مشاهدة النسخة كاملة : خطاب أوباما . . الخاسر الأكبر


أبو فاطمة
06-10-2010, 09:43 AM
خطاب أوباما . . الخاسر الأكبر
جميل مطر

يوجد احتمال أن يكون نتنياهو وباراك أخطآ في بعض حساباتهما عندما قررا مع غيرهما الصعود أو الهبوط مع ريح السماء إلى بواخر قافلة الحرية . يوجد احتمال آخر، أن يكونا قد خطّطا بدقة ولم يرتكبا أخطاء وجاءت النتائج أقرب ما تكون إلى الأهداف الموضوعة للخطة . أميل بالحس والطبع إلى الاحتمال الثاني ليس إيماناً بنظرية المؤامرة، وإن كنت أعترف بأنني مع غيري من الذين وقع على عاتقهم ذات يوم الإسهام في صنع سياسة أو قرار سياسي، اشتركت في التآمر، بمعنى من المعاني، ضد دولة عدو . لم أعرف وقتها أنني كنت متآمراً . عرفت فقط حين تبدلت أولويات المصالح القومية فصارت الخطة التي وضعناها قبل سنوات للإضرار بمصالح دولة عدو تتناولها في عهود أخرى أقلام مصرية معينة بالانتقاد والتسفيه باعتبارها مؤامرات .

أميل إلى احتمال أن يكون “الإسرائيليون” خططوا جيداً لتحقيق نتائج قريبة الشبه جداً من النتائج الفعلية التي أسفرت عنها الحملة . أميل إلى هذا الاحتمال ربما تحت تأثير تجاربنا السابقة مع “إسرائيل” ومع نتنياهو تحديداً، وربما استناداً إلى متابعتي مسلسل التطورات الأخيرة في “إسرائيل” . في تصوري أن الصعود الرهيب لقوى اليمين “الإسرائيلي” وأفكاره خلّف لدى “الإسرائيليين” شعباً وحكومة ولدى القيادات المتطرفة في الجاليات اليهودية في الخارج، اعتقاداً بأنه ربما آن الأوان أن تقفز “إسرائيل” قفزات واسعة لعبور المرحلة النهائية في مسيرتها نحو استكمال الاستيلاء على معظم فلسطين وفرض هيمنتها على الإقليم وترسيخ نفوذها في العالم . ولماذا الانتظار؟ لقد تحققت ل “إسرائيل”، كما يعرف محللون عرب كثيرون، الهيمنة على الحيز الرسمي العربي وصارت لها كلمة تؤثر بها في معظم علاقات الحكومات العربية في ما بينها، وبينها وحكومات دول أخرى مثل الولايات المتحدة ودول أعضاء في الاتحاد الأوروبي . حدث هذا بعد أن تعزز نفوذها في معظم العواصم العربية المهمة . لم تعد توجد دولة عربية، أو عدة دول عربية، أو الدول العربية مجتمعة في قمم عقدت بالفعل في القاهرة أو طرابلس أو الدوحة، تجرؤ على التصدي لهذه الهيمنة أو تقوى على تكبيل هذا النفوذ . وبالفعل صارت تصدر وبكثرة عن مسؤولين عرب تهديدات جوفاء وقرارات منزوعة الأنياب وبيانات حروف كلماتها أكثر عدداً من كل جنود العرب وطائراتهم ودباباتهم .

أذكر أننا خرجنا بانطباع أن دولاً عربية كبيرة أعربت لتركيا عن طريق أجهزتها الدبلوماسية والإعلامية عن تبرمها أو خشيتها من المتغير التركي الذي يمكن أن يؤدي إلى تغيير في الوضع القائم في المنطقة .

في الوقت نفسه كانت “إسرائيل” تبعث برسائل عديدة إلى إيران تحذرهم من أنهم لن يفلتوا من عقوبة صدر القرار فيها بسبب إصرارهم على تطوير قدراتهم العلمية والتكنولوجية . كذلك وصلت رسائل، وإن من نوع آخر، إلى الأتراك . بدأ وصول هذه الرسائل منذ الأيام الأولى في حكومة حزب العدالة والتنمية، وتكثفت مع تجدد المحاولات التركية للاتصال بالسوريين والفلسطينيين . لم يكن في قصد الأتراك أن يزايدوا حين تعاطفوا مع أهل الجنوب في لبنان خلال العدوان “الإسرائيلي” بينما كانت دول عربية تراهن على القضاء على كافة إمكانات المقاومة، ولم يقصد الأتراك المزايدة عندما توسطوا بين السوريين و”الإسرائيليين” وعركوا مكر حكام “إسرائيل” ونواياهم العدوانية ضد سوريا ولبنان . علق في ذلك الحين معلق غربي بأن تركيا أخطأت في حق نفسها وتحالفها التقليدي مع “إسرائيل” عندما كشف بعض المسؤولين فيها قدر الخداع الذي يمارسه “الإسرائيليون” في مفاوضاتهم مع العرب .

وبمرور الوقت وباتضاح العزم التركي على وقف الانهيارات السياسية في النظام العربي ومنع “إسرائيل” من الانفراد بالنفوذ، أصبحت لدى “الإسرائيليين” دوافع أكثر لفتح النيران اليهودية على تركيا . نذكر غضب “إسرائيل”، وجالياتها في الخارج حين خرج أردوغان غاضباً من حوار في دافوس كان شيمون بيريز رئيس “إسرائيل” مشاركاً فيه . أذكره ليس بسبب ردود الفعل في “إسرائيل” ونيويورك وبين الجاليات اليهودية وممثلي الدولة الغربية وبخاصة دول حلف الأطلسي، وكلها اعتبرت سلوك أردوغان انحرافاً عن نمط تعود عليه المسؤولون في عديد الدول وهو التغاضي عن إهانات “إسرائيل” وتجاوزاتها، ولكن أذكره لأنني اكتشفت في ذلك اليوم، نفس ما اكتشفه أردوغان عقب عودته إلى بلاده، ورد فعل الشارع التركي . كان ظني أن الغضب على “إسرائيل” في تركيا، إن وقع، لن يخرج عن دائرة صغيرة من دوائر الرأي العام ولن يتجاوز عمقه عمق قشرة على سطح الحياة السياسية التركية، فإذا به متجذر وعميق ومنتشر .

تدرج متصاعداً الانتقام “الإسرائيلي” . لم يكن انتقاماً عشوائياً أو غير مخطط . عرف “الإسرائيليون”، ونعرف نحن أيضاً، أن الأتراك ما كانوا ليغفروا لـ “إسرائيل” الإهانة التي وجهتها لسفيرهم . كان واضحاً أيضاً أن “الإسرائيليين” تعمدوا تصعيد التوتر مع تركيا على أمل أن يضيق العسكريون الأتراك ذرعاً بحكومة مدنية تطاردهم وتهدد مسلماتهم الأمنية التي نشأوا عليها في عصر الحصار الأمريكي على الاتحاد السوفييتي . وتعمدوا التصعيد على أمل أن تستعيد الحكومة التركية “رشدها” فتتخلى عن مشروعها “العربي”، وربما على أمل أن تضغط دول الاتحاد الأوروبي فيتراجع أردوغان عن التعاطف مع الفلسطينيين .

على الجانب الآخر، بدا أن حكومة أنقرة لن تتراجع وستواصل تعاطفها مع الفلسطينيين في غزة واختارت دعم قافلة الحرية ورفضت الانصياع للضغوط الدولية والعربية التي بوشرت في محاولات مكثفة لتثني أنقرة عن دعمها القافلة . واختارت “إسرائيل” خطة التدخل العسكري ضد القافلة وبدا واضحاً لبعضنا على الأقل أنها أطلعت أمريكا وحلفاء آخرين على خطتها، ولكنها لم تنتظر موافقة، رأينا ردود فعل الدول التي استشارتها “إسرائيل” وأغلبها لم تنكر بأنها كانت تعرف . سمعنا مندوب أمريكا في مجلس الأمن وشاهدنا جو بايدين في برنامج حوار روز، ورأينا الرئيس الأمريكي الغارق حتى رأسه في “زفت” خليج المكسيك يتحدث من شاشة cnn، وسمعنا تصريحات من قادة أوروبيين وفجعنا بمواقف من مسؤولين عرب، لا تنفي أن استشارات وقعت قبل تنفيذ عملية القرصنة، وأن وعوداً بذلت لتحجيم الصدى وتقييد الإعلام وحرمان كل من غزة وتركيا من جني ثمار انتصار سياسي أو إعلامي .

عام كامل انقضى منذ أن وقف أوباما على مسرح جامعة القاهرة يخطب ود الشعوب الإسلامية . كان خطاباً عاطفياً ومؤثراً، وبالفعل حقق لأوباما شعبية وخفف من كراهية العرب المسلمين لأمريكا، هذه الكراهية التي بلغت أوجها على أيدي الرئيس بوش وسياساته العدوانية في أفغانستان والعراق ودعمه توسع “إسرائيل” وحروبها المذلة للعرب والمسلمين . انقضى عام لم يحقق فيه أوباما خطوة واحدة إيجابية تحسب له على صعيد وقف النشاط الاستيطاني “الإسرائيلي” أو تحجيم عنف “إسرائيل” وغطرستها، أو وقف أعمال العنف العشوائي ضد المدنيين في أفغانستان أو وقف أنشطة القوات الخاصة في أراض يسكنها عرب ومسلمون في إفريقيا والشرق الأوسط وآسيا . عادت الكراهية تزحف إلى عقول العرب والمسلمين وتؤثر في عواطفهم تجاه أمريكا، وعاد اليأس من عدالة أمريكا إلى مكانه في الوعي العربي . سمعت مواطناً يريد من أمريكا أن تلعب دوراً غير منحاز، يقول إنه حزين في الحالتين، حالة أوباما الذي كان على علم بخطة نتنياهو وعندما انتهت تطوع للدفاع عنها، كأنه يريد أن يقول لكل العرب والمسلمين إنه بريء من خطابه الذي ألقاه في العام الماضي في جامعة القاهرة . وحزين في حالة أوباما الذي وصلت إدارته إلى درجة من الضعف تجاه “إسرائيل” ما جعلها ترتكب هذه الجريمة غير مكترثة باحتمال أن يغضب فيعاقبها . هذا الأوباما أو ذاك لا يستحق الحب الذي أحاطته به شعوب المسلمين عقب إلقائه خطاب تركيا ومن بعده خطاب مصر . حزين هذا المواطن . أفضل له ولنا أن يبحث عن شعور آخر غير الحزن واليأس .

خسر العرب في معركة الرأي العام الدولي لرفع الحصار عن غزة، ولكن لا خسارة عربية جديدة صارت تؤثر بينما فاقت الزيادة في مكانة تركيا ما كان متوقعاً ودشنت الأحداث مرحلة إقليمية جديدة . أما “إسرائيل” فلم تخسر كثيراً، خططت ونفذت مطمئنة إلى مساندة عواصم غربية وعربية . الخاسر الأكبر هو خطاب أوباما في جامعة القاهرة بعد أن انكشف أن الرجل أضعف مما قدرنا، أو أن الخطاب كان أكبر من الرجل .

نقلا عن دار الخليج