مشاهدة النسخة كاملة : غزة والضفة: الفصل والوصل


أبو فاطمة
06-14-2010, 03:06 AM
غزة والضفة: الفصل والوصل

محمود الريماوي

هناك خشية حقيقية من أن يؤدي الجدل الدولي وهذا مفيد وإيجابي حول سبل رفع الحصار عن قطاع غزة، إلى دعم منظور يكرس انشطار الأراضي الفلسطينية المحتلة . ففي وقت يعاني القطاع بأهله البالغ عددهم مليون ونصف المليون نسمة من حصار بري وبحري وبالطبع جوي خانق، وبما يمنع دخول العديد من المواد الأساسية من مستلزمات البناء إلى مختلف أنواع الوقود وحتى أدوات التعليم في المدارس، فإن الضفة الغربية التي يقطنها العدد نفسه تعاني من استشراء الاستيطان ومئات الحواجز العسكرية ومنع دخول أبناء الضفة إلى القدس، علاوة على عمليات الاجتياح الموضعية شبه اليومية التي تؤدي إلى المزيد من عمليات اختطاف الشبان وأحياناً إعدامات في الشوارع بدم بارد .

هناك ما لا يحصى من مظالم ينوء بها القطاع كما الضفة، غير أن ما يجمعهما هو كونهما معاً جزءاً من فلسطين التاريخية ومن الأراضي التي وقع عليها الاحتلال عام 1967 . انسحبت قوات الاحتلال من القطاع قبل خمس سنوات، لكنها ما زالت تشدد الخناق عليه ولم تفرج عن أسراه وكما هو الحال مع أسرى الضفة الغربية .

هناك شيء آخر يجمع المنطقتين وهو أن العبور بينهما ممنوع . فبعد انسحاب المحتلين من قطاع غزة، عمد هؤلاء إلى حصار القطاع وإغلاق الضفة الغربية . وضع الحواجز بين المنطقتين يراد به تكريس الفصل بينهما، ويجري استغلال وجود سلطتين هنا وهناك من أجل تصوير الفصل كما لو أنه تحصيل حاصل، أو أنه يعكس إرادة السلطتين المتنازعتين في غزة ورام الله . والآن فإن الجدل الدولي الذي تشارك فيه الولايات المتحدة والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي حول سبل رفع الحصار (الحد منه في الواقع واستبداله برقابة دولية)، يكاد يكرس منظور فصل المنطقتين، وكما لو أن لكل منهما “قضية” خاصة لا شأن للأخرى بها .

وإذ نعرف أن فصل القضايا وتجزئتها ووضع فروع للمجزوء وتفاصيل للجزئي، هي سياسة “إسرائيلية” دائمة، يراد منها ببساطة حجب الهدف الجوهري وهو إنهاء الاحتلال وانسحاب القوات المحتلة، والانهماك إلى ما لا نهاية بشؤون فرعية ومسائل جزئية، وحجب أية صلة مع الهدف الأساسي .

التطورات التي وقعت على مدى الأشهر الماضية تعتبر إيجابية في محصلتها العامة، فقد بات العالم بأسره بما فيه الولايات المتحدة على قناعة أن حصار القطاع لا يمكن أن يستمر . ونعرف أن سلطات الاحتلال تمنع منذ ثلاثة أعوام إدخال مواد بناء لإعادة إعمار ما هدمته تلك الحرب الوحشية .وذلك أدى إلى تجميد التبرعات التي تم الإعلان عنها لإغاثة القطاع المنكوب . غير أن سلطة الاحتلال لا تهدر أي وقت، ففي الوقت الذي تمنع دخول مواد البناء هذه للقطاع، فإنها تواصل سياسة هدم البيوت في محيط القدس المحتلة وفي أماكن أخرى في الضفة الغربية . والإحصاءات الفلسطينية تتحدث عن هدم أكثر من ثلاثة الآف بيت . ذلك يعني أن السلطة المحتلة تخوض حرباً صامتة لكنها متوحشة ضد مظاهر العمران والحياة في الضفة الغربية علاوة على أشكال التنكيل الأخرى .

مطلوب أن يتوقف العسف بجميع أشكاله، وألا يكل الفلسطينيون والعرب وأصدقاؤهم عن رفع هذه المطالبات، ما دام المجرمون لا يكلون من جهتهم عن ممارسة سائر أشكال التنكيل والعقاب الجماعي والتطهير العرقي بصورة يومية، على ألا يعني ذلك أن الهدف يتمثل بتحسين ظروف الاحتلال، ودوام انتظار لفتات طيبة من القوة المحتلة .

بما يتعلق بقطاع غزة فإن الهدف هو إنهاء الحصار البري والبحري والجوي، غير أنه يصعب تصور إنجاز هذا الهدف من دون التواصل الجغرافي مع الضفة الغربية واستعادتها لحريتها . فالشعب هنا وهناك واحد،وبوابات العبور بين المنطقتين يجب ألا يتم فتحها فقط بل أن تزول .ونعلم أن حدود غزة البرية هي مع مصر بما يضطر الغزي الذي يرغب بزيارة الأردن أو سوريا مثلاً أن يقصد مصر أولاً، وكذلك الحال مع أبناء الضفة الذين يرغبون بزيارة مصر إذ عليهم الانتقال إلى الأردن أولاً . هذا إضافة إلى أن الانتقال بالبحر والجو محظور على أبناء الضفة والقطاع معاً .

من هنا فإن إعادة النظر الدولية في الحصار المفروض على القطاع هي مسألة محمودة وتعكس حساسية مستجدة تجاه أبناء القطاع الذين يعانون منذ العام ،1967 غير أن هذا الالتفات المتأخر يجب ألا يدفع باتجاه تكريس الفصل بين الأراضي المحتلة وتظهير الوضع في القطاع على أن “قضية غزة”، بمعزل عن الشطر الآخر المحتل .

ونعرف أن المسألة في استهدافاتها السياسية تتعدى فرض حصار أو تخفيفه ووضع بوابات ضيقة بين الضفة والقطاع، فالهدف الجوهري لسلطة الاحتلال هو دفع الأمور باتجاه فصل نهائي، يحظى فيه القطاع بإمكانيات إرساء كيان مستقل مرتبط اقتصادياً ولوجستياً بمصر، وللغزيين خلال ذلك أياً كان الحاكمون حماس أو سواها أن ينشئوا دولة لهم تُحتسب دولة فلسطينية، ولهم مع المصريين أن يعقدوا الروابط الوثيقة التي يشاؤها الطرفان، فيما أراضي الضفة يتم سلبها أكثر فأكثر بعد التهويد القسري التام لبيت المقدس وتوسيع حدودها الإدارية .

بهذا تتبدى خطورة الفصل السياسي للقطاع عن بقية الأراضي المحتلة، فالمراد هو التقدم لتصفية القضية الفلسطينية مع استثناء غزة غير التوراتية، وتحويلها إلى غيتو ضخم يضم غزيين ولاجئين من أبناء فلسطين العام ،1948 وما تيسر من أبناء الضفة الذين يتم دفعهم دفعاً للانتقال إلى القطاع، كما هو حال بعض الأسرى المنتمين مناطقياً إلى الضفة الذين يفرج عنهم ويتم إبعادهم إلى غزة .

نقلا عن دار الخليج