مشاهدة النسخة كاملة : نحو إشعال معركة قانونية دولية ضد "إسرائيل"


أبو فاطمة
06-12-2010, 06:43 PM
نحو إشعال معركة قانونية دولية ضد "إسرائيل"

حسين عطوي


أعادت المجزرة الصهيونية التي ارتكبها جيش الاحتلال الصهيوني ضد الناشطين المدنيين على أسطول الحرية، إلى الواجهة أهمية المعركة على الجبهة القانونية الدولية ضد مجرمي الحرب الصهاينة الذين ارتكبوا مذبحة جديدة تضاف إلى سجل الجرائم التي نفذوها ضد الشعب العربي في فلسطين، ولبنان، ومصر، وسوريا، والأردن على مدى عقود الصراع العربي - الصهيوني.

وتتميز الجريمة الجديدة في كونها طالت هذه المرة مواطنين من 32 دولة في العالم جاؤوا في إطار قافلة أسطول الحرية يحملون المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة المحاصر منذ نحو أربع سنوات.

وهؤلاء الناشطون ينتمون إلى دول أوروبية، وإسلامية بالإضافة إلى دول عربية.

وقد أدت الجريمة التي اقترفها الجيش الإسرائيلي إلى استشهاد تسعة مواطنين أتراك، وإصابة العشرات من جنسيات مختلفة بجراح.

وإذا كانت المواطنة الأميركية راشيل كوري أول أجنبية تستشهد، وهي تدافع عن منزل فلسطيني في الضفة الغربية اتخذت سلطات الاحتلال الصهيوني قراراً بهدمه، فإن مجزرة أسطول الحرية أضافت تسعة شهداء جدد ينتمون إلى الجنسية التركية سالت دماؤهم في سبيل نصرة أهل غزة، ولأجل فك الحصار الجائر وغير الإنساني المفروض عليهم.

وهذا مؤشر واضح على أن "إسرائيل" المزعومة لا تتوانى عن الإقدام على قتل أي إنسان في العالم، وهي لا تقيم أي وزن أو قيمة لأية قوانين، أو أعراف، أو حقوق إنسان، وهي من خلال فعلها الإرهابي، والإجرامي إنما تكشف للعالم حقيقة ما ارتكبته من جرائم ضد الشعب الفلسطيني منذ أكثر من 62 عاماً، وما تقوم به من جريمة مستمرة ضد هذا الشعب في قطاع غزة عبر سياسة العقاب الجماعي التي تتصف بها السياسات النازية، والعنصرية والفاشية، ومثل هذه الجريمة مادة هامة لملاحقة مجرمي الحرب الصهاينة، والمطالبة بمحاكمتهم وإنزال العقاب بهم.

والأسئلة التي تطرح في هذا السياق هي:

ـ ما هي العناصر التي توفر فرصاً أكبر من أي محاولة سابقة لمحاكمة قادة صهاينة أمام القضاء الدولي، أو الوطني بتهمة ارتكاب جرائم حرب، وجرائم ضد الإنسانية.

ـ وما هي أهمية العمل على رفع دعاوى من جميع الدول التي تعرض مواطنوها إلى الاعتداء الصهيوني؟.

ـ وبالتالي ما هي الانعكاسات،والآثار التي ستؤدي إليها مثل هذه المعركة القانونية على مسار الصراع مع الاحتلال الصهيوني، حتى وأن لم يمثل المجرمون الصهاينة أمام القضاء الدولي؟.

أولا: العناصر التي تدعم فرص محاكمة المجرمين الصهاينة:

إذا كان إقدام العصابات الصهيونية في أوائل القرن العشرين على غزو فلسطين، واغتصاب أرضها، وطرد سكانها بدعم مباشر من الاستعمار البريطاني قد شكل اكبر جريمة عرفتها الإنسانية في العصر الحديث، فإن استمرار الولايات المتحدة، ودول الاتحاد الأوروبي في دعم الكيان الصهيوني، وتوفير الحماية له في المحافل الدولية، ومنع معاقبته على الجرائم التي يرتكبها، والتي كان آخرها المجازر الوحشية التي نفذها خلال عدوانه الأخير على قطاع غزة، واتباع ذلك بتبرير حصاره الإجرامي لقطاع غزة شجع مجرمي الحرب الصهاينة على الإيغال في ارتكاب المزيد من المجازر، وتجاوز كل الحدود، وصولاً إلى الإقدام على اتخاذ قرار قتل مواطنين من دول تربطها بإسرائيل علاقات دبلوماسية، واقتصادية، وعسكرية وطيدة، فجاءت الجريمة الجديدة مكشوفة، مفضوحة لا تشوبها شائبة من جميع العناصر الجرمية القانونية التي تشكل أساس أي دعاوى قضائية ضد من ارتكبها وأعطى الأمر بتنفيذها.

وهذه العناصر الجرمية المنتهكة للقانون الدولي، وحقوق الإنسان، حسب خبراء القانون الدولي هي:


1 ـ اعتداء على سفن إنسانية غير حبية، كانت في المياه الدولية، وهي لا تزال على بعد 50 ميلاً من حدود المياه الإقليمية التي تذرع بها القادة الصهاينة لتنفيذ عملية اقتحام أسطول الحرية، وهذا حسب القانون الدولي يشكل جريمة قرصنة دولية، وانتهاكا فاضحا للقانون الدولي البحري ( جريمة عدوان، وجريمة اعتداء على مدنيين عزل وجريمة قرصنة دولية).

2 ـ ارتكاب جريمة ضد مدنيين عزل من السلاح كانوا في سفن تنقل مساعدات إنسانية إلى شعب يقبع تحت الحصار حيث أدت الجريمة إلى قتل تسعة ناشطين، وجرح العشرات، واحتجاز حرية المئات، الأمر الذي يشكل انتهاكاً خطيراً لاتفاقية جنيف الرابعة التي نصت على ضرورة الالتزام بـ :
أ ـ معاملة «الأشخاص الذين لا يشتركون مباشرة في الأعمال العدائية.. معاملة إنسانية دون تمييز ضار يقوم على العنصر، أو اللون.. الخ».

ب ـ عدم «الاعتداء على الحياة، والسلامة البدنية، وبخاصة القتل بجميع أشكاله، والتشويه، والمعاملة القاسية، والتعذيب».

ت ـ عدم «الاعتداء على الكرامة الشخصية، وعلى الأخص المعاملة المهينة والحاطة بالكرامة».

وفي كل هذه الأمور قامت "إسرائيل" بخرقها، وانتهاكها، فهي قتلت مدنيين، وجرحت بعضهم، وأخذت آخرين كرهائن، وإساءة معاملتهم.


3 ـ اعتداء على الدول التي كان مواطنوها على متن أسطول الحرية، الذين رفعوا أعلام بلادهم على السفن باعتبار أن أعلام الدول تمثل كياناتها.

4 ـ جريمة حرب، وجريمة ضد الإنسانية حسب اتفاقية المحكمة الجنائية الدولية»، وهي جريمة موثقة بالصورة، وبالفيديو، وشهود العيان، والى جانب ذلك فأن احد الجنود الصهاينة الذين نفذواً عملية قتل ستة من الناشطين الأتراك أعترف بذلك، وتفاخر دون خجل، أو ندم فيما يرشح أنه يجري الاستعداد لمنحه وسام الشجاعة، وإذا ما نظرنا إلى كل هذه العناصر المذكورة آنفاً نجد أنها كلها عناصر تدين "إسرائيل" وتجعلها في وضع صعب إمام القضاء الدولي لا تملك أي حجة، أو ذريعة لارتكاب جريمة الاعتداء على سفن مدنية محملة بمساعدات الإغاثة الإنسانية، وعلى متنها ناشطون، ونواب، وصحفيون ورجال دين مما يجعل القيادة الإسرائيلية مكشوفة، وعارية من أي سلاح قانوني.
ثانياً: أهمية رفع الدعاوى:

إذا كان السلاح القانوني لم يجر استخدامه في العقود الماضية كجزء من المواجهة، والمعركة مع الكيان الصهيوني إلا أنه تم الانتباه إلى أهميته في الفترة الأخيرة إثر المجازر الوحشية التي ارتكبت في قطاع غزة، حيث نجح هذا السلاح القانوني في ملاحقة القادة الصهاينة في الكثير من الدول باعتبارهم مطلوبين للعدالة بتهمة ارتكاب جرائم حرب، وجرائم ضد الإنسانية مما جعل بعض المسؤولين الصهاينة غير قادرين على السفر إلى الخارج خوفاً من تعرضهم للاعتقال، خاصة بعد الذي حصل مع وزير الخارجية السابقة وزعيمه حزب كاديما تسبيني ليفني عندما ذهبت مؤخراً إلى بريطانيا وكادت تتعرض للتوقيف من القضاء البريطاني، وجرى تهريبها ومغادرتها العاصمة البريطانية على جناح السرعة، واليوم بعد مجزرة أسطول الحرية يكتسب هذا السلاح القانوني أهمية كبيرة في الحرب ضد الكيان الصهيوني باعتباره جزءاً لا يتجزاً من المعركة التي تخوضها المقاومة العربية في فلسطين، ولبنان ضد الاحتلال الإسرائيلي وإرهابه المتواصل.

وهذه الأهمية مستمدة اليوم من أن الذين تعرضوا للاعتداء والقتل والإصابة، والاحتجاز مواطنون من 32 دولة في العالم.

إذا ما جرى تحركهم قانونيا وتقديم الدعاوى ضد القيادات الصهيونية التي اتخذت قرار الهجوم العسكري على سفن أسطول الحرية فإن ذلك سوف يسهم في تحريك القضاء الدولي، والوطني، وبالتالي فتح جبهة دولية لتعرية المسؤولين الصهاينة، وفضح ما ارتكبوه من مجازر ضد الإنسانية، وبالتالي فرض المزيد من العزلة على الكيان الصهيوني وتعبئة الرأي العام الدولي، ضد سياسة العقاب الجماعي المفروضة على الشعب الفلسطيني، وخاصة في قطاع غزة الذي أصبح أكبر سجن في العالم يحاصر ويجوع فيه أكثر من مليون ونصف المليون مواطن فلسطيني، مما دفع بأحد مستشاري مجلس حقوق الإنسان في الأمم المتحدة إلى تشبيه سياسة الحصار، والتجويع بسلاح دمار شامل، مشيراً إلى إحصاءات الأمم المتحدة التي تقول إن 82% من سكان غزة يعانون نقصاً في التغذية و15% من الأطفال باتوا يعانون من سوء التغذية مما يؤثر سلباً على قواهم الحسية، والذهنية وتطورها، وفي مثل هذه الحالات نقف على سلاح التغذية الذي تستخدمه إسرائيل ضد هؤلاء المدنيين».

ولا شك في أن هذه المعركة القانونية توفر فرصة مهمة لكسب المزيد من تأييد الرأي العام الدولي في مواجهة الاحتلال الصهيوني ذلك أن الرأي العام بات في عصر تطور الاتصالات عنصرا من العناصر التي تتكون منها موازين القوى، وإلا لما كانت الولايات المتحدة، وإسرائيل تنفق مئات الملايين من الدولارات في وسائل الإعلام الدولية للترويج لسياساتها، ومحاولة التأثير على الرأي العام العالمي وتضليله إزاء حقائق ما يجري من صراع في المنطقة العربية.

ومثل هذه المعركة تستدعي من كل المعنيين في المواجهة مع الاحتلال الصهيوني توظيف كل الجهود والطاقات والإمكانيات لأجل تشكيل هيئة من القانونيين من جميع الدول التي تعرض مواطنوها للعدوان الصهيوني تعمل على إعداد الملفات القانونية ورفع الدعاوى ومتابعتها لدى جميع المحاكم الدولية والوطنية، وتدعيم قرار مجلس حقوق الإنسان تشكيل لجنة دولية مستقلة للتحقيق في الجريمة، والذي تم بموافقة معظم مندوبي الدول الأعضاء (32 دولة من أصل 47) حيث لم تعترض على القرار سوى ثلاث دول على رأسها الولايات المتحدة مما يؤشر إلى مدى العزلة التي باتت تحدق بالكيان الصهيوني، وتراجع القدرة الأميركية في التأثير على الدول لمنع صدور قرارات لا تصب في مصلحة "إسرائيل".

وتشكل تركيا اليوم قوة مهمة وأساسية في هذه المعركة، حيث باشرت نيابتها العامة إجراءاتها القانونية لملاحقة قادة "إسرائيل" على جريمتهم.

ثالثاً: الانعكاسات والآثار على مسار الصراع:

إذا كانت المجزرة الصهيونية ضد أسطول الحرية قد أدت إلى زيادة مأزق الكيان الصهيوني ووضعه في عزلة دولية غير مسبوقة، فإن تعميق مأزقه، وتضييق الخناق عليه، يستدعي العمل للحيلولة دون تمكن هذا الكيان من الالتفاف على الدعوات الدولية، وخاصة التركية لتشكيل لجنة تحقيق دولية مستقلة في الجريمة لتبيان الحقيقة من الزاوية القانونية لأنه ليس هناك من شك في أن ما أقدم عليه القادة الصهاينة هو جريمة عن سابق إصرار وتصميم، لأنهم يعرفون إن السفن التي هاجموها هي سفن تحمل متطوعين، ومساعدات إنسانية ولا تشكل أي تهديد أمني، وبالتالي ليس هناك من الناحية القانونية ما يبرر الهجوم عليها من وحدات كوماندوس عسكرية وإطلاق النار على المدنيين، وكأنها تقتحم موقعاً عسكرياً في سياق معركة في ميدان القتال.

ولذلك فإن التحرك الضاغط لأجل رفع دعاوى أمام محاكم دولية ووطنية تطالب بمحاكمة المجرمين الذين اتخذوا قرار الهجوم على سفن أسطول الحرية، ونفذوا المجزرة، وكذلك لأجل ممارسة الضغط المتواصل على الكيان الصهيوني لإجباره على القبول بتشكيل لجنة تحقيق دولية في المجزرة ستكون له انعكاسات وآثار هامة على مسار الصراع في سياق هذه المعركة القانونية وأبرزها:


1 ـ زيادة انكشاف "إسرائيل" المزعومة باعتبارها كياناً خارجاً على القانون الدولي ومارقة تمارس الإرهاب والاعتداء على القوانين وحقوق الإنسان، والمدنيين، وبالتالي تضييق الخناق الدولي عليها مما يخلق المزيد من الفرص التي تعزز الدعاوى المرفوعة أمام المحاكم الدولية والوطنية.

2 ـ إشغال الحكومة الإسرائيلية واستنزافها في معركة أخلاقية ومعنوية تدفع فيها ثمناً فادحاً إن هي رفضت التعاون وإجراء تحقيق مستقل وشفاف خوفاً من الإدانة القانونية التي لاشك فيها، أو قبلت بذلك مكرهة تحت الضغط الشديد.

3 ـ تسعير التناقضات داخل الكيان الصهيوني والتي بدأت تطفو على السطح من خلال تظاهرة تل أبيب التي استنكرت ما جرى، ودعت إلى فك الحصار عن غزة، أو عبر احتدام الجدل داخل المؤسسة العسكرية التي اعتبر كبار ضباطها أن ما حدث أسفر عن كارثة عسكرية، وسياسية.

4 ـ إسقاط أكذوبة «إسرائيل الضحية» ومعها إسقاط ماكينة الدعاية، والإعلام الصهيوني في الترويج لبضاعتها الفاسدة.

5 ـ تعزيز مشروعية، ونضال الشعب الفلسطيني الذي يعاني من الحصار والاحتلال، والجرائم الصهيونية المتواصلة ضده.
ومثل هذه الانعكاسات والآثار سوف تؤدي بالضرورة إلى تكريس بيئة دولية في غير مصلحة "إسرائيل" التي، وحسب الصحف الإسرائيلية، أصبحت «في درك أسفل لم يسبق له مثيل» على الصعيد الدولي، في حين يرى الكاتب بن كسبيت أن «أردوغان (رئيس الوزراء التركي) أصبح الآن كارثة استراتيجية تتجسد أمام أنظارنا، وقد وصفه مصدر سياسي صهيوني كبير في القدس بأنه «أحمدي نجاد الثاني».

نقلا عن المركز الفلسطيني