مشاهدة النسخة كاملة : الإسلامية والعلمانية


أبو فاطمة
06-11-2010, 10:11 AM
فقه الإصلاح
الإسلامية والعلمانية
ماهر سقا أميني


لجأ فؤاد زكريا في مهاجمته للصبغة الإسلامية للحياة لصالح علمانيته التي رآها وحدها الموضوعية والبعيدة عن التعصب، إلى مغالطات كثيرة أراد بها أن يخدع الناس، لأن تطبيق الشريعة الاسلامية في رأيه من البداهة بمكان تحسده عليه أكثر البديهيات وضوحا عند البسطاء من الشباب، وبالتالي فانه حشد كل قواه ومهاراته من أجل إسقاط هذه البداهة ليضع مكانها علمانيته التي لا تمثل الناس في البلاد العربية ومصر منها، وبالتالي لا تمثل خيار الأغلبية ضمن التقاليد الديمقراطية التي يؤمن بها ويدعو اليها .

الحيلة الأولى: عمومية الأحكام الشرعية والتي تحتاج الى بذل جهود كبيرة من أجل ملء تفاصيلها بمضمون صالح للتطبيق في ظروف كل عصر بعينه، وحيلة تحويل الشريعة الى مبادئ عامة ومقاصد أكثر عمومية واعتبار كل التفاصيل الشرعية التي وردت في القرآن والسنة والتي أصّل لها العلماء ووضعوا لها أصولا لتنزيلها على كل زمان ومكان هي تفاصيل زمنية تاريخية خاضعة لظروف فترة التنزيل أو فترات التأويل والتأصيل، وهذه الحيلة يقصد من ورائها تحويل الإسلام الى عناوين عامة وشعارات ولافتات لا تتدخل في رسم الحياة وتحديد سلوك أصحابها على المستوى العام والخاص .

ومع أن علماء المسلمين استطاعوا خلال قرون أن يؤصلوا لكل حركة في الحياة وأن يضعوا مفاتيح لتنزيل النصوص على كل جديد، إلا أن هذا لا يرضي من يقصد أصلاً تحييد الإسلام عن الحياة العامة وهي العلمانية التي يعتبر زكريا من روادها العرب .

ثم يبدأ صاحبنا بتصوره لفهم الاسلام وتنزيله على الواقع، فيرى مثلا أن مبدأ الإحسان الذي يترجم إسلامياً بالزكاة والصدقات يجب أن يتحول مع تعقد المجتمعات، الى منع الأغنياء من أن يتملكوا الوسائل التي تمكنهم من استغلال الفقراء، ذلك أن الزكاة والصدقات في رأيه أصبحت غير مجدية في الوقت الحاضر، ولا أستطيع أن أتصور أن أن رجلا بعقل فؤاد زكريا لم يطلع على فقه الزكاة والصدقات وتنزيله على أيامنا هذه حسب الاصول، كما فعل الشيخ القرضاوي مثلاً، ولكن زكريا يريد أن يحول الاسلام الى نوع من الاشتراكية ضاربا عرض الحائط بكل الاعتبارات الاسلامية الاصيلة من حق الملكية الفردية وتحريم اغتصاب الاراضي أو المعامل من أصحابها، وهذا طبعا في ربيع فكره اليساري وقبل أن يتحول الى الليبرالية- وكل هذا التشويه يريد أن يضعه تحت اسم الاحسان كمبدأ اسلامي .

وبالطريقة نفسها يرى أن خير ما يمكن أن يترجم مفهوم الشورى في الاسلام هو الديمقراطية، التي تعني أن الامة مصدر السلطات وحتمية الفصل بين السلطات وأن الأمة صاحبة الحق في اختيار رئيسها وممثليها ونوابها، بالاضافة إلى المعارضة البرلمانية الحرة وتعدد الاحزاب والصحافة الحرة .

ومن الواضح أن هذا لا يمكن أن يمت إلى الاسلام بصلة في حال امكانية تطبيقه، ذلك لأن الحق سبحانه وتعالى والرسول الاعظم صلى الله عليه وسلم كمبلغ عن ربه هما مصدر التشريع والسلطات ولو اختار 100% من الأمة تحليل محرم أو تحريم محلل فان هذا لا يغير من الأمر شيئا، أما آليات تطبيق الشورى فقد اجتهد فيها العلماء ومازالوا يجتهدون ضمن الأصول التي لا تتجاوز النصوص ولا تعبث تحت اسم أو عنوان التأويل .

ثم يعود زكريا ليناقض نفسه أو ليسخر منا، ترى أكان من الممكن أن نفسر معنى الإحسان الاسلامي بالطريقة التي فسرها لو لم يطلع على ماركس وأتباعه من مؤسسي الفكر اليساري؟ وهل كان من الممكن أن يحول الشورى الاسلامية الى الديمقراطية على الطريقة الغربية الليبرالية لو لم يطلع على تراث الفلاسفة من مثل لوك وروسو، ولو لم يطلع على التجارب الديمقراطية الحديثة التي نراها اليوم؟ اذن هكذا يستنتج الشريعة أو الاسلام بشكل عام هو مبادئ شديدة العمومية وعلينا أن نحول هذه المبادئ الى تفاصيل واقعية بمعية ماركس وروسو وتجارب البيت الابيض في الحكم الديمقراطي، وهذا يجعلنا في غنى عن المبدأ العام سيما وأنه يمكن حشوه بأي محتوى مغرض لصالح الاغلبية أو الاقلية .

ترى الا يمثل هذا النوع من التفكير اغتراباً مرضياً أكثر منه ريادة في العقلانية والتنوير؟

نقلا عن دار الخليج