مشاهدة النسخة كاملة : أطباء قلوبهم غلف..!!


أبوسمية
05-31-2010, 01:42 AM
أطباء قلوبهم غلف..!!

لم أكن من أولئك الذين رضوا بالانتقادات التي وجهها رئيس الجمهورية منذ عدة أسابيع إلي الأطباء، حيث كنت أجد في هذا الصنف من المجتمع كل معاني الرحمة والشفقة و الإنسانية التي من المفترض أن تطبع مثل هذه القلوب، و لكن حينما يغيب الضمير تنتزع الإنسانية وتتلاشى الرحمه من القلوب البشريه و تضيع الأمانة و يموت الخوف من الله!!..
ما كنت لأصدق أن عوامل التغيّر والتبدل ستطال هذه الشريحة التي ظلت على مدى تاريخ البشرية ترمز للحياة والأمل والمحبة والرأفة، غير أن تجربة لم تدم أكثر من أسبوع بوفاة قرة عيني البريئة ابنة أختي التي وافاها الأجل المحتوم يوم الأربعاء 26/05/20010 في مستشفيات داكار بالعاصمة السنغالية أبانت لي تلك الرحلة عن صنوف من المعاناة أبطالها أطباء أسماؤهم ملأت الدنيا وشغلت الناس، ومهما حاولت في هذه السطور التي لا تحمل سوى القليل ، وما هي إلا غيـض من فيض و قطـرة من بحر، فلن أوفِ الموقف حقه و لو أني استعنت بجل معـاني الحزن و الغيض..!!
كانت البداية مع مستشفى الشيخ زايد، حيث وصلناه في منتصف النهار، وكانت المرحومة في حالة انقطاع تام، فبادر الأطباء بحجز سرير لها في جناح الحالات المستعجلة، فباشروا الإسعافات الأولية، وبعد هنيهة زارنا بعض الأطباء أغلبهم ممرضون، وقالوا بلسان واحد أنها دون أدنى تشخيص تعاني من حالة عصبية عادية ،وقد تفاجأت يومها بالمستوى الذي يعامل بها المرضى داخل هذا المرفق الصحي، من عدم مبالاة وإهمال منقطع النظير..!!
بعد قضائنا ليوم كامل في هذا المستشفى قرروا اخراجنا منه رغم أن الفقيدة لم تفق بعد من غيبوبتها التي أصابتها، ونصحونا بالذهاب إلي متخصص في أمراض الأعصاب، ووقع خيارهم على اثنين من هؤلاء، ونظرا لحالة الهلع والارتباك التي كنا بها قررنا نقلها إلي أحد هذين الشخصين، فكانت البداية مع أول هؤلاء الذي يعمل في مصحة مولاتي، فاتصلنا بالعيادة وطلبنا منهم ابلاغه بأن ينتظرنا لأن حالة الصبية لا تقبل التأجيل ، فالوقت حينها قبل صلاة المغرب، فأكدو لنا أنهم سيبلغونه، ونظرا لزحمة المرور فقد وصلنا في حدود الثامنة والنصف بعد المغرب، فوجدناه قد غادر العيادة إلي منزله الذي يبعد عدة امتارعن المصحة، فما كان منا إلا أن توجهنا إلي منزله، فاستقبلنا بالطرد من قبل ذوي الدكتور،الذين فاجؤوننا بمستوى الخطاب الذي نزلوا إليه!!..
واصلنا رحلة المعاناة هذه إلي عيادة ابن سينا حيث يوجد الآخر، فمثل هؤلاء الأطباء كما هو معروف لا يداومون إلا في عيادات خاصة تدر عليهم دخلا، وقد سمحوا لنا بالدخول عليه دون انتظار بسبب الحالة التي عليها المرحومة، رغم الطوابير التي كانت أمامنا، وعندما عاينها طلب منا إجراء اشعة لها "أسكانير"، فقمنا بذلك في نفس العيادة، وعندما نظر إلي "أسكانير" سألناه عن حالتها فرد قائلا" سيكفيها هذا الدواء، وهو عبارة عن ثلاث حقن وبعض الحبوب، على أن نعود إليه بعد يومين، فثارت حيرتنا أكثر من مثل هذا الإجراء، إذ إن الصغيرة المرحومة في حالة غيبوبة ومع ذلك يطلب منا الذهاب بها كأي شخص حالته المرضية في حالة عادية..!!
وفي كل حالة كان الأمل يحدونا بأن ما يوصي به الأطباء يوحي بأن حالتها عادية وليست ذات خطورة تجعلهم يضعونها تحت العناية المركزة، فعدنا إلي المنزل في انتظار شفائها، وعندما عدنا في الموعد المحدد من طرف الدكتور، وكانت وضعيتها الصحية تزداد سوءا، طلب منا إجراء فحوصات لها في اليوم الموالي، وذكرنا بضرورة أن تتناول دوائها في الأوقات المحددة، ازدادت الحيرة اكثر، وخاطبته بالقول أننا على استعداد لنقلها لتلقي العلاج في الخارج، فرد علي بأن حالتها المرضية في منتهى البساطة ولا تحتاج إلي ذلك، في اليوم الموالي كنا على موعد مع الفحوصات، وفي المساء ذهبنا إلي العيادة لعرض نتائج الفحوص على هذا الشخص، فوجدناه في عطلة، وفي اليوم الآخر اضطررنا لنقلها إلي المستشفى الوطني بسبب تدهور حالتها الصحية، فكان من بين هؤلاء الممرضين في جناح المستشفى الوطني من أنكر ما نقلناه له عن هذه الرحلة مع مستشفى الشيخ زايد وعيادة ابن سيناء، فطلب منا ملف الفقيدة الطبي الذي لم يعط لنا أصلا، فاستنكر ذلك، واتصل على العيادة لطلب تزويدهم بالملف، ففوجئ بوجود المعني في رحلة إلي تونس، بعد ذلك تم نقلنا إلي جناح "جراحة الكسور والأعصاب" في المستوصف المركزي، وقاموا بإجراء فحوصات أخرى، وتم كل ذلك بغياب أي أخصائي، وعندما زارنا في اليوم الموالي أحد الأخصائيين طمأننا على حالتها المرضية، وقال انها جد عادية، صدقنا بطبيعة الحال كل ما يقال لنا رغم تعدد أشكال الإهمال والاستهتار بالمرضى وعدم التزام الأطباء بالمواعيد والتأخير عن الدوام الرسمي، الذي شاهدناه حتى في العيادات الخاصة..!!
لم نلاحظ طيلة مقامنا في هذا المستشفى بأننا في مكان للعلاج بسبب سوء الخدمات الصحية التي يشرف على تقديمها للمرضى بعض التلاميذ المتدربين في المدرسة الوطنية للصحة، بعد هذا كله قررنا اللجوء إلي مستشفيات العاصمة السنغالية داكار لطرق باب آخر في رحلة الأسباب لإنقاذ حياة تلك الصبية البريئة التي على الرغم من تسليمنا بأن وفاتها من قضاء الله وقدره، إلا أن ذلك لا يبرؤ أولئك الأطباء الذين أصبحت قلوبهم غلف بعد أن أزاغهم الشيطان عن تلك الأخلاقيات التي كانوا يوصفون بها عندما اختاروا المال والجاه بدل الرحمة والشفقة!!..
في يوم الأربعاء 26/05/2010 كان الموعد مع مستشفيات داكار، وخاصة في مستشفى لأمراض الأعصاب، وبعد اجرائهم للفحوصات تأكد لديهم أن المرحومة مريم بنت ملاي الزين تعاني من التهاب في البطن، وهو الشيء الذي غاب عن الأطباء الموريتانيين رغم الكشوفات الطبية الكثيرة التي أجريت لها، وفي طريقها إلي عيادة خاصة بمثل هذا النوع من الأمراض وافاها الأجل المحتوم عن عمر لم يتجاوز 18 سنة، لتضع رحلة تلك الطفلة البريئة مع المستشفيات والعيادات الوطنية أكثر من سؤال حول أهلية هؤلاء وأخلاق أولئك..!!
وإنا لله وإنا إليه راجعون
الحسن ولد الشريقي

نقلا عن السراج الإخباري