مشاهدة النسخة كاملة : النقل الحمساوي للقضية الفلسطينية إلى محافل دولية من نوع آخر


أبو فاطمة
06-05-2010, 02:16 AM
النقل الحمساوي للقضية الفلسطينية إلى محافل دولية من نوع آخر
عماد صلاح الدين




اعتادت الفصائل الوطنية الفلسطينية التقليدية منذ ستينيات القرن الفائت، وحتى ربما لحظة كتابة هذه السطور على العزف على سيمفونية أنها نقلت القضية الفلسطينية إلى المحافل الدولية، وبالتالي أعطتها بعدا عالميا، وعلى أنها من قبل جعلت من الشعب الفلسطيني المشرد إلى غير مكان في المحيطين العربي والدولي صاحب قضية وطنية بعد أن كان قضية لاجئين ولجوء ليس اقل وليس أكثر.

نعم إنني اتفق مع هذا الطرح بحدود، لكنها حدود تبقى في التقييم لا ترتقي إلى المستوى المطلوب لهدف حراك الشعوب أو المنظمات العاملة باسمها كيفما اتفق، ذلك أن حركات فصائل العمل الوطني قي اقتبال حراكها الأولي والابتدائي في ستينيات القرن العشرين وتحديدا مع انتقال زمام القيادة لمنظمة التحرير الفلسطينية لحركة فتح عام 1968، كان حراكا حدوده في مجال الحركة واقعا في إطار تضحيات دينامكية روح الشباب الفلسطيني المستعد للتضحية أساسا، خصوصا لأبناء وأحفاد الجيل الذي تعرض لأبشع عملية ترحيل وتهجير قسرية في التاريخ المعاصر للإنسانية.

واقصد بهذا أن استراتيجية التحرير المتكاملة لم تكن حاضرة أساسا لدى هذه الفصائل التقليدية على راس هرمها حركة التحرير الوطني الفلسطيني فتح، والدليل التاريخي هنا حاضر في هذا المقام لمجرد التذكير فقط بحالة الانحدار المتتالي لما يسمى ببرنامج التحرير من سبعينيات القرن الماضي إلى ثمانينياته إلى تسعينيات اوسلو وما أدراك ما اوسلو حتى آخر صرعات موضة المفاوضات للسلطة القائمة في رام الله من خلال التقريظ الجديد لنسخة كتاب العودة إلى مفاوضات غير مباشرة مع إسرائيل. من حق القارىء أن يضحك ويبكي في آنيين متحدين، لا اعرف كيفية الجمع بينهما، ليس لسوي هذه الإمكانية المخزية والمستهترة بعقل أدنى فهم إنساني لمسيرة الخربشة التفاوضية غير مفهومة ناحية جدواها بأي ناحية أو زواية فائدية للنظر، ولو استمتاعا بإمعان نظر يحضر فيه غير كثير من عصف ذهني تفاوضي للذين صارت عندهم المفاوضات حياة مع أبشع وأحقر وأسفل احتلال عرفه التأريخ الإنساني.

وحصاد غياب هذه الاستراتيجية للمقاومة المتكاملة لهدف التحرير الكامل، نراه كامنا بوضوح السر والعلن عند منظري أهمية تنفيذ خارطة الطريق، بما فيها لبها الأساس المتعلق بتصفية جيوب وروافع ومغذيات العمل الوطني الفلسطيني من خلال آخر صرعة فائقة الاستحداث للتنسيق الأمني مع إسرائيل، والحالة الراهنة لوضع الضفة الغربية المحتلة تعطيك النبأ.
هذه ما تسمى بنقل القضية الفلسطينية إلى المحافل الدولية، واقصد هنا هيئة الأمم المتحدة ومؤسساتها المسيطر عليها من قبل الشرعية الدولية المزيفة برسم الحقيقة الأمريكية والإسرائيلية، هي من أعطت الشرعية لاحتلال فلسطين، ومن ثم السير على خطوات الخداع من باب قرار تقسيم فلسطين أو حتى قرارات التخدير بالحديث عن العودة بطريقة ملتبسة كما في القرار 194 لسنة 1948 وغيره، أو بحديث المخادعة عن الأراضي المحتلة عام 1967 ، ثم إلى حل وهم الدولة المستقلة، ثم أخيرا وهم الدولة الكانتونية الواقعية. فعن أي نقلة نوعية للقضية الفلسطينية إلى المحافل الدولية يتحدث هؤلاء.

دعونا نرى النقل الحمساوي للقضية الفلسطينية إلى محافل من نوع آخر، فحماس سيجد المتتبع الموضوعي لمسار سيرها منذ انطلاقتها عام 1987 وحتى يومنا هذا أن هناك انسجاما تطابقيا بين بنود تأسيسها الميثاقي الداعي إلى التحرير من البحر إلى النهر لفلسطين، وبين سلوكها الممارس منذ التأسيس. نعم لقد لمسنا منها في حراكات العمل الدبلوماسي والسياسي ليونة تكتيكية لكن الموقف كان لديها ثابتا، والكل يعرف أن هذه الليونة قد جاءت كلها بسبب راديكالية المفاوض الرسمي الفلسطيني المُصر على أساسيات التفاوض المعروفة للدولة التي لا أراها حتى في مدينة كمدينة نابلس، إن أردنا الذهاب بخيالنا إلى مدينة الكويت أو دولة الكويت مع فارق التشبيه في المقصد السياسي، لأن للكويت معالم الدولة الحقيقية وان صغُرت مساحة أو سكانا.

ربما كنا نخطّىء حماس لمّا دخلت تجربة انتخابات يناير كانون ثاني 2006، لكننا اليوم وأنا شخصيا انظر إلى مدى العظمة الجهادية لحماس في محاولتها إعادة القضية الوطنية الفلسطينية إلى مسارها الطبيعي بعد حالات الشذوذ السياسي لمسارات التفاوض المنفلت من كل ضابط أو حد وطني أساسي .

نعم حصار غزة كان مؤلما لأهل غزة بما لا يطيقه مجرد التصور، وعلى هذا شهد عديد مؤرخين ورجال سياسة مطلعين ومنصفين. واجتثاث بنية العمل المقاوم في الضفة وحراكاته التفصيلية كان مصيبة بما لا يحتمله خاطر تخيل قمع المقاومة أو الحد من دورها لصالح مسار آخر.
لكن القضية الفلسطينية مع كل ما سبق منذ انتخابات 2006، أخذت بعدا محافليا من نوع آخر، انه البعد الذي يتسع شيئا فشيئا في قلوب الإنسانية ، في قلوب الشعوب والأمم في غير مكان في المعمورة العالمية، مع ازدياد نوع وحجم الفضائح الإسرائيلية لجرائمها بحق الإنسانية في غزة المحاصرة. إنها فضائح تتكرس لسبب بسيط يتعلق بقدرة وعمق حقيقة المقابلة بين احتلال إحلالي مجرم وبين حركة مقاومة كحماس أو الجهاد لم يتزعزع في بنود تأسيسهما أس أو ركن وطني مكين برغم الحصار ودمار الحرب المستمرة على غزة.

إن تجربة أسطول الحرية الذي تعرض للهجوم القرصني الإسرائيلي، يشير بما لا يدع مجالا للشك إلى انعدام الخيارات أمام إسرائيل إلا بخيار الإجرام حين يتعلق الأمر بموقف الثبات الفلسطيني على الحق الفلسطيني المسلوب والمضطهد، وهذا الموقف الثابت مثلته القوة المقاومة في غزة، وبهذا تكون المعادلة واضحة مقاومة فلسطينية قائمة ومن ثم ثابتة على أسس الصراع مع الاحتلال بكون فلسطين ارضا عربية إسلامية من بحرها إلى نهرها يقابلها عدوان وإجرام احتلالي واضح ومكشوف ومفضوح وملعون عالميا خصوصا في شقه الإنساني. وحين نركز على الشق الإنساني فلا محالة أن هذا الشق سيكون العامل الأبرز والاهم في صنع المنظومة العالمية الجديدة التي تستجيب لرأي شعوبها، لا لرأي قادة المافيات الرأسمالية والصهيونية العالميتين الذين يسيطرون على مجمعات المال والسلاح والعسكر، وبالتالي شرعة تحضير الاحتلال وتبريره وإسباغ هالات زائفة من الشرعية عليه، كما هو الحال في التعامل مع مؤسسات هيئة الأمم المتحدة والتلاعب بالقانون الدولي شرحا وتفسيرا، كما ترتضيه أهواء قادة المافيات والمجمعات الاستعمارية العالمية.

وحيث أن الصهيونية كحركة استعمارية جاءت كانعكاس لفكر استعماري غربي، وتلبية لمصالح استعمارية في المنطقة العربية الإسلامية، وبالتالي مع ما ارتبط في سياق تنفيذها من ضرورة الإحلال وليس الاحتلال فقط، كما هو واضح من التأريخ الواقعي والسياسي لجريمة اغتصاب فلسطين وتشريد أهلها بجهد استعماري غربي حثيث، فإن الصهيونية السياسية وواقعها العملي الممثل بالكيان الإسرائيلي ليس لديه القدرة على العيش في إطار من العلاقات الدولية، إذا كان في جزء مهم من هذه الأخيرة حالة ملموسة من الاستقامة في احترام الذات وتلمس بقية من عدالة إنسانية. إسرائيل فاقدة لهذا الجانب كلية، لأن ليس لها في سياق اسيات متطلبات الشعوب والدول المتعارف عليها أي أساس أو مستند.

وعلى هذا كانت إسرائيل تستطيع أن تعتاش على منظومة النفاق الدولية دون رقيب أو حسيب، منذ إقامتها وحتى فترة قريبة من عقود القرن الماضي، لكن مع صعود خيارت لحركات مقاومة إسلامية في فلسطين أو لبنان وبالتواصل مع الجمهورية الإسلامية في إيران، باتت حركة التعايش الجرائمية للكيان الصهيوني في المحيطين العربي الإسلامي وتركيزا في المحيط الإنساني مسألة تصعب شيئا فشيئا عليها، فإسرائيل تواجه اليوم حركات وقوى مبدئية تستقي مبادءها من سياقات دينية خُلقية يلتقي معها بالحتمية كل التوجهات الإنسانية ذات الطابع الحقوقي والعدلي الإنساني، ولهذا يرى المتابع للوقائع والأحداث سواء في فترة الحرب على لبنان 2006، أو حرب الكوانين 2008، 2009 على غزة، أو في الحصار على الأخيرة، أو حتى في انتفاضة الأقصى أن الجرائم الصهيونية تزداد وتيرة فضحها ومن ثم التفاعل العالمي الإنساني ضدها، لأن في المسألة قوى وحركات لا مجال عندها للعبث بمنطلقات الحقوق والثوابت الفلسطينية والعربية الإسلامية. وبالتالي فإن مجال التدليس والتشكيك والتغمية على حقيقة هذه الحقوق يتلاشى هو الآخر شيئا فشيئا.

هذا عدا بالضرورة عن مصداقية وشفافية وعدم فساد قادة هذا النوع من الحركات. ولذلك فإن فضائح إسرائيل الإجرامية كثرت في انتفاضة الأقصى، وفي الحرب الأخيرة على لبنان، وفي الحرب على غزة وبالخصوص في حضور تقرير القاضي الدولي السيد ريتشارد غولدستون سواء في مقدمات هذا التقرير وتمخضاته أو في نتائجه التبعية وان كانت محدودة.

والجريمة الإسرائيلية على أسطول الحرية المتجه إلى غزة في حينه، لاقت استنكارا وتنديدا بل وتوعدا من الدول التي تقيم علاقات مع إسرائيل؛ فتم استدعاء سفراء وتم سحب سفراء آخرين، من تركيا المقيمة علاقات رسمية مع إسرائيل إلى عديد دول غربية كالسويد واليونان وغيرهما من دول غربية.

ولم يكن عن غير هذا الموقف المتخذ من الدول السابقة المشترك رعاياها في أسطول الحرية لغزة مفر ولا بديل، فهنا تظهر أهمية التمسك بالحقوق والثوابت في مواجهة إسرائيل وان رافق ذلك حصار أو دمار على غزة وعلى مجمل الشعب الفلسطيني فهذه هي حقيقة المعادلة مع أي احتلال. وبهذا يكون الكسب الحقيقي لموقف المجتمع الدولي الحقيقي ويتم نقل حقيقة القضية الفلسطينية إلى محافل العالم كله، وستكون إسرائيل بين خيارين كل واحد أمر من الأخر بالنسبة لها، فإما جرائم بحق الشعب الفلسطيني وبالتالي مزيد من الكره والنفور العالمي منها، أو أن تمتنع عن جرائمها وتضطر صاغرة للاعتراف بالحد الأدنى من حقوق الشعب الفلسطيني . وهي هنا في ورطة إذ إن إسرائيل تعيش على استمرار الجرائم والمجازر وعلى بحر الدم الفلسطيني، وهنا من جديد تكمن أزمة الكيان الصهيوني بين الفضيحة وبين ألم وثمن الامتناع عن الجريمة.

وبذا يحق لتيارات العمل الإسلامي في فلسطين أو لبنان الحديث عن نوع جديد رائق وفاقع في الروعة في إطار جديد لعلاقات شعوب ودول العالم، يتم فيها التفاعل السريع واتخاذ الموقف الصائب نصرة لأي قضية حق وطنية أو إنسانية في غير مكان من هذا العالم. وعلى وجه الخصوص هنا فمن حق حماس وفي إطار تجربتها الفريدة من نوعها في غزة أن تفاخر سياسيا بنوعية النقلة النوعية للقضية الفلسطينية إلى محافل دولية من نوع آخر اعتقد أن ما جاء في سطور هذا المقال قد حاول الإشارة إليها بنوع من التعريف والتحليل والتفسير.

نقلا عن المركز الفلسطيني