مشاهدة النسخة كاملة : فضيحة العاجزين وانكشافهم


أبوسمية
05-29-2010, 07:19 AM
فضيحة العاجزين وانكشافهم
رشيد ثابت


حكاية الصمود والتحدي التي يلعب دور البطولة فيها الزوجان لمى خاطر وحازم الفاخوري كشفتنا وفضحتنا. قرر الزوجان أن يصمدا ويضربا مثلا فانكشف الناس وانكشف كثيرون من أبناء الشعب بحركييه وعوامه، وإسلامييه وعلمانييه، وإسلامييه الصقور وإسلامييه الحمائم، وإسلامييه "الزغاليل" أيضًا...

يصر الزوجان على العيش في زمانهما الكفاحي الخاص متناسيين أننا نعيش أزهى عصور البراغماتية والعملانية والتوسط وخفة اليد. يصران على التصرف كما لو أنهما مزروعان في مسرح عمليات حرب مشتعلة ضد العمالة والصهينة؛ متجاهلين عن عمد ديكور الخيانة الباهظ الثمن الذي يملأ المكان، والمؤثرات التي تملأ السمع والبصر عن "عملية السلام" و"نبذ العنف" و"خارطة الطريق" وعقيدة تقديم راتب عباس عن فياض عن المانح الأمريكي على الأهل والولد، وثوابت السماء والأرض!

على مدى الأيام الماضية تبارى الكتاب المحترفون والهواة في الإبراق برسائل التأييد للأخت لمى خاطر – الكاتبة الفلسطينية التي اعتقلت مخابرات سلطة فتح زوجها الأخ حازم الفاخوري للضغط عليها لتكف عن الكتابة – وتتابعت رسائل القراء المعلقين المتعاطفين من شتى أنحاء العالم. كم هي جميلة الكلمات التي كتبت تأييدا وتضامنا مع الزوجين وتحية لهما؛ لكن الكلمة الأبلغ والأشد خطورة لما تقل بعد. الكلمة تحشرج في صدورنا جميعا؛ وهي سؤال صارخ لا شك أنه يدور في رؤوس الكثيرين من أمثالي عن الذي أفقدنا القدرة على التحدي، وعن الذي ينقصنا لنصنع كما يصنع حازم ولمى.

غني عن القول أن هذا التساؤل المرسل الذاهل لا يخص ولا ينبغي أن يصدر باسم أيٍّ من الجرحى أو المعتقلين الحاليين أو السابقين أو أسرهم أو أسر الشهداء أو كل من قدموا ويقدمون التضحيات من حياتهم وأعمالهم وراحة بالهم واستقرار عوائلهم . هذه التساؤلات لا تخص من رهنوا حياتهم من أجل المقدسات ومن أجل فلسطين، وضحوا في سبيل ذلك بكل مشاريع الاستقرار الأسري والتطور المهني والوظيفي. هؤلاء جميعًا أناس محترمون وهم رفاق وإخوة أكفاء لحازم ولمى ولا ينبغي لهم أن يشعروا بالذنب. لكن السؤال المفتوح عما آلت إليه حالنا موجه منا إلينا؛ فبالأصالة عن نفسي وبالنيابة عن الكثرة الكاثرة من مجاميع الأمة الغثائية أسألنا جميعا: ماذا ينقصنا لنكون في موقع مضرب المثل – بالطبع أقصد مضرب المثل على نحو إيجابي؟ متى يمكننا أن نحضر في صلب المادة الخبرية كأبطال، وليس كمجموعات صماء لا ملامح لها، ولا تصلح إلا لاستدرار شفقة تخالطها الزراية والاحتقار؟

حازم الفاخوري أسير "مكرر" سابق لدى الاحتلال، وكان بوسعه أن يحتج بمثل هذا الرصيد النضالي ليقول لزوجه قد كفانا ما قدمناه... وحسب هذه الأسرة الصغيرة من التضحية ما سبق وأعطته، ولننصرف لتربية الأولاد وتعزيز مصدر دخلنا ومعاشنا. لمى خاطر أيضا خلفت زوجها في قيادة دفة الأسرة ردحا من الزمن؛ وهذه رتبة متقدمة في التضحية كانت كفيلة بأن تنيل الكثير من الغثائيين شبعهم من الكفاح، وتجعلهم يرضون من مشوار البطولة بالإياب للانصراف للحياة والاستقرار – وربما كتابة مذكرات عن مسيرة طويلة من النضال. لكن إذا كانت النفوس كبارًا فإنها تتحدى غطرسة المحتل – وتابعه العميل – ولا تقبل بكل مكرمة إلا كدرجة في السلم، أو مرقاة للكرامة التالية الأعلى والأكبر. لقد اختار حازم أن يوفر الغطاء الكامل لمسيرة لمى، واختارا معا أن يكشفا ضعفنا وعجزنا وقلة حيلتنا.

الخير في الأمة بعامة وفي الشعب الفلسطيني بخاصة موجود ولاريب. الناس في مجموعها العام لا زالت مع ثوابت الأمة؛ ولكم أن تروا كيف يصوت الناس لشعارات الحق والمقاومة و"الإسلام هو الحل" في أية انتخابات حرة تعقد في أرجاء الوطن العربي (بصرف النظر عن أهلية الإسلاميين كلهم أو بعضهم لحمل هذا الشعار كل أو بعض الوقت). لكن الكثرة الكاثرة التي تناصر المشروع الإسلامي تتعاطف معه دون التفريط في حقها في الحياة قيد أنملة: حقها في فتح المتجر بداية كل نهار، أو حقها في الذهاب يوميًّا للمكتب لممارسة أعمالها أو حضور المحاضرة في الصف الجامعي على وقتها. هذه الفئة تتعاطف مع المشروع الإسلامي وتدعو له ولأصحابه و"تتبرع" وتكتب، وربما في مواسم العز النضالي تفرز من يتقدمون للخطابة والحديث باسم المشروع على رؤوس الأشهاد في ديوان العائلة أو في برامج التلفزيون التي تتلقى مكالمات المتصلين. لكن أبناء هذا الفريق عموما سيذهبون في اليوم التالي للعمل أو المعهد الدراسي؛ حتى لو قصف جيش الاحتلال غزة أو اقتحم المستوطنون المسجد الأقصى. فبعض الناس يفعل ما يقول، وأكثرهم "مَذِقُ اللسان يقولُ ما لا يفعلُ".

هذه حال الكثرة الكاثرة من الأنصار؛ لكن ليس هذا كل شيء. فهناك أيضا القلة المؤمنة المناضلة المضحية التي عليها وعلى أمثالها أثنى رب العزة حين قال: "كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين". آلاف قليلة من هؤلاء الصابرين المضحين المرابطين هم من يدوخ الكيان الصهيوني وعملاءه، وباسم هؤلاء وعلى عاتقهم قامت وتحركت الانتفاضتان وكل فعاليات الجهاد الفلسطيني، ولولا الله سبحانه وتعالى ثم هؤلاء لاندثرت القضية من عهد بعيد، ولضاع المشروع الوطني والإسلامي، ولما وجد المتعاطفون والمتضامنون ما يوقظ ذهولهم ويحرك مشاعرهم.
الوهن وحب الدنيا وكراهية الموت تسيطر علينا – بل إن أكثر الناس لا يعشق الحياة وحسب بل يكره انتقاص مثقال ذرة من امتيازاته ومكتسباته من حطام الدنيا؛ وهو مستعد للقتال بكل أدوات البقاء حفاظا على تعدد ألوان الأطعمة على المائدة، وامتلاء خزانة الثياب بأحدث ما أبدعته الموضات، وحرصا على كل بوصة مربعة من شاشة تلفزيونه الحديث. هؤلاء لا يحدثون فرقا. هؤلاء – على عكس صناع التاريخ في فريق حازم وإخوانه ولمى وأخواتها - هم الذين يمضون فلا تحس منهم من أحد ولا تسمع لهم ركزا...وإلى أن نغسل نفوسنا من درنها ونجلخ ما تراكم على أفئدتنا من صدأ العجز والتقصير فستكون حكايا الأبطال مناسبات لنا - نحن أبناء القطاعات الغثائية - لممارسة شعائر أضعف أضعف الإيمان. لكن للأكثر صحيانا منا والأكثر إدراكا للواقع المر، ستكون حكايا جيوب الصمود الخضراء المنتشرة في صحارى العجز لحظات عصيبة من الإحراج، والإحساس الأليم بفضيحة الانكشاف..
ــــــــــــــــــ
* كاتب فلسطيني - السويد

نقلا عن المركز الفلسطيني