مشاهدة النسخة كاملة : دولة الجنون


أبو فاطمة
06-07-2010, 09:58 AM
دولة الجنون
عبد الاله بلقزيز

من يراقب وقائع القرصنة الإرهابية الصهيونية في عرض مياه المتوسط، بعيداً عن المياه الإقليمية لفلسطين المحتلة، وما أسفر عنها من قتل مدنيين عزل وجرح آخرين وسوق الأكثر رهائن، وتحدي دولهم وشعوبهم جميعاً، سيذهب إلى القطع بأن “إسرائيل” أصيبت بمس من الجنون، وفقدت القدرة على التصرف في مجال السياسة الدولية كما يتصرف الأسوياء .

الاعتقاد صحيح من غير شك، فليس أكثر جنوناً من أن تقدم دولة على ممارسة القرصنة البحرية في المياه الدولية على نحو ما تفعل عصابات القراصنة منتهكة ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي . وليس أكثر جنوناً من أن تعترض سفناً تحمل مساعدات إنسانية إلى شعب محاصر بغير حق، وتحمل أعلام دول، بعضها يقيم علاقات دبلوماسية مع الدولة القرصان، وتحمل عشرات بل مئات المتضامنين الأوروبيين، ناهيك بشخصيات نيابية وسياسية ومثقفين ونشطاء في مؤسسات اجتماعية مدنية، ورجال صحافة وإعلام وطواقم تصوير، وأطباء .

وهل من الجنون ما يفوق العدوان على المتضامنين بالسلاح وقتل من قتلته منهم وإصابة من أصابه مكروه بدنيّ بسلاحها الإرهابي واعتقال ما يقل قليلاً عن الخمسمائة ناشط متضامن، من دون أن تقيم اعتباراً لأي مبدأ أو قانون، ومن دون أن تأبه لمشاعر الشعوب التي ينتمي إليها المتضامنون أولاً ولا لمشاعر البشرية المتحضرة؟

ثم هل من الجنون ما يزيد حداً على تبرير فعل القتل الجبان لمدنيين عزل، لا يحملون معهم سوى مشاعر الحب والتضامن في صدورهم والدواء والغذاء للمحاصرين في غزة، بدعوى “دفاع “إسرائيل” عن النفس”، إلا أن يكون الفك الرمزي للحصار تهديداً لوجود “إسرائيل”، وحصول رضيع فلسطيني على الحليب مساً خطيراً ب “أمنها القومي”، وبسمة طفلة صغيرة لعنة على “بني إسرائيل”؟

ليس من جنون أعلى مرتبة من ذلك سوى وجود هذا الكيان نفسه، فلقد كان جنوناً في التاريخ الإنساني المعاصر لا يوصف . كان من الجنون الهجرة غير الشرعية لمواطنين يهود أمريكيين وأوروبيين وروس إلى أرض شعب هو الشعب الفلسطيني، وتوفير التسهيلات لها من الدولة المحتلة لفلسطين (بريطانيا) . وكان من الجنون التسويغ القانوني الدولي لاستيطان اليهودي الأجنبي في فلسطين من طريق إقرار حق اليهود في دولة على أرض فلسطين، وتقسيم هذه الأرض لتمكينهم من إقامة الدولة عليها . وكان من الجنون اغتصاب العصابات الصهيونية للأرض وتشريدها للشعب الأصلي وتبديده في الآفاق . وكان من الجنون شريعة القوة التي أقامت عليها سلطانها ومارستها ضد شعب فلسطين وسائر الشعوب العربية المتاخمة لفلسطين . وكان من الجنون منزعها العنصري تجاه “الغوييم” (الآخر) ورسوخ فكرة تفوقها على البشر أجمعين .

في هذا الكيان المصطنع من عدم محض، ومن الخرافة، يتجسد الجنون تجسيداً مطلقاً مثلما يتجسد الشر تجسيداً مطلقاً، لذلك ما كان غريباً على سيرة هذا الكيان القتل الجماعي بدم بارد، ونشر الخراب والدمار في الأرض، واعتناق الإرهاب والحرب عقيدة جماعية يتنافس الجميع فيه على تمثيلها والتعبير الأمين عنها . ومثل أي مجنون وشرير يمارس جنونه وشره بادعاء الدفاع عن النفس، تفعل ““إسرائيل” ذلك، وهي قد تقتل لمجرد خشيتها من أن يكون المقتول مشروع متظاهر ضدها في شارع ما من مدينة ما من العالم . من ليس معها، فهو ضدها . بل هي ضد العالم كله، حتى من يحدب عليها من الغربيين ويخشى على صورتها من عنفها إنما هو في حكم خصومها . حقيقة تعرفها شعوبنا العربية وأولها شعب فلسطين الذي نزل عليه جنونها وشرها منذ نيف وستين عاماً وما توقفت وقائعهما المنهمرة عليه حتى اليوم . وهو حين كان يدافع عن وجوده وأرضه ومقدساته، بالسلاح أو بالحجارة أو بالتظاهر، كان في العالم من يتبرع على الكيان الصهيوني بمشاعر الحرص على البقاء والأمن .

تستر رعاة “إسرائيل” على “إسرائيل” طويلاً، حملوا أوزارها وعرّضوا صدقيتهم وأخلاقهم للانفضاح، وتحمّلوا عبء الشعور بالمشاركة في سفك الدم الفلسطيني والعربي، لكن “إسرائيلهم” تخذلهم اليوم جميعاً في عرض البحر الأبيض المتوسط، تستهتر بقانونهم الدولي وحرمة أعلامهم ودولهم، وتقتل من أبنائهم من شاءت قتله، وتجرح من أخطأ رصاصها رأسه أو قلبه، وتسوق المئات من دعاة السلام من جنسيات مختلفة إلى سجونها في فلسطين المحتلة، ولا تكلف نفسها حتى الاعتذار لأصدقائها . فضحت نفسها وفضحتهم، وعليهم منذ الآن أن يدركوا أي عبء هي عليهم وعلى سمعتهم وأمن مواطنيهم، إن كان للكرامة من معنى في السياسة الدولية . ومن يحالف المجنون، يصبه من جنونه الكثير .

نقلا عن دار الخليج