مشاهدة النسخة كاملة : انشيري.. حيث يجمع الموت أبناء البلد والغزاة


ام عمار
06-12-2010, 04:54 PM
انشيري.. حيث يجمع الموت أبناء البلد والغزاة


http://www.mushahed.net/vb/imgcache/4374.imgcache.jpg (http://www.mushahed.net/vb)

نصب تذكاري شامخ يخلد المستعمرين.. ولا تذكار يحكى عن مقاومة الموريتانيين

أكجوجت ـ محمد ناجي ولد أحمدو

على ربوة مرتفعة قبالة الكيلومتر 80 شمال نواكشوط، على بعد حوالي كيلومتر ونصف غرب الطريق الذي يربط أكجوجت عاصمة ولاية اينشيري بالعاصمة الموريتانية، ينغرس نصب تذكاري، بناه الفرنسيون تخليدا لـ"شهدائهم" وجرحاهم في المعركة التي شهدتها تلك المنطقة قبل ثمانين عاما.

لم تنجح الرمال، التي تمارس هواية طمر الاشياء في المنطقة، في طمس التذكار الاستعماري.. خلد المستعمرون ضحاياهم، ولم يتذكر أبناء البلد، رغم مضي نصف قرن على نيلهم استقلالهم، إن أبناء لهم "مرغوا" أنف المستعمر على ذلك السهب الرملي.





في 18 أغسطس 1932، والقيظ على أشده في إنشيري، صبحت كتيبة من المقاومين الموريتانيين، وحدة من الجيش الفرنسي، ودارت معركة عنيفة نجمت عن قتل ضابط فرنسي، تسري في عروقه دماء الطبقة النبيلة، تولى جده ذات يوم دفة إدارة القرار في قصر الاليزيه، إضافة إلى خمسة من الضباط وعدد من المجندين.

الملازم ماك ماهون؛ حفيد وسمي المارشال ماك ماهون رئيس الجمهورية الفرنسية ما بين عامي 1871 و1879، ينام هنا بعيدا عن مقبرة عائلته.. لو لم تقد الرجل خطاه إلى الصحراء الموريتانية، منخرطا في جيش الاستعمار الفرنسي، لكان من الممكن أن يتسنم رئاسة فرنسا على خطا جده يوما من الايام، سيما وأنه يتكئ على تراث عريق من مزاوجة العسكرية بالسياسة.

لنترك النبيل الفرنسي ذا الحظ العاثر.. لا توجد زهور بحوزتنا لنضعها على قبره.. لم ننس أنه قدم لصحرائنا غازيا.. لكننا لم ننس أيضا أن لنا تقاليدنا في إكرام وفادة الضيوف، وخصوصا الضيوف الابديين مثل صاحبنا.. تلك التقاليد التي استفاد منها النصب التذكاري الغريب..

ليس معنا، بطبيعة الحال الملك الضليل أمرؤ القيس، ولسنا غرباء في المكان.. لننشد قوله "أجارتنا إنا غريبان هاهنا"، ولكنه من المستحسن أن نهمس في أذن ضيفنا "أجارنا إنك غريب هاهنا" مع الاستئذان من حماة العروض في بلاد المليون شاعر.

نواصل طريقنا إلى أكجوجت.. نودع الرمال، فنحن دخلنا "أرض الحجرة"، حجارة من مختلف الاحجام والالوان تملأ جنبات الطريق، وإطلالات خجولة لنباتات صحراوية شوكية، تنتمي في الغالب لعائلة قصيرات القامة.

على بعد أربعين كيلومترا جنوب أكجوجت، تستقبلنا مختالة، قمة "تماكوط"، للاسم مدلوله، العبارة تعني باللغة الصنهاجية، التي كانت لغة البلاد يوما ما، "الكدية الجنوبية"، هي فعلا بوابة موريتانيا الجبلية الجنوبية.. نتجاوز "تامكوط".

تتبدى لنا سوداء القمة، ملفوفة في القتام كدية "أم أغرين"، التي يحفظ تلاميذ الصف الخامس الابتدائي في النظام التربوي القديم اسمها، ويعرفون أنه فيها يستغل معدن النحاس.. كان ذلك أيام زمان.. أما الان فقدْ فـقـَدَ النحاس قيمته أمام بريق شقيقه الاصفر.. ودار الزمن دورته.

إينشيري كانت ولاية النحاس والمياه المعدنية، "بالنشاب" ـ فضلنا كتابته هكذا؛ رغم أن معبئي مياه "الشافي" والسلطات الادارية تصر على كتابته هكذا "بنشاب"، اسم تعرفه مسابقات المياه المعدنية في جنيف وباريس ولشبونه ومدريد، لقد حصد ما يزيد على خمسة ميداليات ذهبية.. كان ذلك في الثمانينات.

اكتسبت القرية، التي هي المركز الاداري الوحيد الذي يتبع ولاية إنشيري اسمها، من الحراب التي تعد من شجيرات "النبع"، الذي عندما يقرع بعضه بالبعض، تأبى عيدانه أن تتكسر، كما في أدبيات العرب القدامى.

في مقبرة أكجوجت العتيقة.. يواجهنا شاهد بطول مترين، يشعرنا أنه هناك ينام العلامة المجيدري ولد حب الله؛ أحد اعلام البلد، الذي سافر للمشرق، وألف الكتب، ومات وهو لم يتعد سن الثلاثين إلا بعامين.

نقرأ الفاتحة بخشوع ترحما عليه وعلى جيرانه من أبناء المدينة والعابرين، الذين يرقدون في تلك المقبرة الاثرية.. كم هم عظماء أسلافنا الذين يعيشون أعمارا قليلة.. ويتركون دويا في أذن الزمان.

نقلا عن صحراء ميديا