مشاهدة النسخة كاملة : ما قبل أمريكا وما بعدها


أبو فاطمة
06-02-2010, 07:02 PM
ما قبل أمريكا وما بعدها




خيري منصور


هناك عناوين لكتب أو فعاليات فكرية تستدعي على الفور نقيضها، منها ما قبل الحداثة وما بعدها، وما قبل الدولة وما بعدها، وأخيراً ما قبل أمريكا وما بعدها، وكتاب فريد زكريا الذي أثار سجالاً قد يستمر لبعض الوقت بعنوان “عالم ما بعد أمريكا”، يوحي لأول وهلة بأن أمريكا قابلة للحذف، أو أنها على الأقل ليست الإمبراطورية الأبدية أو النظام الخالد الذي يصمد أمام عوامل التعرية التاريخية . لكن الحقيقة هي أن كل الإمبراطوريات التي نشأت على سطح هذا الكوكب بلغت خريفها بعد أن رفلت زمناً طويلاً في الربيع .



لقد كتب الكثير قبل زكريا عن العمر الافتراضي لهذه الإمبراطورية الفسيفسائية التي سعت منذ شركة الهند الشرقية إلى أن تكون بوتقة لإذابة الأجناس . وما السيرة السياسية لهذه القارة إلا تنويعات على وتر الفشل، إذ سرعان ما اتضح أن ما يسمى “الواسب” وهو مصطلح يعني الأنجلوساكسوني البروتستانتي الأبيض، هو من يحتكر نظام الأنظمة كلها، وإن بدت تجربة أوباما جملة معترضة في هذا السياق، على رغم أن النقد الذي يوجه إليه الآن هو من أكثر المتفائلين بقدومه، والمتحمسين لفوزه بالرئاسة . والسؤال عن عالم بلا أمريكا أو ما بعدها يطرح مقترناً بسؤال آخر نقيض هو العالم ما قبل أمريكا . . فكيف كان هذا العالم؟ وهل يؤرخ للكولونيالية والتمدد السرطاني للاستعمار بأمريكا؟ أم أنه سبقها بقرون إلى الحد الذي كانت هي ذاتها مستعمرة بريطانية، وربما كانت المستعمرة الوحيدة التي تحررت من مستعمرها، لكنها ورثت لغته والكثير من ثقافته وأدبياته .



لم يكن العالم قبل أمريكا فردوساً أو يوتوبيا محرّرة من الشرور، لكنها أضافت إلى شقاء هذا العالم فصلاً درامياً أصاب شعوب الأرض بضيق التنفس، فهي لدى ظهورها كقوة جديدة بعد الحرب الكونية الثانية، بشرت بما سمي عصر ما بعد الاستعمار، لكن هذا الشعار لم يعش طويلاً، وكان أقصر عمراً من أي شعار تكتيكي استخدم كَفَخّ لشعوب العالم، إذ سرعان ما تحول المبشّرون بحقبة ما بعد الكولونيالية إلى كولونياليين بعدة امتيازات وليس بامتياز واحد فقط .



وأي رصد أولي وأفقي للحالات التي تمددت فيها الولايات المتحدة إلى العالم، يضعنا أمام رقم قد يفاجئ الكثيرين، فهي ما إن تمكنت وتماسكت وورثت الإمبراطورية البريطانية الآفلة، حتى تحولت إلى أخطبوط، ولم تسلم من أذرعها قارة من القارات الخمس، بما فيها أمريكا ذاتها التي بلغ فيها النظام الرأسمالي ذروة التوحش ما أفرز أكثر من أربعين مليون أمريكي يصنفون في خانات الجياع والمشردين .



ولأن الخيال سواء كان شعرياً أو سياسياً يسبق الأفكار والأطروحات الواقعية، فقد كتب عدد من شعراء العالم قبل نصف قرن قصائد يتخيلون فيها هذا الكوكب بلا أمريكا، منهم ليوبولد سنجور الرئيس السنغالي الراحل، والشاعر العربي أدونيس في قصيدته قبر من أجل نيويورك، وشعراء أمريكيون منهم ألن غنزبرغ وجريجوري كورسو وآخرون، إضافة إلى الهجاء الروائي الذي كتبه ميلر ويكمله نعوم تشومسكي الآن على طريقته . . لهذا من الأفضل التعامل مع اسم أمريكا باعتباره الاسم الحركي أو المستعار لأية قوة تفقد البوصلة الأخلاقية، وتموت بسبب فائض القوة العمياء وليس العكس .

نقلا عن الخليج الإماراتية