مشاهدة النسخة كاملة : تداعيات لمجزرة «أسطول الحرية»


أبو فاطمة
06-10-2010, 02:51 AM
تداعيات لمجزرة «أسطول الحرية»

بقلم: جورج ناصيف

الهجوم الوحشي الذي شنته البحرية الإسرائيلية على «أسطول الحرية»، الذي كان يحمل مساعدات غذائية للشعب الفلسطيني المحاصر في غزة، أطلق موجاً من الغضب والاحتجاج في العالمين العربي والإسلامي.

امتد إلى العالمين الغربي والشرقي، وتجلى في عشرات المظاهرات والمسيرات وإحراق العلم الإسرائيلي، والمطالبة برد دولي حاسم على قرصنة لا سابق لها، تأتي لتضاف إلى المجازر التي ارتكبت في قطاع غزة، القطاع الأكثر فقراً في العالم والأكثر اكتظاظاً بالسكان.

فما هي التداعيات الممكنة لهذا الهجوم الإسرائيلي؟

يمكن رصد التداعيات الآتية على المستويات العربي والشرق أوسطي واللبناني، على الوجه الآتي:

أولاً؛ دخول العلاقات التركية - الإسرائيلية في طور مديد من التأزم تستحيل معه العودة إلى الوراء، حسب تصريحات المسؤولين الأتراك أنفسهم، إلا بشرط لا يبدو أن الحكومة الإسرائيلية مستعدة له. والانهيار المتوقع في العلاقات يقع على الصعيدين: العسكري والاقتصادي.

تقوم العلاقات المميزة بين "إسرائيل" وأنقرة على ثلاثة أسس، شكلت قاعدة للحف الاستراتيجي بين الدولة المسلمة غير العربية و"إسرائيل": الصلة بين الصناعة العسكرية في البلدين، ففي العقد الأخير شكلت تركيا واحداً من أهم خمسة أسواق لاستيراد السلاح الإسرائيلي، إلى جانب الهند والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، وقد بلغ حجم الصادرات العسكرية خلال الأعوام العشرة الأخيرة أكثر من 5 .2 مليار دولار.

فمن الصادرات الإسرائيلية إلى تركيا صفقة ضخمة للصناعة الجوية بقيمة مليار دولار، من أجل تحسين وتجديد 50 طائرة فانتوم تابعة لسلاح الجو التركي، فضلاً عن صفقة كبيرة لتحسين دبابات الجيش التركي، إلى جانب بيع طائرات من دون طيار وأجهزة استخبارية ومعدات تصوير واتصال.

أما الأساس الثاني للعلاقة التي كانت قائمة، فهو سماح تركيا لسلاح الجو الإسرائيلي بالإقلاع من قواعدها الجوية والتدرب في أجوائها، تعويضاً عن ضيق مساحة "إسرائيل". وإذا كان التدهور في العلاقات يصيب السلطة السياسية التركية، فإنه من المستبعد أن تكون القوات المسلحة في تركيا قادرة على الوقوف في وجه الضغوط التي تمارسها الحكومة التركية.

أما القاعدة الثالثة للتعاون الذي كان قائماً، فهي التعاون الاستخباراتي بين الدولتين منذ أكثر من 50 عاماً. كل هذه الشبكة من العلاقات المتينة جداً بالنسبة إلى "إسرائيل" ستتأثر على نحو مباشر، بعد التأزم الشديد بين الدولتين، وستتأثر معها العلاقات الاقتصادية، حيث إنه في مجال الطاقة كان ثمة تعاون مشترك، وكانت قيمة التبادل التجاري بين الجانبين قد بلغت نحو 2.5 مليار دولار سنوياً.

وقد وثقت تركيا علاقاتها مع كل من سوريا وإيران وحركة «حماس» وعموم العالم العربي، الشعبي خصوصاً، الذي يتعاطى بإعجاب مع الموقف التركي المشبع بتأييد الفلسطينيين المحاصرين في غزة.

وتعرضت العلاقات الإسرائيلية الأوروبية لشرخ كبير، خصوصاً أن عدداً من نواب البرلمان الأوروبي كان مشاركاً في «أسطول الحرية»، وقد بادرت عدة حكومات أوروبية إلى استدعاء السفراء الإسرائيليين لديها، من أجل الاحتجاج على السلوك الإسرائيلي المنافي لكل الأعراف الدولية (إلغاء المناورات اليونانية الإسرائيلية عينة أولى على هذا التأزم).

كما أن العلاقة التركية الأميركية دخلت مرحلة حرجة، خاصة أن دعم واشنطن لتل أبيب كان على حساب الشريك التركي الذي تعرض لإهانة كبرى من الجيش الإسرائيلي، مع التذكير بأن تركيا عضو في حلف شمال الأطلسي وتسعى للدخول في السوق الأوروبية المشتركة. يضاف إلى ذلك إعادة إطلاق المباحثات الفلسطينية - الفلسطينية مجدداً، على حساب المحادثات غير المباشرة بين الحكومة الإسرائيلية والسلطة الفلسطينية.

وكذلك تحسن العلاقات على نحو كبير بين مصر وحركة «حماس»، وهو ما تجلى في إعادة فتح معبر «رفح» ولو جزئياً. وهذا التحسن ينعكس بدوره على العلاقة المصرية السورية التي تعرف تقارباً في المواقف يؤسس لمصالحة بين الركنين العربيين.

أما الانعكاسات على الصعيد اللبناني، فقد أدت المجزرة الإسرائيلية إلى تعزيز الوحدة الوطنية الداخلية، ما تجلى في مظاهرة مشتركة هي الأولى من نوعها بين 8 و14 آذار، وإلى مزيد من الارتياح في العلاقات اللبنانية - السورية التي تتقدم بخطى واسعة إلى الأمام، بحيث تنعقد قريباً الجولة الجديدة من المباحثات بين الوفدين اللبناني والسوري المكلفين إعادة النظر في العلاقات والاتفاقات بين البلدين، تطويراً لها وإقفالاً للثغرات التي كانت قائمة.

تبقى أسئلة على المستوى العام، تحتاج إلى إجابات: هل تقوم الدول المستهدفة برفع دعاوى قضائية أمام محكمة العدل الدولية ضد الممارسات الإسرائيلية؟ هل يمكن للمفاوضات غير المباشرة بين إسرائيل والسلطة أن تستمر؟ وهل يستمر معبر رفح مفتوحاً أم أن الضغوط ستقود إلى إقفاله مجدداً؟

كاتب لبناني

نقلا عن المركز الفلسطيني