مشاهدة النسخة كاملة : إسرائيل" في مواجهة العالم وموصومة بالعنصرية


أبو فاطمة
06-07-2010, 03:09 AM
إسرائيل" في مواجهة العالم وموصومة بالعنصرية

بلال الحسن


لم يستطع «أسطول الحرية» الوصول إلى غزة لرفع الحصار عنها بصورة عملية، ولكنه نجح نجاحاً كبيراً في تحريك العالم كله ضد حصار "إسرائيل" لغزة. كل عواصم العالم، الكبيرة منها والصغيرة، أصبحت تطالب "إسرائيل" برفع الحصار. حتى أصدقاء "إسرائيل" في أميركا وأوروبا اضطروا إلى صياغة موقفهم، فقالوا: يجب رفع الحصار عن قطاع غزة إنما من دون تهديد أمن "إسرائيل". وحتى أمين عام الأمم المتحدة، الذي تشارك «مؤسسته» في عضوية اللجنة الرباعية الدولية، التي تصر على استمرار حصار غزة، إلى أن تقبل حركة حماس شروط اللجنة الرباعية (أولها الاعتراف بإسرائيل)، وقف قبل أيام ليطالب العالم رسمياً، وباسم الأمم المتحدة، برفع الحصار الظالم عن غزة كما قال. أما مصر، صاحبة القرار بفتح معبر رفح، فقد أقدمت على فتح المعبر إلى أجل غير محدد، وإن كانت قد حصرت فتح المعبر بالعبور وبالحالات الإنسانية، ولكن دلالة القرار كانت واضحة جداً.

وحدها "إسرائيل" وقفت أمام العالم كله تقول: لا، وهو موقف لا تحسد عليه، وعناد يدفع إلى الشفقة لا إلى أخذ الموقف على محمل الجد. إنه عناد المأزوم الذي لا بد أن ينتهي. تقول "إسرائيل" إنها تحاصر غزة دفاعاً عن أمنها، ولأن «الإرهابيين» هم الذين يحكمون غزة بدعم من إيران، بينما يرتفع صوت العالم ليدين العملية البحرية الإسرائيلية ويصفها بأنها إرهاب دولة، وبأنها إرهاب فوق المياه الدولية.

وبحسب هذا الوضع يكون أسطول الحرية قد تمكن من تحقيق هدفه، إذ أصبح موضوع رفع الحصار عن غزة موضوعاً على رأس جدول الأعمال في المؤسسات الدولية كلها، وتكون "إسرائيل" قد خسرت المعركة بدوي هائل لم تواجه مثله من قبل.

وهذا الذي يحدث الآن، يأتي تتويجاً لتغيرات بدأت تتفاعل منذ سنوات، وتصاعدت من دون أن تعيرها "إسرائيل" أدنى اهتمام:

التغير الأول: جاء من داخل أوروبا، حيث تظاهرت حركاتها الشعبية والمدنية، ضد موقف حكوماتها، وعبرت عن إدانة لحرب "إسرائيل" ضد غزة، ووجهت إليها اتهامات جرائم الحرب، وقتل المدنيين، واستعمال أسلحة محرمة. وكانت قد سبقت ذلك تحركات الأكاديميين الأوروبيين، وخاصة الأكاديميين البريطانيين، وبقيادات يهودية، تطالب بوقف التعاون الأكاديمي مع "إسرائيل" بسبب سياساتها العنصرية ضد الفلسطينيين. ووصل الأمر في أوروبا إلى حد إصدار عشرات المفكرين والمثقفين اليهود بيانات ضد سياسة حكومة "إسرائيل"، ومن قبل شخصيات عرفت بدفاعها المستميت عن "إسرائيل" على امتداد سنوات طويلة ماضية. إن هذا التغير في المزاج الشعبي الأوروبي، الذي تجاهلته "إسرائيل" بصفاقة، لم يحدث منذ عام 1948، حيث كان المزاج الأوروبي على العكس، مؤيداً بالمطلق ل"إسرائيل".

التغير الثاني: جاء من داخل "إسرائيل"، حيث أعلنت "إسرائيل" رسمياً، ومنذ مؤتمر هرتسليا عام 2000، أنها تتطلع إلى ممارسة سياسة الترانسفير ضد فلسطينيي 1948، ثم ما لبثت أن رفعت، وبتشجيع واعتراف أميركي من الرئيس السابق جورج بوش، شعار «يهودية» دولة إسرائيل، وتمت ترجمة هذا الشعار أخيراً بخطوات متلاحقة ضد الفلسطينيين عامة: حصار في غزة، وإبعاد للمواطنين من وطنهم في الضفة الغربية، وتدبيج اتهامات ضد القيادات الشعبية في أراضي 1948، وتوجيه تهم التجسس والخيانة لهم، من أجل زجهم في السجون، ومن أجل ضرب حالة النهوض الشعبي الفلسطيني التي بدأت ترفع أخيراً شعارات: وحدة الشعب الفلسطيني، والانتماء إلى الأمة العربية. ودخلت هذه الحرب ضد القيادات (من الشيخ رائد صلاح إلى الدكتور عمر سعيد وأمير مخول، وقبلهم عزمي بشارة) في مسار مضحك، فحين تلتقي مع لبناني في أي مؤتمر مثلاً فأنت عميل لحزب الله. وحين تلتقي مع عربي فأنت تتصل بالعدو. وحين يحتاج الأمر إلى دليل مادي يقال إن فلاناً كان يسأل عن عنوان مسكن رئيس المخابرات. لقد لفتت هذه المواقف الإسرائيلية أنظار الجميع في العالم، ولم يروا فيها إلا سياسة عنصرية متعمدة، ولم تقابل من جانبهم إلا بالرفض والاستنكار.

ولكن الأمر لم يقف عند هذا الحد، إذ بادرت القوى السياسية الإسرائيلية المتنفذة الآن، إلى تقديم سلسلة من مشاريع القوانين إلى الكنيست، لا يمكن وصفها إلا بالعنصرية والفاشية، فهي تشرع لاتهام أي شخص، عربياً كان أو يهودياً، بالخيانة لأنه يعمل ضد سياسة الحكومة. وقد أثار هذا الوضع معركة سياسية إسرائيلية داخلية، وارتفعت الأصوات التي تقول بأن "إسرائيل" قد دخلت في مرحلة الفاشية. ولا شك بأن هذا الوضع قد أثار مخاوف الغربيين المؤيدين ل"إسرائيل"، ولعب دوره في تعميق تحركهم.

التغير الثالث: جاء من الولايات المتحدة الأميركية، فنشأت حالة من البرود الشديد بين الرئيس الأميركي أوباما ورئيس وزراء "إسرائيل" نتنياهو. لقد عارض نتنياهو سياسة أوباما التي تريد أن تعطي الأولوية لتسوية سياسية مع السلطة الفلسطينية، من أجل تقوية المواجهة الأميركية لإيران، بينما أراد نتنياهو أن يطوع السياسة الأميركية، سياسة الدولة العظمى الحامية ل"إسرائيل"، لحساب رؤيته التي ترى ضرورة مواجهة إيران أولاً، ومن دون أي اعتبار لقضية التسوية وتأثيراتها على الوضع العربي. وكان من شأن هذا الخلاف أنه حرك القيادة العسكرية الأميركية، ودفعها للتحرك، وللتصريح علناً، خلافاً لما هو مألوف، بأن سياسة "إسرائيل" ضد التسوية مع العرب، تساهم في ازدياد قتل الجنود الأميركيين في أماكن أخرى في العالم (أفغانستان وباكستان والعراق). لقد كان لهذا الموقف العسكري الأميركي أثره في الرأي العام، ولكن عنجهية "إسرائيل" جعلتها عاجزة عن الالتفات إلى هذا التبدل النوعي في المواقف.

وبسبب هذه التغيرات، وبسبب الاستنكار العالمي للهجوم العسكري الإسرائيلي على «أسطول الحرية» في المياه الدولية، نشب داخل "إسرائيل" صراع سياسي وإعلامي حاد، فالتراشق بالتهم يملأ صفحات الصحف الإسرائيلية، وكلهم يدينون حكومة "إسرائيل"، ويدينون قادتها، ويدعون لمحاسبتهم، ويرفعون شعار «المحدال» (أي التقصير)، ويدعون لتشكيل لجنة تبحث في المسؤولية عن هذا التقصير، على غرار لجنة أغرانات التي بحثت في التقصير الإسرائيلي في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 مع مصر وسورية.

لقد أصبحت الوحدة الإسرائيلية الداخلية مهددة هذه المرة، بشعارات العنصرية والفاشية، وأصبح هناك إسرائيليون يوافقون على وصف "إسرائيل" بأنها نمط جديد من حكم جنوب إفريقيا العنصري ضد السود، وهو وضع لم يكن قائما في "إسرائيل" من قبل.

لقد كشفت المعركة ضد «أسطول الحرية» في عرض البحر، وما رافقها من جرائم قتل، كشفت النقاب عن كل هذه التفاعلات، التي كانت تجري داخل "إسرائيل"، وعلى الصعيد العالمي، وحتى في أوساط أصدقائها. وهي لا تواجه الآن معركة رفع الحصار عن غزة فقط، بل معركة اتهامها من قبل أصدقائها بأنها دولة جنوب إفريقيا العنصرية الجديدة.

نقلا عن المركز الفلسطيني