مشاهدة النسخة كاملة : التعليم الأساسي: بعد اختتام السنة الدراسية .. هل نحن على أبواب التشاور ؟


ابو نسيبة
06-10-2010, 02:24 AM
التعليم الأساسي: بعد اختتام السنة الدراسية .. هل نحن على أبواب التشاور ؟

تحدث الرئيس المنتخب محمد ولد عبد العزيز أمام السكان في مهرجان بعرفات قبل أشهر عن أن التعليم في بلادنا بات في وضعية تتطلب استنفار الجميع لإيجاد حل عاجل ، وقال إن ذلك سيتم في أسابيع تشاوريه ستنظم قريبا ، ومنذ ذلك التاريخ والمهتمون بالشأن التربوي الوطني يتحدثون عن قرب بدء هذه الأسابيع ، وعن أن لجنة عليا أنشئت خصيصا لتهيئة وتنظيم هذه الأسابيع معلقين عليها كل الآمال.

واليوم وبعد اختتام السنة دون أن تتخذ الوزارتان المعنيتان خطوات معلنة في هذا الصدد ، فهل يفهم من ذلك أنه الهدوء الذي يسبق العاصفة ،و أنه حان الوقت لتوقع قريب لانطلاق الأسابيع التشاورية حول التعليم المزمعة ؟
إن موضوع التشاور حول الوضعية المزرية للتعليم في البلد أصبح أكثر إلحاحا ، بعد أن دقت أعلى سلطة في البلاد ناقوس الخطر، فالأمر لا يقل أهمية عن المواضيع التي تنفذ الحكومة الحالية ، وتشهد حراكا ملموسا هذه الأيام كتطوير الصحة ، وشق الطرق ، وتأهيل الأحياء العشوائية بنواكشوط ونواذيبو ، وروصو والطينطان، والمحاولة الجادة لحل مشكلي الكهرباء والماء في القريب العاجل ،وتحرير الفضاء السمعي البصري ، وانفتاح وسائل الإعلام العمومية على المشكلات اليومية للمواطنين.
إن إسعاد المواطنين وتحسين ظروف معيشتهم، يتوقفان أولا على ولوجهم للحاجات الأساسية التي هي التعليم والصحة والماء الصالح للشرب والكهرباء وفك العزلة.
وتحتل مرحلة التعليم الأساسي مكان الصدارة ضمن مراحل التعليم الأخرى إذ تتوقف جميعا عليها في مختلف بلدان العالم لذلك عدتها صناديق الأمم المتحدة للتنمية ، والسكان ، والطفولة هدفا رئيسيا من أهداف الألفية التي تعهدت الدول ببلوغها في أفق 2015 ومنها موريتانيا ، ولم يأت ذلك اعتباطا فكل المعوقات التنموية التي تعيشها هذه الدول ترجع في الأساس إلى انعدام التعليم الأساسي أو هشاشة مناهجه كما أن التراجع في أدائه الملحوظ في العشرين سنة الأخيرة فتح الباب أمام الأطفال للانضمام إلى فرق الغلو والتطرف ، وعصابات الجريمة المنظمة ، والإرهاب ... مما لم يكن معروفا في بلادنا.
وإذا كان الهاجس الأمني يطرح نفسه بإلحاح في بلدان إفريقيا جنوب الصحراء ، فإن بعض الخبراء يرجعون ذلك إلى جملة من الأسباب وفي طليعتها التدهور الحاصل في الأنظمة التربوية لهذه الدول ، وهو ما يدعو السلطات إلى لإسراع بتنظيم هذه الأسابيع لتحديد السياسة التربوية للبلد ،وذلك بإفساح المجال للجميع للمشاركة الجادة والبناءة في رسم منهج تربوي قادر على بناء إنسان موريتاني متشبث بقيمه ومتسلح بالمعارف والتقنيات التي يفرضها العصر.
لقد عهد سنة 2008 إلى لجنة بالتحضير لما سمي يومئذ بـ "المنتديات الكبرى للتهذيب " في عهد الرئيس السابق سيد ولد الشيخ عبد الله ولكن تلك اللجنة لم تنجز شيئا على أرض الواقع بالرغم من أن الوزيرة آن ذك حققت للتعليم الأساسي ما لم يحققه أي من الوزراء من قبل وهذا ما يثير بعض التساؤلات : هل ستكون اللجنة المرتقبة أكثر واقعية من سابقتها ؟ أم أنها ستحمل بعض مورثاتها ؟ وهل شخصت أسباب تدني المستويات ، وأزمة الثقة القائمة بين الوزارة من جهة ، والمفتشين والمكونين والمستشارين التربويين ومديري المدارس والمعلمين من جهة أخرى؟ أو اكتفت بالاستماع إلى من قادوا هذا النظام التربوي منذ سنوات وما زالوا يسيرون به إلى الهاوية التي آل إليها ؟ وما هي الطريقة التنظيمية التي ستتبنى اللجنة لجرد أهم المعوقات ؟ وهل هيأت حلولا ؟ أم أن كل ذلك سيترك لمجريات النقاش والاعتباطات والصدف خلال الأسابيع المرتقبة؟
إن من المفترض أن تكون هذه اللجنة هي الهيأة المخولة لرسم استراتيجيه محكمة لسير تنظيم الأسابيع التشاورية ، ومن المتوقع أن تكون معتمدة على شخصيات مرجعية من ذوي الخبرة والتجربة في التعليم الأساسي ، ومستفيدة من تجارب مماثلة في بلدان مشابهة على أن تترك للمشاركين من مختلف الأطياف والتوجهات والفئات الاجتماعية التوصل إلى الأهداف والغايات المرجوة من التعليم .
ومن نافلة القول أن الشخصيات المرجعية للتعليم الأساسي لن تكون إلا من ذوي الخبرة من أطره الشيء الذي كان تجاهله في السابق قد أوقع الكثير من المشاريع الإصلاحية السابقة في مأزق .
ولعل مما يعرفه الميدانيون أن من أكثر الضربات التي تلقى التعليم الأساسي وجعا في العشرية الأخيرة تغييب المفتشين والمعلمين عن تولي مراكز القرار في الإدارات المركزية والمصالح بالوزارة ، وإدارتي مدرستي تكوين المعلمين ، واستبدالهم بأساتذة من التعليم الثانوي ، الشيء الذي لا يزال قائما حتى الآن بالرغم من فصل القطاعين منذ ما يقارب السنة ، وتخصيص الرئيس المنتخب لوزارة مستقلة للتعليم الأساسي ،استجابة لمطالب أطر التعليم الأساسي منذ سنوات في أول تشكيلة وزارية للحكومة بقيادة الرئيس محمد ولد عبد العزيز .
فجميع الإدارات والمصالح الفنية الحساسة لا تزال إلى اليوم مسيرة من قبل أطر لا علاقة لهم بالتعليم الأساسي وإنما جيء بهم بعد أن تم تسييس التعليم في عهد الرئيس الأسبق معاوية ولد سيدا حمد الطايع وكانت نتيجة ذلك إحساس أطر التعليم الأساسي بالتهميش وشعورهم بالظلم مما أدى إلى خفض المعنويات ، وتدني المستويات ، وتزايد التسرب ، وتتالي فشل كل الخطط التراكمية لأنظمة الفساد المبنية على الزبونية السياسية وتزييف الأرقام للمانحين .
لقد آن الأوان لالتفاتة كريمة مباشرة من رئيس الجمهورية إلى هذا الشريان الحيوي الوحيد لتنشئة الأجيال في البلد ، وفي أسرع وقت لانطلاق الأسابيع التشاورية حتى لا يتم الافتتاح المقبل في نفس الأجواء التي جرى فيها الاختتام للسنة المنصرمة المطبوعة بالارتجالية وغياب الأنشطة وعدم وضوح الرؤية ، والميوعة ، والتنصل من المسؤوليات ،ونقص ملموس في الداء .
*بقلم : محمد باب ولد محمد يحي
مفتش تعليم أساسي

نقلا عن وكالة نواكشوط للأنباء