مشاهدة النسخة كاملة : إلى أين سيصل محمد ولد عبد العزيز؟ الجزء الثاني


الشبكاوي
01-10-2010, 04:41 PM
محاربة الفقر:
لما انتخبت الأغلبية الموريتانية الفقيرة محمد ولد عبد العزيز على أساس أنه سيحارب الفقر، أشفق المدركون لعمق الأوضاع الاقتصادية في البلاد على كل من الرئيس المنتخب والناخبين. فمن جهة، هناك الأكثرية الساحقة من الموريتانيين الذين بلغ بهم الفقر درجة لا يستطيعون معها الانتظار، ومن جهة ثانية لا يمكن لأي مشروع اقتصادي تنموي ذي شأن أن يؤتي أكله في أقل من سنوات. وأسرع شيء في هذا الصدد هو محاصيل الزراعة التي لا يمكن جنيها في أقل من عام إن تهيأت لها الظروف. أما الوعاء السياسي والاقتصادي والبشري للدولة، فليس مهيئا لأداء أبسط الوظائف الاقتصادية والاجتماعية وأهمها.
ولا سبيل إلى محاربة الفقر في موريتانيا ومثيلاتها من الدول دون إقرار مبدإ تدخل الدولة في مختلف القطاعات ووضع الموارد الطبيعية للبلد تحت السيادة الوطنية الكاملة وإعادة ترميم وإعمار القطاع العام والاعتماد على الذات وتأهيل الموارد البشرية والطبيعية وتحديد الأهداف القريبة والبعيدة والمتوسطة حسب الإمكانات والحاجات الذاتية لتغيير ميزان القوى لمصلحة ثلاثة ملايين من الفقراء. وليكن القطاع الخاص مدعوما ومزدهرا، لكن مع إخضاعه للضرورات الاجتماعية والأولويات الوطنية، لا إخضاع هذه الأخيرة لحاجات رؤساء الأموال وشركائهم من الدول والشركات الأجنبية.
قد يفلح النظام الجديد إلى حد ما في إعادة توزيع ما يتاح من موارد مالية شحيحة تم تحصيلها بشق الأنفس وتحميل السلع المستهلكة والمواطنين من الضرائب ما لا قِبل لهم به... وذلك بتوجيه أجزاء مهمة من الميزانية لتأهيل بعض القطاعات الخدمية كالماء والكهرباء والمستشفيات إلى حد يلبي الاحتياجات الأولية الملحة لمئاتٍ أو آلاف على الأكثر من المواطنين الذين لم يحلموا يوما أن تصل إليهم يد الدولة وهذا شيء في غاية الروعة والنبل.
لكن الموارد المتاحة أبعد ما تكون من القدرة على إنشاء مؤسسات إستراتيجية وذات مصداقية قادرة على إحداث التنمية واستيعاب ثلاثة ملايين فقير وتوظيف مئات الآلاف من العاطلين عن العمل وزيادة القوة الشرائية للطبقة الوسطى. فالمسألة تتطلب - بالموازاة مع محاربة الفساد - حزمة من المؤسسات المُحْكمة والمشروعات الراديكالية المترابطة مع بعضها وفق الأولويات.
وإذا كان الذهن السياسي الموريتاني قد أدرك خلال العقود الأخيرة أن التعويل في موريتانيا على الأحزاب السياسية وهيئات المجتمع المدني لإنجاز الحداثة والديمقراطية والتقدم قد أصبح ضربا من ضروب التفريط والعبَث ، فإن عليه أن يدرك الآن ويستوعب أن التعويل في موريتانيا على القطاع الخاص والمساعدات الخارجية ومخططات المؤسسات النقدية الدولية، لإنجاز التنمية وتخفيف معاناة الشعب من ويلات الفقر والبطالة والجهالة، يعتبر أكثر عبثية وتفريطا ومغالطة للنفس.
ومما بات بينا بنفسه أن من أكبر أسباب الفقر وتعميق الطبقية الاقتصادية في موريتانيا، كما في كثير من بلدان العالم الثالث، ما يسمى برامج التقويم الهيكلي وبيع مؤسسات الدولة بأبخس الأثمان الذي تفرضه المؤسسات النقدية العالمية والدول المانحة تحت طائلة تحرير السوق والتجارة، مقابل تهميش الفقراء وسحق الطبقة الوسطى وليقال كل سنة إن الأمور بأحسن حال وتعطى الأرقام والبيانات القائلة بنجاح الخطوات التي قامت بها الدولة التابعة.
صحيح أنه من الصعب على الموريتانيين أن يتصوروا استغناءهم عن التمويلات التي لا تمنحها المؤسسات والدول الرأسمالية إلا لمن ينهج الليبرالية ويطلق اليد للسوق ويقلل من دور الدولة ويتبع وصفاتهم النمطية للإصلاح الاقتصادي. لكنْ، مما يسهل على موريتانيا ونوعها من الدول مهمة النشوز ولو جزئيا على هذه المؤسسات، ما أدت إليه النتائج الفظيعة للأزمة الاقتصادية العالمية من تراجع في تعصُّب المنظرين والفاعلين الاقتصاديين الليبراليين ضد مبدإ تدخل الدولة. بل إن تدخل الدولة الرأسمالية نفسها في بعض المجالات الاقتصادية أصبح أمرا حتميا.
ومن ينظر إلى المشروعات التنموية والمجالات التي تمولها هذه الجهات داخل موريتانيا، سيجد أنها لا تقارن من حيث الفائدة العامة والاستمراية بالمشاريع الإستراتيجية التي لا تمولها عادة إلا الدول العربية أو جمهورية الصين. كطريق الأمل وتمويل اسنيم بعد تأميمها وميناء الصداقة والمركب الجامعي الجديد قيد التشييد... ومع هذا وذاك، هناك من الدول من أحسن استغلال القروض والمنح لتحسين اقتصاداتها إلى حد ما، مثل مالي والمغرب...
ما بين يناير 1995 و يونيو 2001 مثلا، وقّعت موريتانيا اتفاقيات تمويل أزيد من 300 مشروع تنموي داخل البلاد بقيمة 321,392,477,226 أوقية. فأين هذه المبالغ وما فائدتها؟ حتى أسماء هذه المشروعات ومجالاتها يصعب على الموريتاني المتعلم العادي أن يفهمها، لأن قليلا منها ما يستثمر في الاقتصاديات الكلاسيكية التي هي محل معيشة الموريتانيين. أما تحليل هذه المشروعات ومجالاتها وأهدافها ومعرفة أي منها أنهى مدته وتحديد النِّسَب التي استرجعتها الدول المانحة عن طريق صفقات التموين والأجور الخيالية التي يتقاضاها ما يسمى بالخبراء الدوليين... فذلك يتطلب دراسة متخصصة مستفيضة.
عندنا تجربة السياسات اليسارية التي انتهجها هوغو شافيز في فنزويلا وتبعه فيها عدد من قادة المنطقة، أمثال موراليس في البيرو ولولا في البرازيل وفاسكيز في الأورغواي وكرشنر في الأرجنتين وآتت أكلها جميعا وأصبحت ممجّدة من طرف كثير من منظري السياسة والاقتصاد في العالم واعتبروها أنموذجا يُحتذى في العالم الثالث.
والكل يتذكر خطاب شافيز سنة 2005 أمام الأمم المتحدة حيث قال: "يستطيع الشعب في فنزويلا، بعد سبع سنوات فقط من الثورة البوليفارية، أن يدعي لنفسه اليوم إنجازات اجتماعية واقتصادية مهمة. فقد تعلم القراءة والكتابة مليون وأربعمائة وستة آلاف فنزويلي. وقد أصبح ثلاثة ملايين فنزويلي جزءاً من نظام التعليم الابتدائي والثانوي والجامعي بعد أن استثنوا منه بسبب الفقر. وبات سبعون بالمئة من السكان يتلقون العناية الصحية الشاملة ومنها الدواء للمرة الأولى في حياتهم. وخلال بضعة سنوات سيتمكن كل فنزويلي من الوصول مجّاناً لرعاية صحية ممتازة. ويتم إيصال أكثر من مليون وسبعمائة ألف طن من الأغذية لأكثر من إثني عشر إنسان بأسعار مدعومة من الدولة أي لنصف الشعب تقريباً وتم خلق أكثر من سبعمائة ألف وظيفة جديدة في اقتصادنا...".
صحيح أن فنزويلا من أكبر مصدري ومنتجي البترول في العالم، إلا أن عوائد البترول الضخمة لم تمنعها قبل مجيء شافيز سنة 1998 من عيش ما يزيد على نصف سكانها في أصعب حالات الفقر المدقع وانعدام أبسط الخدمات الأساسية من صحة وتعليم وطرق ومياه وكهرباء... وما ذاك إلا بسبب الفساد والنهج الليبرالي المتوحش الذي كانت تنهجه. وعندنا كذلك تجربة التنمية والتحديث الرائعة في دول شرق آسيا التي سبقت التجربة اللاتينية وكانت تجري على الضد من توجيهات البنك وصندوق النقد الدوليين.
الموريتانيون أيضا، لم تتفق أحكامهم ومعارضاتهم ونخبهم وعامّتهم مثل ما اتفقوا على انتشار الفساد والإهمال داخل الدولة وكثرة موارد البلد مقارنة بعدد السكان، كما لم تتفق شعوب العالم العارفة بموريتانيا مثل اتفاقهم على تخلف هذا البلد وفقر أهاليه، إلا من الصعب أو الخطإ، تصور تنمية اقتصادية أو اجتماعية قادرة على استغلال الثروة واستيعاب الطاقات وتنميتها، دون إحداث شركات ضخمة وذات مصداقية - على غرار شركة سنيم مثلا - تضطلع كل منها بمجال من المجالات التقليدية المهمة، كالزراعة والتنمية والصناعة الحيوانية والصيد البحري والإعمار والبنية التحتية والاستخراجات النفطية... فهل سيظل الإنسان الموريتاني عاجزا عن تنمية نفسه واستغلال موارده إلى الأبد؟
تجديد الطبقة السياسية:
إذا كانت الحكومة قد نجت من المفسدين، فإنه ما عدا أقل من ثلث الوزراء والوزير الأول، لم تنجُ هذه الحكومة من انحطاط مستوى بقية أعضائها عن المستوى المطلوب دوليا وإقليميا من بالدُّربة والأهلية للعمل السياسي والفني والكاريزما والخلْفية والقدرة على خلق تصور لمفهوم الدولة في حاضرها وماضيها ومستقبلها ومجاراة التطورات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية المأمولة. وقل الشيء نفسه لمعظم قيادات الحزب الحاكم.
أما البرلمان، فإنه كذلك وعلى الرغم من تمتع أقلية أعضائه بمستوى عال وأقلية أخرى دون ذلك، فإن أكثرية الذين نُوِّبوا عن الشعب الموريتاني وأكثرية المداولات التي تدور في الغرفتين، تشكل وصمة عار في جبين الشعب الموريتاني، لما فيها من التفاهات والجهل لأبسط أبجديات ومبادئ القانون الدستوري والمالية العامة والاقتصاد وعلم السياسة والثقافة العامة والحصافة السياسية واللياقة الحضارية والحذاقة الموريتانية... خصوصا أن المداولات تنشر عبر الأقمار الصناعية للأسف الشديد. والمسؤولية واقعة كلها على كواهل الأحزاب التي رشحتهم.
عضوية الحكومة والبرلمان وقيادات الأحزاب المهمة... مناصب سامية وحاسمة في الصناعة السياسية للبلد. وما دامت يتقلدها مَن لا يؤمن بأي قضية ومَن ليس مهيأ للخدمة الوطنية واتخاذ القرارات المهمة ومبادرة ومناقشة وتنفيذ السياسات العمومية، فلا شيء مهمًّا يُرجى. ومن هنا ستبقى الأسئلة حائرة في الكيفية التي سيتمكن خلالها محمد ولد عبد العزيز ونظامه من إنتاج وإعادة إنتاج مصادر بشرية قوية وحضانات سياسية صحية مهيأة لمجاراة مشروعه التغييري الطموح. يقول الاشتراكي الفرنسي جان جوريس: إن الثورات لا تأتي عادة نتيجة لغياب الإصلاحات، بل نتيجة لإحباط آمال الجماهير في الإصلاحات التي وعد النظام بها".
لم يحصل الانقلاب العسكري الأخير الذي قاده محمد ولد عبد العزيز على ما حصل عليه من التعاطف الشعبي ولم تنتخبه الأكثرية إلا لخطابه السياسي ذي الحمولة النقدية والجرأة الاستثنائية على الهجوم وتسمية الأمور بأسمائها.
وإذا كان محمد ولد عبد العزيز شخصيا قد أبدى طموحات تغييرية كبرى، ابتداء من إطاحته بنظام سياسي شمولي وفاسد ومرورا بإحباط محاولة هذا النظام للرجوع وانتهاء بحرب على الفساد ذات مصداقية، فإن بناء نظام سياسي محترف قادر على فتح قنوات أوسع لاستيعاب الطاقات الوطنية المقيمة والمهاجرة والمؤيدة والمعارضة للوصول بالبلاد إلى أبسط مراتب الدول المعاصرة والمجاورة، يبقى حتى اليوم تحديا حقيقيا للرجل.
وأمام ولد عبد العزيز في هذا الصدد ثلاث سيناريوت:
الأول، أن يركز كل شيء في يده، فلا يكل أي جزء من المبادرة السياسية أو الحكومية أو الإدارية إلى أي شخص أوجهة. وهذا أمر في غاية الصعوبة على البشر، بمن فيهم الأنبياء المرسلون وعظماء التاريخ السياسي.
السيناريو الثاني، أن تؤجَّل المراجعات السياسية الكبرى والإصلاح الأفقي حتى تتجدد الطبقة السياسية من تلقاء نفسها ويقصى المتطفلون عليها وأصحاب المصالح الشخصية والبنيات النفسية الضعيفة والأدمغة الخاوية، فتتقوّى هياكل الوساطة والتأطير السياسي في كل من الطرفين الحاكم والمعارض. وهذا بعيد.
السيناريو الثالث، أن يعمل ولد عبد العزيز على تجديد عمودي سريع، فيقوم بتعيين قيادة سياسية تتألف من ثمانية إلى خمسة عشر رجلا فما فوق من خارج الحكومة والحزب والبرلمان، يتمتعون بالتجربة الكافية والنزاهة والبنية النفسية القوية والرؤية السياسية الواضحة والاستعداد للمضي في مغامرات التغيير انطلاقا من قناعتهم وبناء على رؤيتهم المشتركة مع الحاكم، لتبدأ هذه القيادة عملها المباشر لتثبيت المكونات الضرورية لنظام سياسي جديد وسلطة وطنية محترفة وحضانة سياسية ناضجة، ولتشرف على توسيع المشاركة والتأطير السياسي للحزب والجماهير والإعلام ولتتولى مهمة التقويم الواعي للسياسات العمومية والمشروعات التنموية وتطرح الإشكالات الإستراتيجية والديمغرافية والأمنية التي يواجهها هذا الكيان.