مشاهدة النسخة كاملة : قيامة في الذاكرة القومية


أبو فاطمة
06-06-2010, 02:23 PM
أفق آخر
قيامة في الذاكرة القومية
خيري منصور
لا يكفي الامتنان وحده للتعبير عمن افتدونا ونابوا عنا في هذا العصيان النبيل على فقه الإبادة والحصار الذي يعكف عليه أحبار ودهاقنة وحاخامات وجنرالات في كهوف ليلية تدرج الشمس والقمر في خانة الأعداء .

لا يكفي إطلاق أسمائهم على أزقة غزة وشوارعها وميادينها وروضات أطفالها، فالتراجيديا أطول قامة من السّرو، وأشد اخضراراً في دمعها من الصفصاف .

هؤلاء أضاؤوا ذاكرة عربية حاصرها النسيان أيضاً، فعادت جزيرة شدوان بكامل أصدائها الشجية وعنفوان النشيد، وعادت مدرسة بحر البقر المصرية التي تحولت فيها الطباشير إلى أصابع حٌمْرٍ تكتب على لوحة الليل بالأبجدية الخالدة ما يصيب عينيّ القرصان بالزوغان، ويصيب حتى الطيار وغرابه الفولاذي بالدوار .

نادرة هي اللحظات التي يحذف فيها الخط الفاصل بين الأسطورة والتاريخ، وبين غسق الأمة وشفقها، فالظهيرة البحرية الساطعة التي افتضحت الجريمة من أولها في دير ياسين إلى شاطئ غزة، هي الآن المشترك الإنساني بين جنسيات لم تحتشد ولم تذب من قبل في أية بوتقة كما تذوب الآن في الطريق إلى غزة، فهو طريق الدم لا الحرير، وكل خطوة أو موجة في هذا الطريق قد تكلف الفادي حياته، لكنه يعود بكامل عافيته الإنسانية من الجهة الأخرى المضادة للاحتلال والكاسرة للحصار .

ما يهم الآن ليس إحصاء المسافات البحرية في الطريق إلى غزة أو عكا، فهي مسافات مرنة تضيق أحياناً لتجعل مخيماً في غزة أقرب من غرف نومنا إلى أجسادنا، وتتسع أحياناً لتصبح أبعد من المجرات النائية . إن البوصلة التي قيل إنها أُعطبت، تعود الآن لتحدد الجهات ببلاغة البحر والفضاء، وبهذا الدم الأفصح من أي حبر .

لم يعد خلط الأوراق متاحاً لمن أرادوا أن يمزجوا بين دم القتيل ولعاب القاتل، وبين خشب المهد وخشب التابوت، وخشب البندقية وخشب الجيتار .

لقد تحول البحر إلى دمع عندما عزف الساكسفون لمجرد أن أطلقت صفارة الإبحار، وحسم القبطان أمره، فهو إما عائد أو عائد فالعودة قدر من قرروا أن الحياة لا تستحق أن تعاش إذا كانت مجرد رغيف مغمس في ماء الوجه، أو دم الأبناء، ولأن الأساطيل أنواع منها الخامس والسادس والسابع والعشرون، فإن بعض هذه الأساطيل التي تخلو من البارود وتزدحم بالطحين والورد ولعب الأطفال، يتحالف معها البحر ضد من أفسدوه وأغرقوه، وتتحالف معها العصافير والغيوم، ويخطئ من يتصور أن الستارة أسدلت على هذه الدراما البحرية، بانتظار موت آخر . وثمة ما يدفعنا إلى الجزم بأن الجرة الصهيونية لم تسلم هذه المرة، وأنها من فخار رديء وليست من فولاذ، ولن تنفع كل بوليصات التأمين وأوراق الفيتو الأصفر من أوراق التوت في حجب الحقيقة، لأن الحقيقة تولد في البر والبحر والفضاء، وترددها الآن مختلف الألسنة في عالم قرر الاعتذار عن الصمت، وأراد تسديد مديونية أخلاقية لمن بحت أصواتهم من الاستغاثة، وكانت صيحاتهم تتكسر كموجات البحر على حائط اللامبالاة .

إنهم الآن . . بأحيائهم وشهدائهم في قلب غزة .

نقلا عن دار الخليج