مشاهدة النسخة كاملة : ضمير بهيئة رجل


أبو فاطمة
06-02-2010, 06:55 PM
ضمير بهيئة رجل




أمجد عرار


بداية أشعر كعربي بالخجل لأنني أكتب هذه الكلمات مباشرة بعد كلمات رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان أمام برلمان بلده العظيم والذي يزداد عظمة يوماً بعد يوم . أردوغان أثبت أن تركيا تقدّم النموذج الحقيقي للعظمة في مواجهة المفاهيم الزائفة التي تكرّس العظمة بترسانات القوة العسكرية العمياء ورعاية مجرمي الحرب والدفاع عنهم وتبرير جرائمهم .



توقّعنا خطاباً غاضباً من جانب أردوغان بعد الجريمة التي ارتكبتها “إسرائيل” بحق سبعمائة إنسان يمثلون أكثر من اثنتين وثلاثين دولة . توقّعنا غضب أردوغان، لكنّنا لم نتوقّع تفاصيله ومستواه، فهو يتحدّث للبرلمان فيما بلاده لم تتسلّم شهداءها وجرحاها الذين قتلتهم “إسرائيل” . ومع ذلك لم ينسه هذا الغضب القضية الأساسية التي قطع هؤلاء لأجلها عباب البحر ولوّنوا ماءه بدمائهم، فكان الرجل واضحاً وصريحاً وقاطعاً، وعبّر عن إنسانية تليق بسياساته التي كرّسها خصوصاً منذ الحرب الإجرامية “الإسرائيلية” على قطاع غزة . قال بتحدّ إنه لو أدار العالم كله ظهره للفلسطينيين وغزة، فإن تركيا لن تدير ظهرها لهم وستواصل إرسال المساعدات الإنسانية لهم .



وبالقدر الذي تحتاجه “إسرائيل” من مياه المحيطات لغسل يديها من دماء الأبرياء، فإن أحداً غير قادتها كان سيحتاج إلى أطنان من المناديل لتجفيف العرق المتصبّب من جبين يعرق خجلاً من نفسه . لكنّ قادة “إسرائيل” لا يندى لهم جبين ولا تحمرّ لهم أوداج . ولأن أردوغان يعرف هذه الحقيقة فإنه خاطبهم كزعيم يحترم نفسه والرأي العام في بلاده وتاريخها، فحذّرهم من اختبار صبر تركيا وتوّعدهم بالعقاب على فعلتهم ومجمل سياساتهم . ولأنه لا ينتمي للنظام العربي الرسمي، فإنه نبّه الأمم المتحدة بأن اتخاذ القرارات لا يكفي، فقد اتخذ منها أكثر من مائة قرار بقيت حبيسة الأدراج .



في هذه الأجواء من غير المجدي الحديث عن القرصنة “الإسرائيلية”، فلو لم تفعل ذلك لاستغربنا، بل إننا فعلاً نستغرب أنها لم تغرق كل السفن في البحر، لأنها لا تستطيع إلا أن تعبّر عن نفسها واستعمارها وإجرامها وإرهابها . لقد سمعنا شهادات من أقارب للمبحرين إلى غزة، قالوا إن أحباءهم طلبوا لهم الدعاء لأنهم توقّعوا عدم العودة . هذا يعني أنهم يفهمون عقلية “إسرائيل” وأيديولوجية قادتها والجذور الفكرية العنصرية التي تحرّكهم .



كلام أردوغان فيه عزّة وكرامة ووفاء لما يتوقّعه الناس من صاحبه في اللحظة المناسبة .



مبروك للإنسانية التي تداس بالأقدام هذا الزعيم وهذا البلد، مبروك لعذابات غزة والشعب الفلسطيني هذا المتحدّث الوحيد باسمها . ومبروك ل “إسرائيل” رعاية باراك أوباما لها ودفاع مندوبه في مجلس الأمن عن جريمتها، مبروك لها ازدواجية المعايير في هذا المجلس المأجور، مبروك عليها صمت أمة العرب . مبروك عليها موقف قادة الغرب الذين قال روبرت فيسك إنهم أجبن من أن يتخذوا قراراً بحماية أبنائهم المبحرين إلى غزة .



أردوغان يقدّم نفسه في كل مرّة كضمير بهيئة رجل، وهذه المرة يضع “إسرائيل” أمام نفسها في المرآة، وأمام طوفان الغاضبين من جرائمها في شتى بقاع الأرض، ويدع النظام العربي في بيات الفصول الأربعة، ونحن أيضاً لن نزعج هذا النظام لا بالكلام ولا بالضرب على الوجع، لأنه “ما لجرح بميّت إيلام” .

نقلا عن الخليج الإماراتية