مشاهدة النسخة كاملة : لما ذا ذهبت إلى فلسطين؟ يا غلام


أبو فاطمة
06-04-2010, 01:51 AM
لما ذا ذهبت إلى فلسطين؟ يا غلام

نحن – المقيمين- في المهجر نملك حساسية شديدة، واهتماما بالغا بكل ما له علاقة بصورة الوطن "الجمهورية الإسلامية الموريتانية" سلبا كان أو إيجابا، وذلك أننا نستمد من صورته الجميلة الزاهية ثقة في النفوس وإيجابية في الحياة، وطمأنينة في القلوب، كما تصيبنا صورته المشوهة بحسرة في النفوس، وسلبية في الحياة، وإحساس بالدونية.
ولقد عانينا في العقود الماضية أزمات لا حصر لها من جراء ما يصيب صورة بلادنا من خدوش كادت تشوه صورتها في نفوسنا نحن ـ فضلا عن غيرنا ـ لولا أننا كنا نحاول جاهدين أن نعرض عن تلك الصور المشوهة ، ونلتفت عنها إلى صور من التاريخ رسمها علماؤنا وقادتنا، أو صور من المستقبل نتطلع إليها، وننتظر أن نشارك جميعا في رسمها، فترد إلينا الاعتبار، وتبعد عنا العار والشنار.
وبعد سماع خبر الإعداد لقافلة الحرية وكسر الحصار عن غزة ، ومشاركة موريتانيا فيها باثنين من أبنائها غمرني سرور عميق، وطفقت أفكر في صور سيئة كانت عالقة في ذهني، كونتها مواقف بالغة السوء، ومبادرات شديدة الغباء اتخذتها حكومة موريتانيا تجاه القضية الفلسطينية خلال العقدين الماضيين، كما شاركت في تعميقها في النفس نظرات استنكار والاستغراب، وكلمات استهزاء واستهجان، وأسئلة محرجة تلاحق المغتربين من أمثالي من طرف زملاء، وأصدقاء من العالم العربي والإسلامي عظمت موريتانيا في عيونهم، وأكبروها عن فعل النقائص، وارتكاب الموبقات، كان ذلك يتجدد كلما وقفت "موريتانيا الرسمية" موقف خذلان لأهلنا في فلسطين، أو موقف تمالئ مع العدو المحتل لها.
وكأن رئيس الرباط الوطني الأستاذ محمد غلام ولد الحاج الشيخ ـ بمشاركته في قافلة أسطول الحرية ـ قد أخذ الممحاة وبدأ يمسح تلك الصور السيئة، التي ما فتئت تؤرق الشعب الموريتاني، وخاصة المغتربين الذين يتصدون للدفاع عن سمعة بلدهم، وأعراض أهليهم،

صور وصور:
لقد هزت هذه المشاركة المشرفة كياني، ولم أشعر إلا أنا غارق في المقارنة بين صور الوطن الماضية المخجلة المحزنة، وبين صور يرسمها أبناؤه الآن سارة مفرحة أحيت الأمل في النفوس، والرجاء في القلوب، من هذه الصور التي جالت في خاطري:
ـ صورة وزير الخارجية الموريتاني الداه ولد عبدي في: 23 مايو 2001 م وهو يزور فلسطين المحتلة ليبارك في احتلالها وقتل أطفالها ونسائها، وصورة محمد غلام ومحمد فال وهما في عباب البحر الأبيض المتوسط لإغاثة نساء وأطفال فلسطين.
ـ صورة السفير الموريتاني في الأردن محمد سالم ولد الأكحل، سنة 1995م وهو يتولى مهمة نسج الخيوط الأولى للاتصالات السرية بين موريتانيا والعدو الصهيوني، وصورة السفير الموريتاني الحالي في دمشق الذي سافر من سوريا إلى الأردن الاستقبال المواطنين المشاركين في قافلة الحرية استقبالا حارا، يحمل روح التهنئة والتبريك.
ـ صورة علم العدو في أكتوبر سنة 1999 م وهو يرفرف على سفارته في أرقى أحياء العاصمة نواكشوط، وصورة العلم الموريتاني وهو يسبح في عباب البحر الأبيض المتوسط على أسطول الحرية؛ لكسر الحصار عن غزة.
ـ صورة استقبال الرئيس السابق معاوية ولد الطايع في 03 /05/ 2005بالقصر الرئاسي وزير الخارجية الهيوني سيلفان شالوم، الذي عبرعن سعادته بوجوده في موريتانيا مؤكدا أن هذه الزيارة مهمة وترمز إلى متانة العلاقات بين موريتانيا "وإسرائيل"، وصورة استقبال الرئيس الحالي محمد ولد عبد العزيز للعلامة الشخ/يوسف القرضاوي في القصر الرئاسي، وقد أعرب الشيخ عن سعادته البالغة قائلا: "كم كنت تواقا إلى لقاء هذا الشعب وزيارة هذا البلد، لكن حاجزا عظيما كان يعن أمامي هو العلاقات الشائنة مع العدو الإسرائيلي.. لكن لم أكن أحب أبدا أن أزور هذا البلد رغم اشتياقي لذلك، وعلم العدو الإسرائيلي يرفرف في سمائه وفوق ربوعه، لكن رئيس الجمهورية محمد ولد عبد العزيز فتح لي الباب أمام هذا اللقاء، ولذا شكرته شكرا خاصا خلال لقائي.
ـ صورة السكوت الفاضح الذي كانت الحكومة الموريتانية تواجه به كل الاعتداءات على الشعب الفلسطيني، والكلمات القوية الشجاعة التي تضمنتها رسالة رئيس الجمهورية إلى البطل أوردغان: (نشجب مثل هذا النوع من الأعمال الإجرامية البشعة المنافية لجميع القيم والأخلاق الإنسانية)، ويدعمه ما جاء في بيان وزارة الخارجية بعد الاعتداء على قافلة الحرية: (من جديد أكدت إسرائيل خرقها السافر لكل المواثيق الدولية، وانتهاكها الصارخ لحقوق الإنسان، وأولها حقه في الحياة وفي التعبير عن رفضه للظلم والاحتلال. إن قصف قافلة مدنية مسالمة تنقل مساعدات غذائية و إنسانية لكسر الحصار الجائر ضد الشعب الفلسطيني، و تَعَـمُّـدَ الطيران الحربي الإسرائيلي إزهاق أرواح مواطنين أبرياء، عمل جبان و تحدي واضح للمجتمع الدولي.. تندد بقوة بهذه المجزرة، وتناشد المجتمع الدولي أن يتدخل لإحقاق الحق في هذه الجريمة النكراء.. تجدد الوزارة تضامنها مع الشعب الفلسطيني في حصاره الجائر، ومع كل الدول والمنظمات المساهمة في أسطول الحرية لكسر الحصار).
ـ صورة الأغلبية الحاكمة وهي تصفق للرئيس كلما بالغ في التطبيع مع العدو، أو ضيق على المعارضة ومنعها من التعبير عن رفضها واستنكارها لممارسات الاحتلال والعلاقة معه ، وصورة المعارضة والموالاة وهي تقف صفا واحدا لنصرة الشعب الفلسطيني.
إنها صور أثارتها بقوة مشاركة الأستاذ محمد غلام نيابة عن الشعب الموريتاني في قافلة الحرية وكسر الحصار، ولو لم يكن من نتائج هذه المشاركة إلا مسح جزء من هذه الصورة القاتمة، التي كانت تحجب أفق الأمل فإن ذلك يعتبر خطوة عظيمة، بل قفزة نوعية لها ما بعدها بحول الله، والواقع يشهد أن هذه القافلة أحدثت هزة سياسية قوية للعدو، لم يكن يتوقعها، ولفتت أنظار العالم كله بقوة إلى واقع إخواننا المحاصرين في غزة، وذلك هو الهدف الأساسي للمسيرين للقافلة، وبهذا كله يستطيع رئيس الرباط الوطني لمناصر الشعب الفلسطيني أن يجيب من يسأله: لما ذهبت إلى فلسطين وأنت تعلم مسبقا أنك لن تصل إليها، وأن مصيرك هو القتل أو السجن في فلسطين المحتلة؟


نقلا عن السراج الإخباري