مشاهدة النسخة كاملة : تصدع الحصار بحرًا فانفلق برًا


أبو فاطمة
06-06-2010, 02:34 PM
تصدع الحصار بحرًا فانفلق برًا

د. علي الحمادي


لم تكن محاولة سفن أسطول الحرية شق حائط الحصار المفروض على قطاع غزة هي الأولى منذ بدء الحصار في منتصف تموز يوليو 2007م، وأعتقد أنها لن تكون الأخيرة في ظل هذا الجو الهائج، والاضطرابات الكثيرة التي تحوم حول المنطقة برمتها.
ففي 23 من أغسطس 2008م نجح (44) من المتضامنين الدوليين الذين ينتمون لـ 17 دولة على متن سفينتي "غزة حرة" و"الحرية"، في كسر الحصار الإسرائيلي المفروض على قطاع غزة لأول مرة، وقد انطلقت هاتان السفينتان من قبرص يوم 22 من أغسطس، محملتين بالمساعدات الإنسانية، ووصلتا القطاع بعد أن واجهتا تهديدات من جانب الإسرائليين بمنعهم من الوصول للقطاع، كما واجهتا ألغامًا بحرية وتشويشًا عرقل وصولهما لشواطئ القطاع عدة ساعات، ولكنهم نجحوا في النهاية للوصول إلى شواطئ غزة، واستقبلهم أهالي القطاع والحكومة الفلسطينية وأعضاء المجلس التشريعي الفلسطيني بالترحاب، ثم غادرت السفينتان يوم 28 من سبتمبر القطاع، وأقلَّتا معهما عددًا من الفلسطينيين كانوا عالقين في القطاع.

وفي الأول من ديسمبر 2008م قامت إسرائيل بمنع سفينة "المروة" الليبية التي حوت ثلاثة آلاف طن من المواد الغذائية والأدوية ومساعدات متنوعة من إنزال شحنتها قرب غزة، حيث اعترضتها الزوارق الحربية الإسرائيلية - كما أوضحت وزارة الخارجية الإسرائيلية - وأوقفتها وأمرتها بالعودة من حيث جاءت؛ بحجة "أنه غير مسموح لها بالرسوّ في الأراضي الفلسطينية بغزة".

الاختبارات الخمسة

ومنذ ذلك الحين دخلت حماس معركة أخرى هي معركة الصبر، خاضت فيها حماس اختبارات خمسة بعضها أشد ضراوة من بعض.

أولى هذه الاختبارات تمثل في الحرب الجائرة على القطاع - وهي لا تزال مستمرة حتى يومنا هذا – والتي خلّفت في عام 2009 فقط، وحسب التقرير الاستراتيجي الفلسطيني، أكثر من (1181) شهيدًا منهم (1148) في القطاع فقط، مقابل مقتل (15) صهيونيًا، وأكثر من (4203) جريحًا، بينهم (3521) جريحًا غزاويًا، مقابل (234) جريح صهيوني، منهم (185) خلال العدوان على غزة.

وبالرغم من التفاوت الكبير بين عدد القتلى والجرحى من الجانبين، وهو الأمر الذي كان يُتوقع معه ثورة داخلية جماهيرية عارمة تطيخ بحماس وقيادتها، أو حتى رضوخ من جانب حماس وتنازل منها لصالح المشروع الغربي في سبيل الحفاظ على الدم الفلسطيني من الإبادة، إلا أن حماس ظهرت في مظهر قوي، وراهنت على قوة جبهتها الداخلية في القطاع، وقدرتها على الالتحام الجيد بالجماهير، وهو ما أثبتته الأيام بعد ذلك، والدليل أنه لم تقم محاولة جماهيرية واحدة للنيل من حماس أو الثأر منها، أو محاربة أتباعها على مدار السنوات الأربع الماضية ومنذ اعتلاء حماس سدة الحكم.

ثم دخلت حماس اختبارًا آخر أشد قساوة من سابقه، وهو اختبار الحصار الذي امتد على مدار ثلاث سنوات كاملة من البر والبحر والجو، ورفع الصهاينة شعار: "من لم يمت في الحرب مات بالحصار"، وهو ما يعني موتًا بطيئًا للغزاويين، تظهر حماس أنها هي السبب الرئيس فيه، ويرجى من ورائه ثورة عارمة على حكم حماس تحت شعار: ربما يحقق الحصار ما عجزت عنه الحرب.

وفي هذه الفترة حافظت مصر على دورها باعتبارها اللاعب العربي الرئيس في الشأن الفلسطيني طوال سنة 2009م، واستفادت من كونها الدولة العربية الأكبر، ومن حدودها مع القطاع، ومن علاقاتها بالكيان الصهيوني وأمريكا في تكريس دورها، ومن ثم دخلت حماس في اختبار ثالث يُسمى بوهم المصالحة، تمسكت به حماس لآخر رمق فيه رغبة منها في رفع الحصار وتحقيق السعادة لأهل غزة المحاصرين، ولكن هيهات، فكما يقولون: تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن، فقد تحفظت حماس على الورقة المصرية - التي سارعت فتح بالتوقيع عليها - لوجود نواقص ترى حماس أنه سبق الاتفاق عليها، وهو ما أثار غضب واستياء الجانب المصري.

الاختبار الرابع كان يخص صفقة تبادل الأسرى مقابل إطلاق سراح الجندي الإسرائيلي شاليط، فبالرغم من تحقيق خطوات مهمة وتقدمًا في هذه الصفقة خاصة بعد دخول الطرف الألماني شريكًا في المفاوضات، إلا أنه لم يتم بلورة الصفقة بشكل نهائي، بسبب إصرار حماس على شروطها الخاصة ببعض أسماء المفرج عنهم، وهو ما رفضه الكيان الصهيوني لاحقًا.

الاختبار الخامس تمثل في الاستمرار في إغلاق معبر رفح من قبل النظام المصري والتضييق على إدخال التبرعات وشحنات الإغاثة، ثم بناء الجدار الفولاذي للقضاء على الأنفاق التي تزود القطاع بنحو 50% من احتياجاته الإنسانية، وهو ما أوحى لحماس أن أداء الحكومة المصرية يتعامل معها ومع حكومتها في القطاع كعبء أو "مشكلة"، وهي المظاهر التي اعتبرتها حماس يقينًا أنها ميلٌ من النظام المصري لفتح وللسلطة في رام الله، ومشاركة عملية في إسقاط حماس وإفشالها. غير أن حماس، على الرغم من إصرارها على المحافظة على استقلاليتها، كانت تدرك أهمية مصر ودورها ومكانتها، ولذلك لم تدخل مع الحكومة المصرية في سجال أو خصام، رغم الإيذاء الشديد الذي لاقته من قِبل النظام المصري، والذي وصل إلى درجة خنق أكثر من مليون ونصف غزاوي حتى أصبحت مصر وإسرائيل يتعاونان على حصار أهل غزة.

ماذا كسبت مصر؟

هذا هو السؤال الذي ينبغي أن تطرحه الحكومة المصرية على نفسها، وأن تُحاكم به أمام شعبها: ما الثمن الذي قبضته مصر من تشديدها الحصار البري على قطاع غزة؟

إن مسئولية مصر تجاه فلسطين مسئولية تاريخية، لا يشك في ذلك اثنان، وعلى الرغم من الجهد المصري المبذول في الملف الفلسطيني بأبعاده المختلفة سواء بالمبادرات المطروحة، أو إدارة الملف بفريق عمل الوزير المصري اللواء عمر سليمان إلا أن معظم التصريحات المعلنة وقتها كانت تُنذر بأن الملف يسير في الاتجاه المعاكس، فتعامل مصر الإنساني مع أزمة القطاع كان تعاملاً مريبًا، إلى الدرجة التي تساءل فيها أبناء غزة بصراحة ووضوح: مع مَنْ تقف مصر ولحساب من تعمل؟!

ولم يرد موقع الجزيرة نت أن تدوم حيرتنا كعرب تجاه الإجابة عن هذا السؤال، فبادر الموقع مشكورًا بطرح سؤال في الفترة من 11/8 إلى 14/8/2008م، كان عنوانه: هل تتحمل الحكومة المصرية مسئولية حصار غزة؟ وجاءت الإجابات من المشاركين لتحمل وجهة نظر الشعوب فيما يحدث، فقد شارك في التصويت (24378) مصوتًا، أكثر من (90%) قالوا نعم، بينا نفى الباقون ونسبتهم أقل من (10%) أن تتحمل مصر ذلك، وكان الأولى بمصر أن ترفض الدخول في حصار شعب أعزل وهي التي عانت طوال تاريخها جراء الحروب، وقاست مراراتها أكثر من أي دولة في المنطقة.

واليوم فتحت مصر ما أغلقته بالأمس، وأطلقت ما قيدته من ثلاث سنوات، فهل كانت مصر تنتظر أساطيل الحرية وشهداءهم لتنطلق من مسئوليتها كأكبر دولة عربية في فتح بوابات منفذ رفح الواقع تحت سيادتها وضمن أراضيها، والسماح بحرية الانتقال من وإلى القطاع؟

هل كانت مصر تنتظر أن ينظر إليها المجتمع الدولي بريبة بعد أزمة أسطول الحرية، وأن تنتقد الدول الأخرى مواقفها ضمنًا لا علنًا، فترى نفسها في مأزق دولي وضعها فيه الصهاينة وساعدهم قوم آخرون من الأمريكان والغرب، فتسارع إلى فتح بوابات رفح؟

وهذه هي نهاية كل حصار جائر، لو أحكمته من البحر لانفلق في البر، ولو أحكمته في البر لانفجر في البحر، والتاريخ يثبت أن كل حصار زائل وأن الشعوب باقية لأنها أصحاب حق والحق لا ينهزم أبدًا واسألوا التاريخ.

المجرمون لا يعبؤون

لقد أكد خبراء القانون الدولي أن ما قامت به إسرائيل يعتبر جريمة مركبة، وحصارًا غير مسبوق في التاريخ، وأنها تتجاوز أعمال القرصنة - حيث حرصت إسرائيل على أن يتم هذا العمل في المياه الدولية لتبعث برسالة مفادها أنها هي اللاعب الرئيس في السيطرة على مقاليد الحياة والموت في المنطقة - وأنها لا تهتم بما يُسمى القانون الدولي إلا فيما يخدم مصالحها، وهو ما أكده المتحدث باسم الحكومة الصهيونية في قناة الجزيرة يوم الاثنين الماضي، حيث قال وبالحرف الواحد: لنا تفسيراتنا للقانون الدولي ولكم تفسيراتكم!!

وعلى مرأى ومسمع العالم كله يخرج علينا نائب وزير خارجية الكيان الصهيوني داني أيالون ليقول للجميع "نحن لا نخشى أحدا" فالقانون الصهيوني فوق كل وأي قانون في العالم، ولا قانون فوق قانون الإرهاب الصهيوني الذي يستفرد بتصنيف العالم بين إرهابيين وأصدقاء.

ثم يأتي شلومو درور - المتحدث باسم وزارة الدفاع الإسرائيلية – يوضح هذه الصفاقة الصهيونية فيقول: "إننا متأكدون من شيء واحد وهو أننا سنخسر الحرب في كل الأحوال في الإعلام"، مضيفًا: "لا يهم ما نقوم به، فإذا سمحنا لهم (أسطول الحرية) بدخول غزة فسيتحدثون ضد إسرائيل، وإذا منعناهم فستكون الصورة سيئة أيضًا"، إذًا فما دامت الصورة سيئة في كل الأحوال فمن الذي يستطيع منع الصهاينة من فعل ما فعلوه؟!

إن تصرف الكيان الصهيوني بدون قيود أخلاقية أو قانونية يستدعي عزلها دوليًا، ويستدعي محاسبتها أمام المجتمع الدولي، ويستدعي من الدول العربية والإسلامية أخذ موقف أشد صرامة وصلابة تجاه مثل هذه المجازر الصهيونية؛ لأن ضعف الموقف العربي الرسمي في الرد على العدوان الذي تعرضت له قافلة الحرية يعتبر دليلاً ملموسًا على مشاركة النظام العربي الرسمي في حماية الكيان الصهيوني نيابة عن أمريكا، وإلا فأين هي مواقفهم؟

أردوغان البطل

أما موقف تركيا من هذه الأزمة فقد كان موقفًا رجوليًا، يحق للمسلمين أن يرفعوا به رءوسهم، كما أن موقف أردوغان موقف بطولي، استطاع به أن يصل إلى جميع قلوب العرب والمسلمين، وأصبح ملهم الجماهير العربية والإسلامية.

فهل يستيقظ الضمير العربي والإسلامي ويعيد النظر في مواقفه تجاه قضية العرب والمسلمين الأولى، أو أن الزعماء سينتظرون حتى تلفظهم الشعوب ويلفظهم التاريخ؟

ـــــــــــــــــــــــ
* رئيس قناة حياتنا الفضائية

نقلا عن المركز الفلسطيني