مشاهدة النسخة كاملة : غارقون في وحل العار


أبو فاطمة
06-06-2010, 03:15 PM
غارقون في وحل العار

عدنان كنفاني

كان جدي يردد، في مناسبات بعينها، مثلاً شعبياً مركّباً ودالاً ومعبّراً ومفسّراً لحالة انتصار المرؤوس لرئيسه ظالماً كان أو مظلوماً، يقول: (من يأكل من خبز السلطان، يضرب بسيفه.!).

وفي طريقي لشرح مرمى هذا المثل الشعبي، أجد من المفيد أن أمرّ على ذكر حالة كنتُ شاهداً عليها:

فقد جاء صديق لي "فتحاوي" يقيم في الشتات، يرغي ويزبد غضباً، لأن الممسكين بقدر وقرار وأموال منظمة التحرير، وفتح في رام الله، ولأنه كتب مقالة فيها شبه انتقاد رقيق لبعض مواقف قيادة فتح، نزّلوا سقف راتبه الشهري إلى الثلث عقاباً، بطبيعة الحال، على ما بدر منه، هذا الثلث الباقي، كما قال صاحبي الفتحاوي بلسانه، 350 / ثلاثمائة وخمسين دولاراً أمريكياً فقط غير.!
"ملاحظة": هذا المبلغ، يعادل أكثر من الدخل السنوي للمواطن الصومالي مثلاً.

ولو عممنا هذا المثل على ما يجري اليوم من أحداث غريبة وعجائبية، تخصّ تداعيات اعتراض سفن "قافلة الحريّة" في المياه الدولية، والطريقة الساديّة "قوّة البطش المشبع" التي تعاملت بها قوات الجيش (الإسرائيلي) المدجّج مع مجموعة من الناشطين المدنيين المسالمين العزّل إلا من سلاح إنسانيتهم، ومساعيهم لنصرة المحاصرين المظلومين من الشعب الفلسطيني في غزة، لأسقطناه تماماً وصادقاً على هذه الحالة من خلال مواقف بعض الدول.

لم يكن مستهجناً ولا غريباً أن تقف حكومة الولايات المتحدة الأمريكية، كالعادة، إلى جانب (إسرائيل) وتأييد مبرراتها العبثية، لكنها، وعلى الرغم من حلفها الوثيق مع الكيان الصهيوني، كانت وقفتها، أمام الحدث الكبير، واستعداء دول ينتمي إليها ناشطون كانوا على ظهر سفن الحرية، تجمّعوا من أكثر من 33 دولة في العالم، وقفة، على الرغم من تأثيرها على قرار أو بيان مجلس الأمن، كانت وقفة خجولة، فالحدث أكبر من قدرة حتى حكومة أمريكا تغطيته، أو تجاوزه.

لكن الذين يأكلون (من خبز السلطان) "وليس بالضرورة أن يكون الخبز هو الأكل.!" كانوا أكثر ولاء ونصرة ودعماً ومؤيّداً "للكيان الصهيوني" من حكومة أمريكا.

خرج السيد محمود عباس، ليعلن بكثير من الحماسة، أن هذا الحدث، وما جرى، "والعالم كلّه أصبح يعرف حقائق ما جرى" يجب أن يكون دافعاً قويّاً للعودة إلى طاولة المفاوضات، من أجل تحقيق "السلام".!
ويجب أن يكون دافعاً أيضاً لتحقيق المصالحة الوطنية الفلسطينية، أيّ موافقة حماس والفصائل الممانعة على ورقة المصالحة المصرية، أي شطب إرادة المقاومة من معجم وسائل نضال الشعب الفلسطيني لتحقيق وجوده، أي الاعتراف بالكيان الصهيوني، والانصياع إلى مسيرة التنسيق الأمني الكامل معه، بمعنى القضاء على المقاومين "ما سلف وما كان وما سيكون"، والاعتراف بكل الاتفاقيات الموقعة مع الكيان ابتداءً من كامب ديفيد، وحتى قرارات الرباعية، وجولات متشل، ومروراً بكل المرافق والمواقع والمدن والمنتزهات والكامبات التي شهدت مسيرات التنازلات الصغيرة والكبيرة، وبالتالي الموافقة على مشروع "دولة فلسطين" كما حددها "نتن ياهو" بصراحة ووضوح في خطاب شرحِهِ لمعالم مشروع الدولة المستحدثة الواعدة إبان تسلمه رئاسة وزراء الكيان، بمعنى، دولة كل مهماتها كنس الشوارع، ودفن الموتى، وما إلى ذلك من أمور "سيادية".

ماذا يعني (إسرائيل) بعد ذلك كله من صراخ العالم، ومن هبّات الشعوب، ومن الشجب والتنديد، ما دام المعني الأساس المفترض، "صاحب القرار الوطني الفلسطيني المستقل والوحيد" إلى جانبها.؟
وماذا يعني (إسرائيل) من غضب العالم ما دامت أهم "دول الطوق"، وهي دول عربية، ترفع لواء "الاعتدال" تبارك إجراءاتها وسلوكها، وتأتمر بأمرها في كلّ شاردة وواردة.؟

هذه السلطة الفلسطينية، ودول الاعتدال، عملت على تعطيل أيّ قرار كان يمكن أن يصدر عن اجتماع وزراء خارجية دول الجامعة العربية، وكل ما خرج من قرارات كان كمن "يفسر الماء بالماء"، بترحيل ملف القضية برمّته إلى مجلس الأمن الذي سبق جامعة الدول العربية، وأصدر بيانه الهزيل.! والإبقاء على مبادرة السلام العربية العتيدة على الطاولة إلى ما يشاء الله، هذه المبادرة التي مسّحت فيها (إسرائيل) منذ أُعلنت "موائد" العاهرات في تل أبيب.

سينبري من يقول بأن جمهورية مصر العربية فتحت معبر رفح، وهذه بادرة خير.
نعم إنها بادرة خير إذا واصلت الفعل، ولكن هل من أحد يستطيع أن ينفي بأن أوامر فتح المعبر أو إغلاقه ليست في دائرة القرار المصري المستقل.؟
ومن يضمن أن لا تعلن حكومة مصر "المعتدلة" إغلاق معبر رفح الحدودي غداً، أو بعد أيام.؟

وقد سمح الكيان الصهيوني أيضاً، كبادرة خير وتعاون وإنساني، "بتخفيف الحصار".! من خلال السماح برفع الحصار عن أربعة مواد غذائية، والسماح بإدخالها إلى القطاع.! منها أيها السادة، كما أعلن موظف كبير في وكالة غوث اللاجئين "أونروا" في غزّة، الحلاوة، والمربّى.!

إننا ونحن نحيي مواقف الشرفاء في العالم، ونثمّن تمازج الدماء التركية مع دماء الفلسطينيين والباذلين من كافة أطراف العالم، نشعر بكثير من الهوان والعار من مواقف المتسوّلين على أبواب الكيان الصهيوني والبيت الأبيض، الذين لا يمثّلون بأيّ حال نبض الشعوب، وقد آن الأوان أن تهبّ الشعوب للانتصار إلى كرامتها وكينونتها ووجودها وتاريخها، وأن تنفض عن كاهلها رهط المنتفعين من "خبز سلاطينهم".

إن ورقة المصالحة التي رتبتها ونظمتها حكومة مصر بتوجيهات، وعلى إيقاع أوامر خارجية، بما فيها من استسلام، لا يمكن أن تصلح لتحقيق المصالحة مع مشروع المقاومة، والتمسّك بالثوابت الوطنية الفلسطينية، وهذا لا يعني إننا ننتصر لموقف حماس وفصائل الممانعة من فراغ، بل من إيمان كامل بأن سبيل خلاصنا من عدو إحلالي عنصري، واستعادة حقوقنا وثوابتنا، لن يتحقق إلا عن طريق المقاومة، والإيمان المطلق بجدوى المقاومة، ولنا في تاريخنا الحديث، في جنوب لبنان، وفي غزّة، وفي العراق، وفي أفغانستان، والسودان، والصومال، وغيرها وغيرها خير شاهد ومثل.

نقلا عن المركز الفلسطيني