مشاهدة النسخة كاملة : ما بعد المجزرة الصهيونية.. محنة الحصار ومصير القضية


أبو فاطمة
06-09-2010, 01:43 AM
ما بعد المجزرة الصهيونية.. محنة الحصار ومصير القضية

عبدالمالك سالمان

فجرت جريمة "الفجر الدامي" التي ارتكبتها قوات الكوماندوز الإسرائيلية ضد دعاة السلام ونشطاء "أسطول الحرية" في عرض البحر الأبيض المتوسط، والتي أدت إلى استشهاد ما لا يقل عن 9 نشطاء، غضباً عالمياً عارماً، ووقف العالم ما بين مشاعر الصدمة والذهول إزاء هذا السلوك الإرهابي البشع من دولة تدعي أنها تمثل الديمقراطية والحضارة العالمية وسط محيط من التخلف العربي والإسلامي.

ليست هناك مفاجأة في معرفة حقيقة "إسرائيل" ككيان عدواني قام على الإرهاب والحروب والجرائم، لكن المشكلة كانت دائماً أن هذه الحقيقة ظلت غائبة أو مشوهة في عيون الغرب الاستعماري أو بالتحديد في عيون الرأي العام الغربي الذي يتعرض ليل نهار إلى موجات دعاية كاذبة ومضللة تصور "إسرائيل" على أنها "الحمل الوديع"، والكيان المسالم الحضاري الذي يتعرض للتهديد والعداء من الجوار المحيط به، وأن كل ما تفعله "إسرائيل" هو الدفاع الشرعي عن النفس ضد الوحوش الضارية التي تستهدف وجودها.

وفي ضوء ذلك يتم دوماً التغاضي عن الجرائم الإسرائيلية بفعل التواطؤ الغربي الاستعماري معها وتفلت "إسرائيل" دوماً من أي عقاب رغم احتلالها المديد للأراضي العربية وإنكارها الطويل للحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني.

إن جريمة العدوان الإرهابي الوحشي على "أسطول الحرية" تشكل نقطة تحول فاصلة في مسار الصراع مع "إسرائيل" ويبقى التساؤل حول مدى إمكانية استثمار لحظة الغليان الدولي العارم ضد "إسرائيل"، والتي تمثلت في خروج عشرات المظاهرات التلقائية في عواصم ومدن العالم شرقاً وغرباً للتعبير عن غضبها وإدانتها للسلوك الهمجي الإسرائيلي ضد نشطاء مسالمين كان هدفهم وضع حد لحالة "القتل البطيء" لأهالي غزة تحت الحصار الجائر الذي تفرضه "إسرائيل" ضد سكان قطاع غزة منذ أكثر من 3 سنوات بتواطؤ دولي متواصل.

ولعل من المهم استشراف الموقف الناجم عن المجزرة الصهيونية ضد "أسطول الحرية" والتداعيات المحتملة لذلك على مصير القضية الفلسطينية عبر الملاحظات التالية:

أولاً: لقد أدت الجريمة المروعة ضد "أسطول الحرية" إلى تحريك الضمائر العالمية ولفت الأنظار إلى بشاعة جريمة الحصار الإسرائيلي ضد قطاع غزة، وفرضت بطريقة لافتة ضرورة وضع نهاية لمأساة الشعب الفلسطيني، فلولا غياب حل منصف لهذه القضية، والفشل المتمادي لعملية السلام، والإخفاق المتواصل للمفاوضات الفلسطينية - الإسرائيلية لما وصل الأمر إلى الوضع البائس الراهن الذي ترفض فيه "إسرائيل" إنهاء الاحتلال وتقاتل بكل السبل للحيلولة دون قيام دولة فلسطينية مستقلة. من المتصور أن يستثمر العرب حالة الغضب العالمي ووضع "إسرائيل" في "قفص الاتهام" بعد الجريمة البشعة ضد "أسطول الحرية"، لقيادة تحرك دبلوماسي وسياسي ضاغط باتجاه وضع نهاية لمأساة الحصار على غزة، ووضع العالم أمام مسئولية إنهاء الاحتلال الإسرائيلي وفتح الباب لإقامة دولة فلسطينية، باعتبار ذلك بداية الطريق لوضع نهاية لهذه المأساة الإنسانية والسياسية التي امتدت أكثر من 6 عقود. لقد أقدم الرئيس المصري حسني مبارك على خطوة بناءة بفتح معبر رفح لتخفيف وطأة الحصار على أهالي غزة، لكن ذلك يجب أن يقترن بتحرك جماعي عربي ليصبح رفع الحصار قراراً دولياً يصدر عن مجلس الأمن وسياسة عالمية بعد أن أدى هذا الحصار الجائر إلى جريمة مروعة في عرض البحر المتوسط، وجريمة مأساوية متمثلة في محنة أهالي غزة داخل القطاع على نحو وصفته تقارير دولية متعددة بأن جريمة إبادة إنسانية.

وفي هذا السياق، فلابد من العمل على تكذيب وفضح الدعايات الإسرائيلية التي كانت تزعم أنها تسمح بوصول ما يكفي من مؤن غذائية وطبية إلى داخل قطاع غزة، فقد أكدت تقارير منظمات الأمم المتحدة في أكثر من مناسبة أن ما تسمح "إسرائيل" بمروره عبر منافذ العبور من أغذية وأدوية لا يكفي لتغطية ربع احتياجات سكان غزة، الأمر الذي يؤكد أن أهالي غزة يعيشون تحت وطأة سياسة تجويع دائمة وموت بطيء، وهذا الأمر هو ما يدعو إلى ضرورة التحرك عربياً ودولياً لوضع نهاية لمأساة حصار غزة.

ثانيا: إن من المهم أن يتواصل العمل السياسي والإعلامي لتعزيز ما تحقق من نتائج تضامن مع قضية الشعب الفلسطيني، الذي تقوده منظمات المجتمع المدني والمنظمات الأهلية وحركات السلام في الدول الغربية بالذات، فاتساع حركة التضامن الشعبي مع قضية الشعب الفلسطيني وإعادة اكتشاف حقيقة الطبيعة العدوانية ل"إسرائيل"، في ضوء مجزرة "أسطول الحرية" تشكل المكسب الحقيقي للقضية الفلسطينية في كل ما جرى من أحداث مروعة حتى الآن بشأن مسيرة "أسطول الحرية". ولعل ذلك ما عبر عنه الدكتور مصطفى البرغوثي الأمين العام لحركة المبادرة الوطنية الفلسطينية حيث أشار إلى: "أننا نشهد الآن لحظة انعطاف تاريخي سيكون له الأثر على المستوى الدولي، وتعاظم حركة المقاطعة وفرض العقوبات الدولية على "إسرائيل" بعد جريمتها بحق (أسطول الحرية)".

وأشار البرغوثي "إلى أنه بعد هذه الجريمة أصبح هناك تعاظم في حركة التضامن الدولية مع شعبنا، وفرض عقوبات على "إسرائيل" بالتوازي مع تعاظم المقاومة الشعبية وهذا ما شهدته مختلف العواصم الدولية التي تظاهر فيها الآلاف للتنديد بالجريمة في أوروبا وأميركا اللاتينية وشرق آسيا التي توحدت وراء هدف واحد لن ينساه العالم". وفي هذا السياق، فقد كان من أخطاء العرب السياسية أنهم لم يعملوا أبداً على صعيد الجبهات الداخلية في الدول الغربية بالذات للتأثير سياسياً وإعلامياً على مستوى الوعي السياسي بحقيقة القضية الفلسطينية وظلت هذه المجتمعات نهباً للدعاية الصهيونية والخداع الإسرائيلي فلم يستطع العرب التأثير بقوة على سياسات الحكومات الغربية. فلقد ظل التعامل العربي يقتصر فقط على التعامل الرسمي مع الحكومات الغربية، وهناك شكوك فيما إذا كانت القيادات العربية تواجه الساسة الغربيين في أوروبا وأميركا بضرورة الإسراع بالتوصل إلى حل عادل للقضية الفلسطينية. وقبل سنوات، خرج رئيس أميركي في مذكراته بمفاجأة سياسية ليقول إنه طوال سنوات حكمه لم يطالبه زعيم عربي بضرورة إقامة دولة فلسطينية، وكانت هذه مفاجأة لكثير من المراقبين، لأن المواقف الإعلامية التي تصوغها العواصم العربية وتوجهها للرأي العام العربي كانت تصوغها بطريقة توحي بأنها تمارس ضغوطاً على العواصم الغربية للعمل باتجاه إقامة دولة فلسطينية. وهنا يتضح لنا، الفارق بين الخطاب السياسي والإعلامي العربي للاستهلاك المحلي، وبين تبني استراتيجيات سياسية وإعلامية حقيقية للتأثير في الرأي العام الغربي المؤثر على مصير القضية الفلسطينية، ولم ينقص العرب أبداً المال والإمكانيات للقيام بذلك، لكنهم لم يعتمدوا أبدا مثل هذه الاستراتيجية المطلوبة لتحويل الرأي العام العالمي والغربي بالذات باتجاه كشف حقيقة "إسرائيل"، وتبيان أهمية الحاجة لحل القضية الفلسطينية وإنصاف الشعب الفلسطيني.

يحدث هذا على النقيض تماماً مع السياسات والاستراتيجيات التي اتبعتها "إسرائيل" دائماً منذ نشأتها، والتي قامت على الاستفراد بالرأي العام الأوروبي والأميركي، وبث الأكاذيب في الصحافة وأجهزة الإعلام والتلفزيونات والدوائر الأكاديمية للتعاطف مع "إسرائيل" والعمل على دعمها. وقد استثمرت اللوبيات الصهيونية في سبيل ذلك أموالاً طائلة، ولكنها حصلت دائماً على النتائج المطلوبة وهي الاستحواذ على الرأي العام الأوروبي والأميركي وغياب أي رأي عام مضاد ل"إسرائيل" وبالتالي عدم وجود ضغوط على الحكومات الأميركية والأوروبية لاتخاذ مواقف حادة من "إسرائيل". وعلى العكس من ذلك يتم صياغة السياسات الأوروبية والأميركية من منظور الدفاع عن أمن "إسرائيل"، واتهام الأطراف العربية والفلسطينية بالإرهاب، وتقليص التعاطف مع القضية الفلسطينية، فضلاً عن تصوير جرائم "إسرائيل" سواء في الحروب أو حصار غزة أو في العدوان الإرهابي على "أسطول الحرية" بأنه كان عملاً لازماً لحماية أمن "إسرائيل" والتصدي للإرهاب.

إن ردود الفعل الغاضبة ضد "إسرائيل" بسبب جريمتها ضد "أسطول الحرية" إنما جاءت بتأثير من ثورة الاتصالات والانترنت والبث التلفزيوني عبر الأقمار الصناعية، والتي كشفت للكثيرين عبر العالم مدى همجية "إسرائيل"، وعدم تورعها عن ارتكاب أبشع الجرائم حتى ضد نشطاء مسالمين. والحقيقة، أن "إسرائيل" لم تكن لتقدم على ذلك لولا إحساسها الدائم بالحماية الأميركية والغربية لجرائمها والحيلولة دون إنزال العقوبات بحقها. وهو ما تأكد من جديد عبر البيان الهزيل الذي أصدره مجلس الأمن الدولي، والذي فشل في إدانة العدوان الإسرائيلي من ناحية وحال دون صدور قرار ملزم بإجراء تحقيق دولي نزيه يرتب تطبيق عقوبات ضد إسرائيل التي مارست إرهابها ضد "أسطول الحرية" في قلب المياه الدولية. إن ما حدث في العدوان على "أسطول الحرية"، هو فرصة أخرى متاحة لقلب الطاولة على "إسرائيل" في الإطار العالمي، ولكن السؤال المطروح هو: هل العرب جادون في استثمار مثل هذه الأحداث لممارسة ضغوط عبر المصالح الاقتصادية والسياسية، لإجبار أميركا والغرب على أتباع سياسة تنصف الشعب الفلسطيني، أم إن ما حدث في جريمة "أسطول الحرية"، سيتحول بعد قليل إلى فرصة مهدرة جديدة أضاعها العرب في مسلسل الفرص الضائعة بسبب الأداء السياسي والدبلوماسي الهزيل تجاه التعامل مع تحديات الصراع العربي - الصهيوني؟

ثالثاً: رغم الحزن العميق والغضب العارم ومشاعر الألم تجاه شهداء "أسطول الحرية"، فإن الأرواح الطاهرة لهؤلاء الأبرياء، قد تمهد لإنقاذ هذه المنطقة من جحيم حرب مروعة كانت "إسرائيل" كما هو واضح من سلسلة مناوراتها المتواصلة منذ بداية عام 2010م تخطط لشنها ضد سوريا ولبنان وربما ضد قطاع غزة مجدداً، فقد أسهمت المجزرة المروعة في حدوث انقلاب عالمي تجاه "إسرائيل" وهناك غضب عارم وحرج كبير تجاه جريمتها في العواصم الغربية بالذات، وما نقصده بالانقلاب العالمي يتركز بالأساس في أوساط الرأي العام العالمي الذي جسدته سلسلة المظاهرات العارمة المنددة ب"إسرائيل" والتي أشرنا إليها سابقاً. وما نرمي إليه هنا، هو الإشارة إلى أنه سيكون من الصعب على "إسرائيل" اتخاذ قرار بشن الحرب في وقت تشهد فيه الساحة العالمية تزايد مشاعر الكراهية والغضب تجاه "إسرائيل"، وفي وقت بدأت تظهر فيه داخل "إسرائيل" مشاعر قلق سواء في الأوساط السياسية أو الإعلامية والصحفية من تزايد موجة الغضب العالمي تجاه "إسرائيل" وتصويرها بصورة الدولة المعادية للسلام والمنتهكة لقواعد القانون الدولي، وخاصة القانون الدولي الإنساني وهو ما تؤكده المشاهد المروعة للحصار الجائر في غزة.

وقد بدأت بعض الأقلام الإسرائيلية تتحدث عن اهتزاز الثقة في الجيش الإسرائيلي بعد فضيحة الهجوم على "أسطول الحرية" والفشل الواضح في تنفيذ الهجوم وغياب الكفاءة والقدرة في السيطرة على سفينة لا تحمل إلا نشطاء عزل مثل سفينة "مافي مرمرة" التركية، حتى أن أصواتاً كثيرة طالبت باستقالة إيهود باراك وزير الدفاع الإسرائيلي وتحميله مسئولية الفشل. كما أن تكرار فشل الجيش الإسرائيلي في تحقيق أهدافه خلال ثلاث مواجهات متوالية، سواء في الحرب ضد "حزب الله" عام 2006م، والحرب ضد قطاع غزة 2009م، ثم أخيراً في مواجهة "سفن الحرية" المسالمة، يجعل الكثيرين يتخوفون من أن تقود أي حرب إسرائيلية جديدة إلى كارثة أكبر خاصة إذا اتسمت بالتخبط والعشوائية وفقدان القدرة على تحقيق النتائج المطلوبة خلال وقت قصير. ولذلك، فربما تقود جريمة الهجوم الهمجي ضد "أسطول الحرية" إلى نتائج غير متوقعة سياسياً واستراتيجياً مثل زيادة الضغوط الدولية لرفع الحصار عن غزة، والعمل على تسوية القضية الفلسطينية من ناحية، والسعي لإحلال السلام باستثمار المبادرة العربية للسلام التي تعرض سلاماً شاملاً مقابل الانسحاب الشامل من ناحية أخرى. وقد تقود في الاتجاه المقابل إلى إحباط وإجهاض المخططات الصهيونية لشن حرب جديدة في المنطقة خوفاً من تصاعد موجات الغضب والكراهية تجاه "إسرائيل" في الإطار الدولي.

إن الأهمية السياسية والتاريخية لما حدث لـ"أسطول الحرية" هي أنها وضعت مصير خطط السلام والتسوية في المنطقة في مفترق طرق حقيقي، وكشفت الموقف الإسرائيلي على نطاق غير مسبوق، فإما أن "إسرائيل" ترغب في السلام وهنا لابد من الخضوع لمتطلبات الحد الأدنى من السلام العادل، والاعتراف بحقوق الشعب الفلسطيني، وإما أن "إسرائيل" كما كانت سياساتها دائماً على مدى أكثر من 6 عقود لا ترغب في السلام أو في رؤية دولة فلسطينية على حدودها، وبالتالي ستندفع إلى مغامرة عسكرية جديدة قد تنتهي بكارثة سياسية واستراتيجية لمصير "إسرائيل" ذاتها، بعد أن أصبحت نتائج أي حرب غير مضمونة عسكرياً وسياسياً وإعلامياً كما كانت تتصور "إسرائيل" في الماضي.

رابعاً: لابد من الانتباه إلى النتائج المهمة التي أسفرت عنها مجزرة "أسطول الحرية" بشأن زيادة مشاعر الغضب لدى الشعب التركي، والتي جعلته يعيد اكتشاف نفسه وانتماءه الإسلامي والتزامه المبدئي والأخلاقي تجاه القضية الفلسطينية ومصير القدس، وتناغم القيادة التركية ممثلة في رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان مع مشاعر شعبه وتنديده الشجاع والمتواصل بجرائم "إسرائيل" منذ العدوان على غزة في عام 2009م. فقد وصف العدوان الإسرائيلي على "أسطول الحرية" بأنه "إرهاب دولة" مطالباً برفع الحصار عن غزة، ومفنداً الأكاذيب والدعاوى الإسرائيلية بشأن الهجوم قائلاً: إنهم يقولون إن المدنيين الذين كانوا على ظهر سفينة "مافي مرمرة" التركية أطلقوا النار على القوات الإسرائيلية المهاجمة، وأقول لهم: "لقد سئمنا أكاذيبكم كفى كذباً وكونوا مرة صادقين". لقد كان أكثر ضحايا وشهداء جريمة الاعتداء على "أسطول الحرية" من الأتراك، وهو ما فجر مظاهرات عارمة في المدن التركية وقد تعهد أردوغان بأن تركيا لن تتنازل عن حقها وستعمل على الحصول عليه بكل الطرق والوسائل القانونية والدبلوماسية التي يكفلها القانون الدولي. إن المهم هنا هو رصد تأثير تحولات الموقف التركي تجاه "إسرائيل"، فقد يكون لموقف تركيا دور حاسم بشأن تحديد مصير القضية الفلسطينية، فعلينا أن نتذكر أن "إسرائيل" استفادت من غياب تركيا عن دعم القضية الفلسطينية منذ نشأة "إسرائيل" حيث سارعت تركيا للاعتراف ب"إسرائيل" وكانت أول دولة إسلامية تقوم بذلك وتعمل على إقامة علاقات دبلوماسية مع "إسرائيل" منذ الخمسينيات، وكان ذلك في ظل توجهات تركيا العلمانية الأتاتوركية نحو الغرب ومحاولة أن تكون جزءاً منه وانضمامها إلى حلف الأطلسي الغربي في إطار الحرب الباردة ضد المعسكر الاشتراكي بزعامة الاتحاد السوفيتي. الآن، يشعر الأتراك بمشاعر تتسم بالمرارة والألم إن لم تكن الإهانة بسبب رفض الاتحاد الأوروبي انضمام تركيا إليه بعد أكثر من 50 عاماً من التحالف مع أوروبا والغرب. وفي ضوء ذلك، بدأ الأتراك يعاودون اكتشاف هويتهم وانتماءهم الإسلامي، وتزايد اهتمامهم بالقضية الفلسطينية، علماً بأن اسطنبول ظلت مقر الخلافة الإسلامية زهاء خمسة قرون حتى عام 1924، عندما أعلن أتاتورك نهاية دولة الخلافة الإسلامية. وفي هذا السياق، فإن تعاظم الدور التركي في الاهتمام بالقضية الفلسطينية ربما يشكل منعطفاً مهماً في المستقبل في تحديد مصير هذه القضية. فلا ننسى أن سياسات الخليفة العثماني السلطان عبدالحميد الثاني كانت بمثابة الدرع الواقية لحماية فلسطين في عهده من المشروعات الصهيونية، وقد رفض إقامة دولة يهودية على أرض فلسطين مقابل سداد ديون الدولة العثمانية وهو العرض الذي قدمه له تيودور هرتزل الأب الروحي لمشروع "الدولة اليهودية". ثم حدثت بعد ذلك المؤامرة الغربية لإسقاط السلطان عبدالحميد الثاني وإنهاء دولة الخلافة الإسلامية في نهاية الحرب العالمية الأولى، مما مهد السبيل لوضع فلسطين تحت الانتداب البريطاني والاتجاه لتنفيذ وعد بلفور الذي صدر عام 1917م، بإقامة الدولة الصهيونية في فلسطين بعد ذلك. من هنا، فإن عودة تركيا للاهتمام بالقضية الفلسطينية وما تمثله من قوة عسكرية إقليمية وجيش كبير، والإصرار الإسرائيلي على تحدي الإرادة التركية واستفزاز مشاعر الشعب التركي، وفي ضوء تطور العلاقات السورية - التركية في السنوات الأخيرة، كلها أمور ليست في صالح الحسابات الإسرائيلية، وقد تشكل منعطفاً حاسماً باكتساب القضية الفلسطينية دعماً من قوة إسلامية كبرى تحظى بالترحيب في الإطار العربي، وقد يكون للانعطافة التركية تجاه القضية الفلسطينية نتائجها المؤثرة على آفاق الصراع العربي - الصهيوني في السنوات القادمة لاسيما إذا استمر حكم حزب العدالة والتنمية في تركيا مع استمرار تمتعه بالدعم الشعبي وفوزه بالأغلبية البرلمانية. إن القضية الفلسطينية مقبلة على تطورات حاسمة، ونأمل أن يحسن العرب قراءة المشهد الدولي والتحرك بفاعلية لاستثمار الأجواء الجديدة بما يمكن العرب من استعادة حقوقهم ودفع العالم لإجبار "إسرائيل" على قبول سلام متوازن يكفل للشعب الفلسطيني إقامة دولته المستقلة الموعودة.

كاتب وباحث في الشؤون السياسية العربية

نقلا عن المركز الفلسطيني