مشاهدة النسخة كاملة : قوافل الحرية . . صراع الإرادات


أبو فاطمة
06-10-2010, 09:54 AM
قوافل الحرية . . صراع الإرادات
يوسف مكي

يطرح الموقف المتعنت للكيان الصهيوني، تجاه قوافل التضامن مع غزة المحاصرة، الذي بلغ حد القرصنة والقتل بحق المتضامنين أسئلة ملحة عن دوافع تمسك الصهاينة بالحصار، وحالة تراخي العرب تجاهه .

قراءة أهداف الحصار، لن تكون صائبة إن لم يتم ربطها بمشروع الشرق الأوسط الجديد الذي يراد فرضه على المنطقة، والهادف إلى الاستعاضة بالبعد الاستراتيجي بديلاً من الجغرافيا الطبيعية، وتحقيق اندماج “إسرائيل” بالمنطقة، ليس بصيغة الشريك فحسب، ولكن بصيغة القاعدة العسكرية والاقتصادية والسياسية المتقدمة للمشروع الإمبريالي الغربي على الأرض العربية .

كان إيغال ألون، رئيس الوزراء “الإسرائيلي”، أول من لفت الانتباه، في أوائل السبعينات من القرن المنصرم، إلى إمكانية قيام سلطة فلسطينية، تتمتع بحكم ذاتي، بالضفة والقطاع، وترتبط بكونفدرالية سياسية واقتصادية مع الأردن، وترتبط أمنياً ب”إسرائيل”، وتكون معبراً برياً للتسلل الصهيوني، إلى قارات آسيا وأوروبا وإفريقيا . وقد تزامن ذلك بربط “إسرائيل” بمشاريع تصدير الغاز العربي عن طريق الموانئ الفلسطينية، وإيصال المياه عبر أنابيب تمتد من تركيا إلى الأراضي المحتلة . كما ارتبط بالحديث عن تحقيق توسع “إسرائيلي” في جنوب لبنان بهدف الوصول إلى مياه الليطاني، واستكمال مشروع تحويل مياه نهر الأردن إلى أراضي النقب، في القلب من فلسطين المحتلة .

حالت حرب أكتوبر عام ،1973 واتخاذ القادة العرب قرارهم التاريخي باعتبار منظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، دون تحقيق مشروع ألون . ولم تكن فكرة قيام دولتين مستقلتين على أرض فلسطين التاريخية قد تبلورت بعد آنذاك لدى عرفات ورفاقه .

ومنذ منتصف السبعينات، كان قطاع غزة متميزاً في مقاومته ومناهضته للاحتلال . وكان من وجهة نظر الحكومات “الإسرائيلية” المتعاقبة، بما يمثله من ثقل سكاني وحركة رفض وممانعة مستعصية، يشكل عبئاً ثقيلاً على سلطات الاحتلال، وأثناء محادثات كامب ديفيد بين القيادة المصرية والصهاينة، حاول رئيس الحكومة “الإسرائيلية”، مناحيم بيجن إقناع الرئيس المصري أنور السادات بدمج موضوع القطاع بالمفاوضات، على اعتبار أن مصر كانت تدير القطاع حتى حرب يونيو/حزيران عام ،1967 ورفض الرئيس السادات ضم القطاع للأراضي المصرية، خشية من تعقيدات ذلك على عملية التسوية السلمية برمتها .

بقي قطاع غزة مصدر إزعاج مستمر، لقوات الاحتلال الصهيوني . وكانت انتفاضة أطفال الحجارة، قد انطلقت من غزة، لتعم سريعاً مختلف المدن الفلسطينية، ولتسجل صفحة فريدة، من صفحات النضال الفلسطيني . وحسب وصف إسحق رابين، مثلت غزة كابوساً، يحرم القادة الصهاينة، من الأمن والطمأنينة . وفي واحد من أكثر تصريحاته مرارة وإحباطاً تمنى ألا يستيقظ صباحاً من نومه إلا وقطاع غزة قد غرق في البحر .

ليس ذلك فحسب، بل إن إدارة رابين، بادرت بالاتصال بأحد قادة حركة فتح في غزة، وعرضت عليه مشروع استلام الحركة لقطاع غزة، وتم تبليغ ذلك للرئيس الفلسطيني، ياسر عرفات، ولحقتها رسائل أخرى، كانت المقدمة لمفاوضات أوسلو، التي انتهت بتوقيع اتفاق غزة أريحا أولا في 17 أغسطس/آب عام 1993 .

لكن “إسرائيل” واصلت، كسر إرادة الصمود بالمناطق المحتلة، لترتيب الأوضاع السياسية في المنطقة، انسجاماً مع مشروع الشرق الأوسط الكبير، الذي نظّر له شمعون بيريز، والذي عُدل لاحقاً ليكون “جديداً” يأخذ مكانه من خلال “الفوضى الخلاقة” و”مخاض الولادة الجديدة” .

انتهت حرب لبنان عام ،2006 من دون إجراء تعديلات جذرية فوق رقعة الشطرنج، ومن دون تحقيق مخاض ولادة الشرق الأوسط الجديد، وكانت كما تم توصيفها بحق من زعماء صهاينة، “حرباً لم تكتمل”، وبالنسبة لأولمرت ووزير حربه موفاز نذير شؤم بنهاية مستقبلهما السياسي .

ومن جديد أعيد بعث مشروع إيغال ألون الذي طرح في مطلع السبعينات، لكن من دون قطاع غزة في هذه المرة، والتركيز فقط على الضفة الغربية، وربطها بكونفدرالية أردنية “إسرائيلية” .

وأثناء حرب غزة، صدرت تصريحات، تؤكد هذا الاستنتاج . ففي مقالة نشرها السفير السابق للولايات المتحدة بمجلس الأمن، جون بولتون في صحيفة ال”واشنطن بوست”، ذكر أن محاولة إقامة سلطة فلسطينية تقودها منظمة التحرير الفلسطينية قد فشلت بشكل لا رجوع عنه، وأن أي حل قائم على دولتين على أساس السلطة ولد ميتاً . “لأن الإرهابيين نجحوا في السيطرة على غزة” . ورأى أن “خارطة الطريق” الأمريكية لإحلال السلام بين الفلسطينيين والصهاينة لم تؤد إلى نتائج إيجابية، وأن الحل، يقتضي التفكير في مقاربة جديدة تقوم على أساس وجود “ثلاث دول” توضع بموجبها غزة مجدداً تحت سيطرة مصر فيما تعود الضفة الغربية وفق صيغة معينة إلى الأردن” . إن ذلك حسب بولتون سيتكفل بتحقيق السلام بالشرق الأوسط .

من جانبه، عبّر الملك الأردني، عبدالله الثاني، أثناء لقاء صحافي له مع مدير فضائية الجزيرة بعمان . عن قلقه من وجود مؤامرة على الشعب الفلسطيني، تهدف للقضاء على آماله بقيام دولة مستقلة على أرضه، وصياغة خارطة جديدة لدول عدة بالمنطقة .

إن الهدف إذاً، هو فصل القطاع للأبد عن الضفة، وإلحاقه بمصر . أما الضفة الغربية فستغرق مجدداً بأتون حرب أهلية، ويزج بعشرات الألوف من فلسطينيي أراضي عام ،1948 إليها، وفقاً لتصريحات سيبني ليفني . وسيجري طرح الأردن مجدداً كوطن بديل للفائض من اللاجئين الفلسطينيين . وستوضع القيادة الأردنية أمام خيارين أحلاهما كارثي ومفجع: إما القبول بفكرة الوطن البديل، وتحقيق اتحاد كونفدرالي مع الضفة الغربية، والارتباط اقتصادياً بالكيان الصهيوني، واعتبار الضفة الغربية حجر الركن في التسلل الاقتصادي والسياسي للوطن العربي، وإما الدخول في أتون حرب أهلية لا تبقي ولا تذر .

في حديثه عن الأهداف الاستراتيجية لحصار غزة، أشار الكاتب مايكل شوسادوفسكي إلى أن “الحصار لغزة هو جزء من استراتيجية، صاغتها “إسرائيل” . ووفقاً لهذه الخطة فإن الهدف هو تدمير السلطة الفلسطينية، ومنع قيام دولة فلسطينية مستقلة، وتحويل أراضي القطاع والضفة إلى كانتونات منفصلة عن بعضها، وفصل الضفة الغربية نهائياً عن القطاع، وضمان بقاء حكومتين متصارعتين إحداهما في رام الله والأخرى في قطاع غزة، حتى يتم استكمال تطبيق المشروع الصهيوني، والمتمثل في الطرد الجماعي للفلسطينيين، وإعادة إلحاق الضفة بالأردن .

الكاتب المعروف كريس هيدجز، كتب مقالاً مهماً عنوانه “لغة الموت”، أوضح فيه أن هدف الحصار لغزة هو خلق كانتونات، أو بالأصح غيتوهات فلسطينية يكون بمقدور “إسرائيل” دوماً شل الحياة فيها، وتمنع عنها الدواء والغذاء ومقومات الحياة . وسيكون من نتائح ذلك القضاء نهائياً على إمكانية قيام دولة فلسطينية .

هذه إذاً الأهداف الحقيقية للحصار، وهي التي تفسر الموقف الغاضب للكيان الصهيوني من تجرؤ أحرار العالم على محاولة كسره . ما هو سبب استرخاء بعض الأنظمة العربية، في مواجهة هذا الحصار، ومن الرابح والخاسر في النهائيات التراجيدية لقوافل الحرية، وراشيل، أسئلة سنحاول الإجابة عنها في الحديث القادم بإذن الله .

نقلا عن دار الخليج