مشاهدة النسخة كاملة : إنهم يُحاصرون حصارهم


أبو فاطمة
06-08-2010, 06:41 PM
أفق آخر
إنهم يُحاصرون حصارهم
خيري منصور
لكي لا يبقى الحصار سواء تعلق بغزة الآن أو بأي بلد عربي مدرج على هذه القائمة تجريدياً ومصطلحاً تتداوله الميديا بمعزل عن مضمونه يجب عدم التوقف عن تقديم عينات من محاصيله، ومنها الأطفال الذين يموتون بالجملة لنقص الدواء والغِذاء، والأوبئة التي تتسبب بها المياه الملوثة، والمرافق الصحية الموبوءة والأشبه بحاضنات لنقل العدوى، إضافة إلى ما لحق بالتعليم والبنية التحتية من أضرار قد يتعذر إصلاحها في المدى المنظور .
الحصار ليس فعلاً مبنياً للمجهول، وليس مجرد حالة تثير الحماس ضد استمرارها لأنها مضادة للإنسان ومتطلباته، إنه واقع يومي تتفاقم فيه كل مُبيدات الحياة والأحياء، وقد لا تكون نتائجه كلها قد اتضحت الآن، فالأعوام وربما العقود القادمة ستكون مجالاً حيوياً بامتياز لتمدد تلك النتائج الكارثية بحيث تشمل المستقبل والأجيال التي لم تولد بعد .

والإركان إلى الحواسيب مهما بلغ ذكاؤها لإحصاء ما ينتجه الحصار الشامل من كوارث ليس كافياً، فهي لا تحصي إلا المرئي والمحسوس لكن ما يترتب على الحصار من آثار بعيدة المدى قد يكون الأهم، خصوصاً إذا فرض على المحاصرين أن يتأقلموا مع حصارهم .

وقد مرّت فترة شهدت من أطروحات التَّيئيس ما يكفي لأن يفقد الناس الرجاء في تجاوز الشروط التي تخنقهم، والفضل يعود إلى هؤلاء الناشطين وأساطيلهم وإصرارهم على زحزحة الباب الموصد، فلولا هم لما كان للأجراس المنذرة والمحذرة من نتائج الحصار كل هذا الرنين، ولما اضطر أحد أكبر المسؤولين في الأمن القومي الأمريكي إلى الدعوة من أجل تخفيف الحصار وليس كسره جذرياً، وهذه بحد ذاتها خطوة أمريكية رسمية غير مسبوقة، لأن الولايات المتحدة لا تتطوع بتغيير المواقف أو تلينيها من تلقاء نفسها .

يحتاج العالم إلى إيضاحات يومية تقدمها الميديا الراشدة والمحررة من التبعية السياسية عن تفاصيل الحصار، بدءاً من روضات الأطفال والمستشفيات حتى المرافق الصحية والتعليمية، فالحصار ليس مصطلحاً غير قابل للتفكيك أو ورقة من فئة الألف دولار كما كان ارنست همنجواي يقول ساخراً من الذين تجتذبهم العناوين الكبرى، وأول ما يتطلبه تفكيك هذه الورقة إلى سِنتات هو الذهاب بعيداً وعميقاً في النسيج الاجتماعي للمحاصرين، وإذا كان القطاع الآن هو النموذج فإن ما يعج به من الكوارث يكفي لإعلانه منطقة منكوبة على نحو مزدوج .

إن ما يتعرض له مصطلح الحصار الآن من تجريد وتعويم سبق أن تعرض له مصطلح الاحتلال بحيث يتم عزل المقدمات عن النتائج .

ويبدأ العد من الألف أو المليون وليس من الصفر وأول السطر، وقد أوشك عزل الاستيطان عن الاحتلال أن يحوله إلى مشكلة إجرائية تقبل التجميد المؤقت أو التوسع بذريعة النمو الديمغرافي، وإذا بقيت كلمة حصار تستخدم في سياقات تجريدية وعامة فهي مهددة بأن تفقد المضمون .

لهذا يجب اقترانها في كل ما ترد فيه من معالجات بالتفاصيل والكوارث كما هي في الواقع وليس في الحِبْر أو عبر الأثير .

نقلا عن دار الخليج