مشاهدة النسخة كاملة : مَنْ يتضامن مع مَنْ؟


أبو فاطمة
06-12-2010, 01:37 AM
مَنْ يتضامن مع مَنْ؟
أمجد عرار

من الرائع والمدهش أن نرى هذه الانتفاضة الشعبية الدولية، وهذا الوعي المتزايد بعدالة القضية الفلسطينية في كل العالم، حتى في الدول التي تتربع على عرشها حكومات لا تجيد سوى احتضان “إسرائيل” بجرائمها واستيطانها و”جملها بما حمل” . صحيح أن الإنسانية أقوى من أعدائها دائماً، وصحيح أيضاً أن المبادئ لا تموت، وأن روح التضامن لا تشترط الخلفية العرقية والدينية والفكرية، لكن الأصح أن هؤلاء الناس يتضامنون مع فلسطينيين منقسمين ويفاوض بعضهم العدو، الذي يرفع المتضامنون صوتهم ضده قبل وأثناء وبعد اقترافه مجزرة بحقهم، كما أنهم يتظاهرون ضد هدم المنازل والاستيطان وجدار النهب العنصري، ويجوبون البحار ويحملون المساعدات لفلسطينيين متروكين لمصيرهم من جانب أشقائهم العرب .

هذا منبع الاستغراب والدهشة ومبعث الألم في نفوسنا، فالعالم لم يعتد رؤيتنا نذهب إلى أي مكان في العالم لنتضامن مع مظلومين ومعذّبين، وفي الوقت ذاته لا يؤثّر في موقفه أن يرانا لا نتضامن مع أنفسنا ولا نتحرّك لنصرة قضايانا، بل فوق ذلك ننقسم ونتقاتل ونتآمر ونتواطأ بعضنا ضد الآخر . يقول محللون إن هذا سببه نخب حاكمة وقوى سياسية مهترئة ووكلاء استعمار، وكل هؤلاء ليسوا سوى نسبة قليلة من شعوبنا . هذا صحيح، لكن النسبة الكبرى التي لا تشمل هؤلاء، تقف موقف التفرّج السلبي ولا تفعل شيئاً لحماية مستقبل الأمة من العبث، ولا تتحرّك لتصحيح البوصلة التي تحرفها أصابع خبيثة لاتجاهات غير اتجاهاتها الحقيقية، بل لا تثأر لكرامتها، ولا توقف أيادي تسرق مقدّراتها، وتلعب بوعي أجيالها وتكتب تاريخاً مزيفاً سيكون منهاج تلاميذ الغد .

نطالع صور التظاهرات في أمريكا وبريطانيا وفرنسا والنرويج واستراليا ومعظم عواصم العالم، نلمح وجوهاً وملامح عربية، ونعتقد أن منظمي هذه النشاطات عرب ويجدون من يستجيب لدعواتهم العادلة والمحقّة وعن قناعة وبدوافع إنسانية وسياسية (وهذه ليست خطيئة كما تحاول “إسرائيل” أن تصورها)، لكنّنا طالعنا تظاهرات في كوريا الجنوبية ودولاً أخرى ولم نر وجهاً عربياً واحداً . وهذا يعني أن الكثير من المتضامنين مبادرون ويقودون ولا يكتفون بتلبية الدعوات . إنهم بذلك يستحقون احتراماً مضاعفاً ووفاء أكبر . إنهم ينوبون عنا ويسدّون ثغراتنا التي نفتحها بأيدينا، ويعوّضون عجزنا ويتوحّدون فيما يستمر انقسامنا، ويجففون عرق خجلنا ويدارون على احمرار خدودنا ويسترون عوراتنا ويلعبون الدور نيابة عنا، ونحن نتفرّج عليهم، هذا يبكي وذاك مندهش لا يستطيع فهم دوافع هؤلاء القادمين من آخر الدنيا للموت في عرض البحر دفاعاً عن شعب لا يجاورهم ولا يشكل عمقاً قومياً أو أمنياً أو اقتصادياً أو عشائرياً أو دينياً لهم . كل ما في الأمر مبادئ تعطي للإنسان قيمة يحاول أعداء الإنسانية تجميدها عند درجة الصفر .

هذا يحصل على مسرح الكون ونحن على مقاعد المتفرّجين، الشيء الوحيد الذي تطوّر فينا أننا كنا نلوذ بالصمت وأصبحنا نتحدّث ردحاً ضد بعضنا، كنا نقف مكتوفي الأيدي، لكننا الآن نحرّكها لكي نصفّق للآخرين.

نقلا عن دار الخليج