزة . هذا التراكم يفسر ما هو حاصل في المدة الأخيرة من تزوير جوازات سفر لدول تعترف بها لاغتيال القائد الفلسطيني محمود المبحوح وخرق القرار 1701 من خلال انتهاك الطيران “الإسرائيلي” لأجواء لبنان وترسيخ عنف الحصار على أهالي غزة واستمرارها في التحايل على من يحميها في الإدارة الأمريكية، حيث اعتبرت أن طلب الرئيس أوباما بتجميد الاستيطان لعشرة أشهر بغية “تسهيل” ما سمي خطأ بالمفاوضات، وكان رد نتنياهو استعداد حكومته القيام ب”تنازلات أليمة” وقبول التجميد في حين كان يجب أن تكون مطالبة إدارة أوباما تفكيك المستوطنات وهذا لم يحصل . لماذا لم يحصل؟ لأن “إسرائيل” تتصرف على أنها الدولة الوحيدة في العالم التي لا يعرف العالم حدودها وهي عضو في الأمم المتحدة ولا تعرف الأمم المتحدة حدودها .

السؤال؟

لماذا تتمتع “إسرائيل” بهذه الحصانة؟ ولماذا باستطاعتها ألا ترد على أي سؤال؟ ولماذا لا تقبل أي لجنة تحقيق تعمل على التأكد من خروقاتها؟ ولماذا تجيز لنفسها إهانة أمثال القاضي ريتشارد غولدستون ومقرر لجنة حقوق الإنسان ريتشارد فولك؟ ولماذا تعتبر أن لها الحق في أن تكون فوق القانون؟ ولماذا تعتقد أن باستطاعتها استمرار ممارسة التمييز ضد المواطنين العرب داخل أراضي ،48 هذا التمييز الذي صار الممهد للترحيل؟ ولماذا الإصرار على الشعب الفلسطيني أن يعترف ب”يهودية” الكيان باعتباره دولة يهود العالم؟ هذه أسئلة قليلة من عديد من تساؤلات كثيرة . . وكثيرة جداً، ولماذا لا تجيب على أي منها؟ ولماذا لا يصر المجتمع الدولي على أن تكون لأسئلته أجوبة؟

أخيراً . . كان المنظر في فيينا بالأمس عندما طرحت المجموعة العربية ومعها دول عدم الانحياز موضوع السلاح النووي ل”إسرائيل” وكونها غير منضمة إلى اتفاقية عدم انتشار الأسلحة النووية (npt) حيث حاول بعض الممثلين الغربيين تأجيل الموضوع الذري “الإسرائيلي” ومنهم دول زوّرت جوازات مواطنيها، ومنظر السفير “الإسرائيلي” لدى الوكالة وحيداً مع حارسه خارجاً من دون أي كلمة كأنه استغرب أن يثار الموضوع . . لكن الموضوع أثير وأصبح ممكناً متابعته، وأصبح السؤال لماذا لم يثر من قبل؟

المنظر الآخر في اسطنبول حيث انعقد المنتدى الاقتصادي العربي التركي، كانت صورة الرئيس أردوغان وأمين الجامعة العربية عمرو موسى، توحي باحتمال أن محور تركيا البرازيل قد يمهد لأمتنا العربية استرجاع حيوية حضورها فتكون خميرة لإخراج الأمة وشعوبها من حالة الكآبة وغموض المصير . كان المنظر واعداً كأن رؤية عمرو موسى منذ بضعة أشهر والتي أعلن عنها في قمة سرت مرشحة الآن لأن تكون بدورها الواقعية العربية الجديدة .

نقلا عن دار الخليج