مشاهدة النسخة كاملة : بحر الدم والجريمة


ام نسيبة
06-01-2010, 10:27 AM
بحر الدم والجريمة



http://www.mushahed.net/vb/imgcache/3347.imgcache.jpg

الياس خوري



جريمة ضد الانسانية، لا اكثر ولا اقل. كل وصف آخر للجريمة التي ارتكبت على متن 'سفينة مرمرة'، باطل ولا معنى له.
فالجنون الاسرائيلي وصل الى ذروته. ما اطلق عليه الاسرائيليون اسم 'عقيدة الضاحية'، وصل اليوم الى البحر الأبيض. هبط القتلة الذين يلبسون ثياب جيش نظامي الى السفينة وتصرفوا كالقراصنة المجرمين. قتلوا تسعة عشر متضامنا وجرحوا العشرات، وحتى كتابة هذه السطور لا يزال مصير الشيخ رائد صلاح مجهولا.
المذبحة التي اراد الاسرائيليون منها ان تكون رسالة موجهة الى جميع دول العالم تقول بصريح العبارة ان اسرائيل دولة تتصرف بجنون، ولا يردعها اي قانون دولي، او اي اعتبارات انسانية. الرسالة واضحة، اسرائيل لا تبالي بالقانون الدولي، وهي لا تتكلم سوى لغة واحدة اسمها لغة القوة.
يجب ان نضع الجنون الاسرائيلي في اطاره، فدولة الاحتلال تشعر انها لم تعد قادرة على فكّ عزلتها الدولية. فالرأي العام العالمي، بما فيه الرأي العام اليهودي في امريكا واوروبا انفلق ولم يعد قادرا على ابتلاع ممارسات الاحتلال وتسويغها. لذا جاء القرار الأحمق بارتكاب الجريمة في البحر الأبيض، كي تنقل اسرائيل مأزقها الى مرحلة اعلى. ايالون، نائب وزير الخارجية الإسرائيلي لم يعد يكتفي باهانة السفير التركي، عبر اجلاسه على مقعد منخفض، بل يريد اسالة الدم التركي واحتلال السفينة التركية، في الوقت الذي ترسل فيه اسرائيل غواصتين نوويتين الى مياه الخليج العربي، بهدف تهديد ايران.
هذا الجنون هو بداية رأس الجليد. فالجنون لا يقود الا الى مزيد من الجنون. اسرائيل عاجزة عن السلام ولا تريده. الصهيونية تكشف عن وجهها العنصري والاستعماري، ولم تعد تجد ما تختبىء خلفه من حجج. انها احتلال عار ودولة عنصرية، تحاصر شعبا يقع تحت احتلالها، تقتل بلا هوادة، ولا ترتوي من دم ضحاياها.
هل يعتقد الاسرائيليون انهم يستطيعون عبر هذا النوع من الممارسات وقف احتمال تدفق اساطيل الحرية الى غزة؟ وان القتل العشوائي سوف يمنع مناضلي العالم من التفكير بالتضامن مع غزة المحاصرة؟ ام انهم يسعون عبر الجريمة الى التهديد بحرب اقليمية شاملة، تعيد خلط جميع الاوراق؟ ام انهم يتصرفون في شكل عشوائي؟
لا ادري ماذا يخططون، لكن اغلب الظــــــن ان الجنرالين اللذين قادا عملية الاندحار والهروب من لبنان، اشكنازي وباراك، يحاولان عبر القرصنة والتشبيح والتهديد اعادة الاعتبار للنجوم الدموية التي تزين اكتافهما. وهما في ذلك يقودان دولة الاحتلال الى المجهول الذي لن يكون سوى بلون الدم.
السؤال اليوم ليس ماذا ستفعل تركيا؟ تركيا لن تسكت لأنها دولة تحترم نفسها، السؤال هو ماذا سيفعل العرب؟ وماذا سيفعل الفلسطينيون في شكل محدد؟
لم يعد الصمت العربي مسموحاً، لأنه صار جزءا من الجريمة، لكن من غير المنطقي التعويل على النظام العربي. فالنظام العربي مات من زمان، وكل رهان عليه وهم بوهم. لكن على النظام العربي ان يفهم مرة والى الأبد ان استمراره في تجاهل فلسطين ومأساتها سوف يعني نهايته الكاملة.
لكن الموقف الفلسطيني هو الأساس. اقل ما يجب ان تقوم به السلطة الفلسطينية هو نقل القضية الى مجلس الأمن، ووقف المفاوضات الى حين الوصول الى امرين:
1- فك الحصار عن قطاع غزة بشكل شامل ونهائي. اذ لا معنى للمفاوضات في ظل تجويع غزة وخنقها.
2- تشكيل لجنة قضائية دولية، واحالة مرتبكي جريمة البحر الأبيض الى محكمة الجنايات الدولية.
من دون تحقيق الشرطين معاً، فان استمرار المفاوضات هو سكوت عن الجريمة، واعطاء المجرم صك براءة، وغسل يديه الملوثتين بالدم البريء.
فوق ذلك وربما قبله، فإن قيام رئيس السلطة الفلسطينية بزيارة تضامنية الى غزة، من دون اي شرط، سوى الاحساس بضرورة توحيد الموقف الفلسطيني في مواجهة الجريمة، سوف يضع المجتمع الدولي امام الحاح وضرورة فك الحصار، وسوف يفتح صفحة فلسطينية جديدة، آن لها ان تفتح وسط المأزق الذي صنعه الانقسام الفلسطيني.
اسرائيل في فخ مرمرة وليس العكس. هؤلاء الرجال والنساء، الذين حملوا المساعدات الانسانية الى اهل غزة المحاصرة، ليسوا نموذجا للشجاعة والنبل والكبر الاخلاقي فقط، بل رسموا، بشهدائهم وجرحاهم، الطريق الذي يجب ان يحتذى. مئات من المناضلات والمناضلين العرب والأمميين، اسسوا للحرية اسطولها، ورسموا لفلسطين افقها الذي لن يكون سوى افق الحرية.
البحر الأبيض، بحرنا، ينحني على الدم الذي سُفك، ويفتح صدره المتشح بالأسى، لسفن الحرية، التي صارت شموسا تشرق على فلسطين، وتكسر ظلام الاحتلال.

نقلا عن القدس العربي