مشاهدة النسخة كاملة : قافلة الحرية عاصفة في وجه الصمت


ابو نسيبة
06-01-2010, 07:14 PM
قافلة الحرية عاصفة في وجه الصمت
بقلم دداه محمد الأمين الهادي

أسطول الحرية رسالة أقوى من الموت والهزيمة، حاولت إسرائيل جاهدة وأدها، لكنها واصلت المسيرة متحدية كل الخنادق والبنادق، لتثبت أن الطغيان والعنجهية أسلحة الضعفاء، وما من قوة على الأرض تستطيع أن تطفئ وهج انتصار أصحاب الحق.

وقد قامت الآلة الإسرائيلية الآثمة بدورها المعتاد قاصدة إطفاء الحلم في أعين المحيط الذي شهد ولادة الحسنيين معا الشهادة والنصر، فهل انتهت رسالة قافلة الحرية عند حدود غزة عند الهجوم الغاشم؟ أم انتصرت على الكراهية الإسرائيلية من حيث لم يحتسب منظرو الهزيمة؟ و ما موقف ما يسمى في عرف الأفاقين بالعالم الحر من مصير شهداء القافلة والأمة؟ و هل ستكون أروقة الأمم المتحدة هذه المرة خالية من المكايد -ولا أظن- التي تعرقل استصدار قرار دولي حازم يدين اسرائيل ويتصدى لإفلاتها من العقاب؟ وأين عدالة لاهاي من هذه الجريمة النكراء؟.....

من المعلوم أن قافلة الحرية مكونة من مناضلين سلميين، من مختلف أطياف المجتمع المدني كسروا الصمت والتواطؤ بمجرد الفكرة، ولما ركبوا الموج حققوا الهدف، لقد عادت للواجهة قضية الإسلام والعروبة والعالم أجمع، فتذكر الكل أن غزة لا تزال محاصرة، وأن حقوق الإنسان ليست مجرد صكوك دولية تقدم كصكوك الغفران، ولا تغني ولا تسمن من جوع.

لقد مثل أسطول الحرية راية بيضاء شقت الحصار الأسود حاملة على متنها كل قيم الإسلام والنصر والكرامة، فلم تترك لإسرائيل إلا الهزيمة منفذا، وإلا الاحتقار من كل أصحاب القلوب الحية مصيرا، لقد أثمرت قافلة الحرية.

ولكن الغريب هو أن ينادي الإتحاد الأوروبي إلى أن تفتح إسرائيل تحقيقا، فيجعل منها حكما وخصما، وهو الذي ينظر إليه على أنه أستاذ في مجالات عدة منها الحريات الأساسية، وحقوق الإنسان، واستقلال القضاء، وكان من الأجدر به أن يدعو جهات أخرى غير إسرائيل إلى فتح تحقيق، لأن إسرائيل طرف معتد، وإذا ما فتح تحقيق ضدها فيجب على الأقل أن يوكل إلى طرف حيادي، مستقل، ونزيه، لا يتبنى ما يقوي موقفا على آخر إلا بالحق، هذا إذا كانت أوروبا فعلا راغبة في المصالحة مع ذاتها، وشعوبها، والتطهر من آثامها التي لا تنتهي.

أما فيما يتعلق بالأمم المتحدة فلا شك لدى القانونيين أنها ليست المخلص، خصوصا مجلس الأمن، لأن هذا المجلس هو من مساوئ ما عرف بعدالة المنتصر، إنه المجلس الذي كرس اللامساواة، خرج على ميثاق الأمم المتحدة نفسه، فكرس غلبة الحلفاء وجبروتهم، منحت من خلاله الدول المنتصرة في الحرب العالمية الثانية لنفسها حق الفيتو، الذي من خلاله ظلت القضية الفلسطينية تعاني من الغمط والتجني، ولم تتمكن الجمعية العامة التي تحتوي جميع دول العالم من فعل أي شيء، رغم أنها تضم كل دول العالم،التي تربو على 185 دولة، في الوقت الذي لا يضم فيه مجلس الأمن إلا عشر دول، خمسة منها صاحبة الفيتو، وهي المهمة حقيقة في تقرير مصير القرار الأممي، الذي يعاني من هيمنة الفيتو، وبالتالي يكرس سياسة الكيل بمكيالين، ولا أمل لضحايا قافلة الحرية فيه مادامت الولايات المتحدة متواطئة مع العدو.

في وجهة أخرى يمكن لمجلس الأمن من خلال ميثاق روما، المشكل للمحكمة الجنائية الدولية إحالة هذا العمل الإجرامي، والعدواني، والإرهابي إلى المحكمة الجنائية، ولكنهم لم يفعلوا، الفلسطينيون يموتون وقافلة الحرية يعتدى عليها، والمدعي العام لدى المحكمة الجنائية الدولية شغله الشاغل عمر البشير، فأية عدالة تلك التي يطبل لها؟

والغريب أن دولا عربية أعضاء في المحكمة الجنائية الدولية مثل الأردن، واليمن، وجيبوتي، وغيرها، ولكنه لا تطلب من المدعي العام تشغيل آلية الإحالة، و تحتفظ بطلبها لغاية في نفس يعقوب ربما هي الخوف على مصالحها عند عملاق الأمم المتحدة أمريكا، التي لم تصادق حتى الساعة على نظام المحكمة، كإسرائيل تماما.

وتبدو صداقة فرنسا والدول الأوروبية المصادقة على نطام روما محل شك، سرعان ما ينقلب يقينا، فلا هي تتحرك من أجل نظر المحكمة في قضية من قضايا فلسطين، ولا هي تستنفر قواها لنصرة أسطول الحرية في الأيام القادمة، وإنما تندد أحيانا، وتسكت أحيانا كثيرة تاركة الجروح تنزف.

وبالرغم من أن أمريكا مثلا غير مصادقة على نظام روما نظام المحكمة الجنائية الدولية، فإنها لم تسمح بقيامها إلا على هواها، فلم يعرف العدوان في النظام الأساسي، وتركت للدول مصلحة تعليق اختصاص المحكمة في جرائم الحرب 7سنوات، كما أعطيت لمجلس الأمن وصايات واسعة على المحكمة، منها أنه يوقف عملها لمدة محددة قابلة للتمديد، وهكذا لا تتابع إسرائيل ولا أمريكا، ويظل الجلاد مستغرقا في التعذيب، والإعدام، والقتل، والعصف بشتى الوسائل بحقوق الآدميين المتجذرة في شخصياتهم، والتي لا غنى عنها للكائن البشري.

من هنا لا يمكن أن ننتظر من المجتمع الدولي أن يكون شيئا، وهو في كل مؤسساته الدولية والإقليمية دبر أمر وجوده، لكي لا يكون شيئا، وعلينا أن لا ننتظر كسر الحصار بالقوانين الدولية لأنها مفرغة تماما من المحتوى، فقصارى ما يمكنها فعله هو تعطيلنا عن نصرة الشعب والقضية كما فعلت نصف قرن وأزيد.

علينا أن نبادر كما تفعل قافلة الحرية، أن نكون في عمق قضيتنا الإسلامية، والإنسانية، مدركين حجم المؤامرة، وأن القوانين الدولية خلقت لنسجن برا وبحرا وعلى الأوراق، وبين أروقة المحاكم، إن تلك القوانين لا تخدمنا، ولن تخدمنا، تلك القوانين مازالت تنتظر أن يعرف العدوان، ويوم يتم تعريفه يأمل مشرعوها أن لا نكون، وإن كنا فأغناما تساق وتذبح، وقرودا تمر في السرك تضحك أصعاب السعادة والسمو من جلادينا، تلك القوانين تطالبنا بأدلة لا نعرف نوعها وجنسها، ربما هي حليب النجوم، فلا دماؤنا دليل، ولا قتلانا دليل، ولا سجن مليون ونصف في سياج دليل، فأي دليل يطلبون؟ وأي تعاطف مع قضايا الحرية والمظلومين يفبركون؟


ما حدث لقافلة الحرية هو إرهاب دولة بكل المقاييس، فهناك سلوك إجرامي هدفه التخويف، والترهيب، وإثارة الرعب، وإشاعة القتل، والدمار، يمارس ذلك السلوك في إطار مشروع جماعي بنية إجرامية، وإرادة عفنة لا تستثني المساعدات الإنسانية من نيرانها، ولا توفر العزل، بل تتمادى على غيها، ارتكبت كل الجرائم دون استثناء، أبادت، اعتدت، حاربت، قتلت، أرهبت، وغالت في جميع أنواع الجرائم ضد الإنسانية، ولا زال أباطرتها يجلسون على الطاولات المستديرة، ويتحدثون عن السلام، متجاهلين خطورتهم الإجرامية على السلم والأمن الدوليين، وممعنين في كذبهم على أنفسهم، وعلى العالم، فمن يصدق أنهم شعب الله المختار؟ ومن تسول له نفسه بعد كل أمس أن يناقشهم أو يجالسهم؟ لقد قتلوا الأنبياء حملة الرسائل السماوية، قتلوا كل أصحاب الرسائل الإنسانية ولم تسلم قافلة الحرية من نيرانهم وأذاهم، لكنها نجحت في رسالتها السامية على أعينهم.


نقلا عن الأخبار