مشاهدة النسخة كاملة : على طريق الخلاص من الأنظمة الإنقلابية


أبو فاطمة
05-28-2010, 10:32 AM
على طريق الخلاص من الأنظمة الإنقلابية/
عبد الفتاح ولد اعبيدن

المدير الناشر ورئيس تحرير يومية "الأقصى"

معوقات التنمية والبناء والإصلاح في أي بلد كثيرة ومتنوعة، خاصة في العالم الثالث -حسب التقسيم الرائج في هذه الحقبة-إلا أن وعي وإدراك هذه المعوقات والحاجة الملحة للخلاص منها، وكيف يتم الوصول عمليا إلى ذلك المقصد، كل هذا يمثل جزءا محوريا من الوعي اللازم لأي أمة تحرص على النهوض والانعتاق من قيود التخلف والخمول الحضاري.

والناظر في ساحتنا الوطنية منذ 10 يوليو1978 يلاحظ بسهولة أن جيشنا ترهل وطمع في الراحة والدعة والانشغال بما لا يعرف، في فترة سادت فيها الأنظمة العسكرية الانقلابية منطقتنا العربية والإسلامية على حساب الانتخاب والاختيار الشعبي الحر، فزج بالسياسيين المدنيين في السجون، وسلبت السياسة تدريجيا جذوتها النضالية إلى صفقة تتراوح بين الصمت أو المبايعة للحاكم العسكري المتغلب، أيا كان!!!.

ومن غير الصعب أن يستخلص المتابع لهذا المسار السياسي المرتهن للثكنات، أن أكبر علة في نظامنا السياسي المحلي، هنا في موريتانيا بالذات، هي تدخل العسكر في السياسة وشؤون الحكم، ولن تصبح الوضعية طبيعية، ما لم تتراجع جموع الانقلابيين المغرورين الطامعين إلى مواقعهم التقليدية، العسكرية الصرفة، ويتركوا اللعبة السياسية للمدنيين، كما هو معتاد في التجارب الديمقراطية الجادة، رغم ما قد يصيب تلك التجارب من النقص والشوائب.

ولا يعني خلو الأمر العمومي للمدنيين صلاحه وتوازنه التلقائي وإنما -على الأقل-رجوع الطقس السياسي -كما أشرت آنفا-إلى صيغته المنطقية، المأمول ارتقاؤها إلى مستوى الاستقرار والنماء، ولو على مراحل غير معدومة الكلفة والمتاعب.

ومن غير حاجة للمزيد من نكء الجراح وتحريك الملفات، المفعمة بالتسيير السيئ-في بعض الاحيان- للشأن العام منذ 10 يوليو1978 وإلى اليوم فقد حان القول المصحوب بالفعل المجسد: إرحلوا يا اصحاب القبعات، فقد أكلتم إلى حد التخمة، ولعبتم إلى حد التصابي والمجون، وحكمتم إلى أن عبرتم إلى مفازة ملل وسأم الشعب من قهركم وغروركم المؤذي.

تركتم مهنتكم الأصلية فنسيتموها، إلى أخرى لم تحسنوها يوما قط، على وجه نموذجي نوعي، لتصبح مشيتكم وطريقتكم بين الديار مزيجا من العسكرة المشوهة والقيادة السياسية المسكونة باستمرار بخلفية الأمر والنهي العسكري الجامد، الذي لا يقبل النقاش والحوار، ولا يعرف التنوع والاختلاف مع المودة والتسامح، وقد قيل "إن الخلاف لا يفسد للود قضية".

لقد حكم الجيش الموريتاني الشعب الموريتاني دون تخيير حقيقي قرابة اثنين وثلاثين سنة، وهذه عبودية ضمنية إن لم تكن في الحقيقة مباشرة، أفما آن لهذا الاستعباد أن يتوقف؟!.

ومن أجل أن يتوقف ينبغي أن ندرك ونعترف أولا أنه غير لائق، وغير سليم إطلاقا، ومضر في العمق.

وقد جر على البلد الويلات والمآسي المتواصلة.

ليس من أهمها فحسب، بروز طبقة من الأثرياء العسكر المعروفين، ومن جميع الأسلاك العسكرية، وهذا أمر مشين وجلي، لكن ضياع البلد أخلاقيا وسياسيا وبجميع الاعتبارات تقريبا هو الأخطر، سوى نزر من الانجازات المحدودة، بالمقارنة مع ما تيسر من فرص تمويل، ومقابل ما تتمع به البلاد من مقدرات معنوية ومادية، ضاعت كلها أو ضيعت دون إستغلال وتوظيف ذي بال.

النخبة والرأي العام الوطني بصورة واسعة من حقه أن يتوق إلى مسرح سياسي بعيد من تأثير المؤسسة العسكرية الديكتاتورية الحاكمة، وإن لم يتحقق هذا الأمل الصعب على أرض الواقع، فما عداه من شعارات وبرامج واستيراتيجيات لبناء الوطن، سيبقى مشابها لمحاولة إقامة عمارة شاهقة عتيدة دون أساس!!!.

ولعل موريتانيا بوضع دستوري شوروي أو بعبارة أخرى ديمقراطي تعددي لم تر النور، منذ أن ادعينا الاستقلال وإلى اليوم.

ولذلك سهل حكمنا من طرف بيانات الأليزه والناطقين باسم الخارجية الفرنسية، كما سهل التلاعب بسيادتنا من قبل المغرب أو السنغال، أو غيرها من الجهات الدولية أو الاقليمية، الطامعة في التأثير علينا، تبعا لضعف بنيتنا السياسية والقانونية.

ولهذا السبب ظلت موريتانيا -على الصعيد المحلي- كرة ميسورة للعب على أيدي أدعياء الحكمة والقيادة، والغرور متصاعد "بعبقرية" هؤلاء، رغم أنها كرست إما التبعية الخارجية، خصوصا للمستعمر الفرنسي أو إرتهنت الأمة بأسرها لبعض المجندين الانقلابيين، المغرمين بالكراسي والمال والنفوذ، دون حساب دقيق حذر لعواقب ذلك الجموح.

لقد أفسدت السياسة جيشنا، فأصبح كل همه هو التفكير في الانقلاب تلو الآخر، للوصول إلى السلطة من أجل المال والنفوذ على ظهر دبابة ومدفع، وهذا عار كبير يمس من شرف جميع الانقلابيين، وعبر الوطن العربي والعالم الاسلامي كله.

ومازال إحتمالية الإنقلابات قائمة، حتى تكررت مرتين، لعبة الانقلاب ثم الانتقال ثم الانقلاب وإنتقال آخر، دون أمل في نهاية هذا المسلسل المخزي اللعين الاستعبادي.

فهل يصحو الضمير الجماعي للنضال السلمي الحذر الحازم من أجل الخلاص من ربقة جيشنا المغتصب للحكم العمومي والمال العمومي، وبحجة واحدة، أن السلطة "بطعميتها" أي لها حلاوة، مع تلبيس ومتاجرة مكشوفة ببعض الشعارات، التي ما بات طابعها الاستهلاكي يخفى إلا على من يريد ذلك ويتعمده.

نقلا عن تقدمي