مشاهدة النسخة كاملة : "إنما المؤمنون إخوة"


أبو فاطمة
06-11-2010, 10:02 AM
معان إسلامية
"إنما المؤمنون إخوة"
أ .د . قصي الحسين

تكفل الشريعة الإسلامية للناس الحياة الكريمة التي تصل بهم إلى أعلى درجات الرقي والكمال، وهي لا تختص بجيل من الناس دون جيل ولا بقوم دون قوم ولا بفئة دون فئة، بل كانت رسالة عامة للناس جميعاً إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها . قال تعالى: “وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا كَافةً لِلناسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا” وليس فيها ما صعب على الناس اعتقاده أو يشق عليهم العمل به . قال تعالى: “لَا يُكَلفُ اللهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا” .

إن الإسلام نظام كامل يشمل الدين والدولة معا، فقد انطوت نصوصه وتعاليمه على مبادىء أساسية في التشريع السياسي والاقتصادي والاجتماعي والعسكري، ولم يكن هذا رأي العلماء المسلمين فحسب، وإنما أقر به بعض المستشرقين ومنهم لويس غرديه الذي صرح باقتناع وإعجاب: “بان الإسلام دين، وبأنه أيضاً في تعاليمه الأساسية جماعة، تحدد، باسم الدين، لكل عضو فيها ولجميع أعضائها على السواء، شروط الحياة وقواعدها: فالحياة العائلية، والاجتماعية، والسياسية، والدينية المحضة، والمصلحة العاجلة في هذه الحياة الدنيا، والنعيم المقيم لكل مؤمن بالحياة الآخرة، كل ذلك مرسوم في وحدة كلية يهيمن عليها الإسلام وينفخ فيها من روحه” .

لقد حدد الإسلام بتشريعاته، طرق التعامل بين أفراد المجتمع، بين الزوج وزوجه وبينه وبين أبنائه، وعلاقته مع والديه، ومع جيرانه، ومع من يتعامل معهم، والزواج وما يتعلق به من عقد ومهر وغيره، والطلاق في حال حصوله وحقوق المرأة، وحضانة الأولاد، والعدة وخلافها، وطرق البيع والشراء والديون وحفظ الأموال، وحرم الربا والاحتكار، ونظم عملية الإجارة والإعارة والهبة والوديعة والرهن، وباختصار لم يترك الإسلام أمراً من أمور المعاملات على أنواعها إلا وضع له نظاماً، ويمكن الاطلاع عليها بالتفصيل لمن أراد في مراجعها الكثيرة المتوفرة .

جمع القلوب

وعمل الإسلام على جمع القلوب، وضم الصفوف مستهدفاً إقامة كيان واحد قادر على تحقيق الغايات السامية والأهداف الصالحة التي جاءت بها رسالته العظمى: من عبادة الله، وإحقاق الحق، وفعل الخير، والجهاد من اجل استقرار المبادىء التي يعيش الناس في ظلها آمنين . وقد كون روابط أدبية بين أفراد المجتمع، قابلة للنماء والبقاء وليست كغيرها من الروابط المادية التي تنتهي بانتهاء دواعيها .

فالإسلام أوجب العدل وحرم الظلم، آخى بين الإنسان والإنسان، وجعل العلاقة بين الأفراد وبين الجماعات وبين الدول، علاقة سلام وأمان، يستوي في ذلك علاقة المسلمين بعضهم ببعض، وعلاقة المسلمين بغيرهم: قال تعالى: “يَا أَيهَا الناسُ إِنا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِن أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ إِن اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ” .

كذلك أوجب الإسلام على الإنسان أن يحافظ على نفسه، فقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم: “إن لنفسك عليك حقاً” . وهذا يستدعي المحافظة على صحته وألا يعرض نفسه للهلاك فإن هذه الروح التي أوجدها الله بين جنباته هي ملك لبارئها، لذلك لا يحق له الإقدام على الانتحار لأنه بذلك يكون قاتلاً ومثواه جهنم وبئس المصير، وعلى المرء أن يتحلى بالعلم والأخلاق الفاضلة وأن يكون مثلاً أعلى في ذلك وأن يعبد الله حق العبادة، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر .

حقوق الإنسان

واعترف الإسلام بحق الفرد وبكرامته على اعتبار إنسانيته، بقطع النظر عن جنسه ولونه ودينه وقوميته ومركزه الاجتماعي . ومن أجل أن يكون هذا التكريم حقيقة واقعة، كفل الإسلام جميع حقوق الإنسان، وأوجب حمايتها، سواء أكانت حقوقاً دينية أم مدنية أم سياسية، ومن هذه الحقوق:

1- حق الحياة: لكل فرد الحق في الحياة، فلا يحل لأحد الاعتداء على هذا الحق .

2- حق صيانة المال: لا يحل اخذ مال إنسان آخر .

3- المحافظة على العرض: فلا يجوز انتهاك عرض إنسان آخر حتى ولا بكلمة نابية .

4- حق الحرية: أقر الإسلام للإنسان بحرية العبادة، وحرية الفكر، وحرية اختيار المهنة وغيرها .

وسعى الإسلام لإقامة مجتمع متضامن متماسك، لما فيه خير الجميع، فقد جاء في القرآن الكريم: “إنما المؤمنون اخوة” . فالإيمان يجعل بين المؤمنين إخاء أقوى من إخاء النسب . وعن الرسول صلى الله عليه وسلم انه قال: “المسلم أخو المسلم أحب أم كره” .

إن طبيعة الإيمان توحد ولا تشتت، فهو قوة لأخيه يحس بإحساسه يفرح لفرحه ويحزن لحزنه، ويرى أنه جزء منه .

كذلك دعا إلى الاندماج في الجماعة، فالجماعة دائماً في رعاية الله وتحت يده . وعن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال: “يد الله مع الجماعة، ومن شذ، شذ في النار” . وعبادات الإسلام كلها تؤدى جماعة، فالصلاة تسن فيها الجماعة، وهي تفضل صلاة الفرد بسبع وعشرين درجة . والصيام مشاركة جماعية ومساواة في الجوع في فترة معينة من الوقت، والحج ملتقى عام للمسلمين جميعاً كل عام، يجتمعون من أطراف الأرض على أقدس غاية، وقد حث الإسلام على جمع الكلمة والبعد عن الفرقة . قال الله تعالى: “وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرقُوا” .

ولن تصل الجماعة إلى تماسكها اللازم، إلا إذا بذل لها كل فرد من ذات نفسه، وكان عوناً لها في كل الأمور، فالناس كلهم عيال الله، وأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله .

* أستاذ في الجامعة اللبنانية

نقلا عن دار الخليج