مشاهدة النسخة كاملة : الإمام محمد عبده: العالم المجدد والوطني الثائر


أبوسمية
05-27-2010, 09:15 PM
الإمام محمد عبده: العالم المجدد والوطني الثائر

بينما مجتمعاتنا العربية والإسلامية في القرن 19 تعاني الأمرين، الإستعمار الأوروبي وما يحمله من مآسي ومآزق من جهة، والجهل والتخلف والانحطاط الديني والاجتماعي والفكري من جهة أخرى، في وسط هذه الظلمة الحالكة، برزت أسماء مضيئة بعقول متفتحة و بصائر نافذة، نغبطهم عليها نحن أبناء القرن الحادي والعشرين
ففي تلك الأيام الصعبة ظهرت نجوم عظيمة في فضاء العالم الإسلامي، أمثال جمال الدين الأفغاني، وعبد الرحمن الكواكبي ومحمد عبده، وبعدهم رشيد رضا وغيره.
أنار الإمام المجدد والوطني الثائر محمد عبده كرائد عظيم للإصلاح الديني والإجتماعي، الطريق أمام دعاة الإصلاح للسير قدما نحو إستعادة المجد الضائع للحضارة الإسلامية، وكشف الإمام المجدد والوطني الثائر محمد عبده للناس عن كثير من وسائل النهضة وسبل التقدم، فرفع راية الجهاد ضد مظاهر التخلف، ودعا الشباب إلى نبذ أسباب الجمود والتوقف، وسار يناهض سطوة الحكام الإنجليز، ويزيل ظلام الغشاوة من عيون الناس، ليقاوموا الفساد، ويطردوا عن أنفسهم عوامل اليأس والقنوط اللذين أصاباهم بسبب الإحتلال الأجنبي البغيض أرض الكنانة " مصر" الذي أدى إلى تخلفهم عن اللحاق بالركب الحضاري العالمي الناهض.
أذن ما هي الخطوات التي سلكها الإمام المجدد و الوطني الثائر محمد عبده لتحقيق الإصلاح الديني و الإجتماعي والفكري الذي ينشده؟ وكيف كانت شخصية وحياة هذا الإمام الرمز؟ بعبارة أخرى ما الشيء الجديد الذي أتى به الإمام المجدد والوطني الثائر محمد عبده ليوفق بين روح الإسلام ومطالب العصر؟ هذا ما سأجيب عنه في ثنايا هذا المقال مع إستنتاج مختصر في نهايته إن شاء الله.
لقد أدرك محمد عبده ببصيرته النافذة أنه لا يصلح حال هذه الأمة إلا بما صلح به أولها، فالدين هو أساس الإصلاح في كل زمان ومكان، فشرع في تطوير الأزهر، مناهجه ومدارسه، وراح يعقد الجلسات التعليمية ليوضح للناس مراد الله من خلقه، وأخذ يكتب المقالات التنويرية في الصحف ليرقى بعقول الناس ويعلو بثقافاتهم، وكان له في كل وظيفة تقلدها أو عمل تولاه بصمات تجديدية واضحة، غايتها نبذ التقليد العقيم السائد، وبالتالي تحقيق الإصلاح الديني والإجتماعي والفكري الذي ينشده، ولم يكن الطريق الذي سلكه محمد عبده لتحقيق الإصلاح مفروشا بالورود، بل كان مليئا بالأشواك ،مرصوفا بالوعورة، وهو الذي وصفه مستشرف أمريكي، فقال " كان محمد عبده فلاحا صميما، وليد تربة مصر العريقة، قبل أن يغدو فقيها وإماما للمسلمين وإننا لنلمح في إخلاصه لبلده وفي دعوته إلى الوطنية، مزاجا عجيبا من الوفاء للماضي المجيد، والإستمساك بيقين الدين"لقد كانت شخصية الإمام المجدد والوطني الثائر محمد عبده منفتحة على العالم، وهذا ما جعل البعض يعترض عليه قائلا" ماذا هذا الإمام الذي يتكلم بالفرنسية، ويسيح في بلاد الإفرنج، ويترجم مؤلفاتهم، وينقل عن فلاسفتهم، ويباحث علماءهم، ويفتي بما لم يقل به أحد من المتقدمين"، كانت حياة الإمام مثل شخصيته خصبة، حافلة، صنعها بقلبه وقالبه، فكان يطالع، ويتعلم، ويحرر جريدة" الوقائع المصرية" ويلهم الثورة العرابية، وينشر دعوة " العروة الوثقى" في العالم الإسلامي كله، ويشتغل بالقضاء في المحاكم ويعلم في الأزهر، ويصدر الفتاوى المستنيرة، ويشترك في جلسات مجلس" شورى القوانين" وفي مجلس الأوقاف الأعلى، ويؤلف الرسائل الدينية، وينشر المقالات السياسية و الفلسفية، ويفسر القرآن، من خلال رؤيته الثاقبة التي ترى أن إصلاح الأمة لا يكون إلا بإصلاح عقول و قلوب أبنائها.
لقد ولد الشيخ محمد عبده عام 1849 في قرية " محلة نصر" في محافظة البحيرة، لأسرة متوسطة الحال تعمل في الزراعة، وتوسم أبوه فيه ذكاء ونبوغا فأراد أن يجعله من رجال الدين، فأدخله مدرسة القرية ليحفظ القرآن، وجاوز العاشرة من عمره وأتم حفظ القرآن الكريم وذهب إلى "الجامع الأحمدي" في طنطا، ليتم تجويد القرآن ودراسة قواعد اللغة العربية، لكن منهج التعليم في "الجامع الأحمدي" كان شاقا على الصبي الصغير، الذي كان يعتريه اليأس، ففكر في أن يعود إلى قريته ويشتغل مثل إخوته في الزراعة لولا أن إلتقى أحد أخوال أبيه الذي أعاد إليه ثقته بنفسه وقد وصف الإمام المجدد والوطني الثائر محمد عبده الأثر الذي تركه فيه قريبه ذاك وكان يدعى الشيخ درويش، فقال " تفرقت عني جميع الهموم ولم يبقى إلا هم واحد هو أن أكون كامل المعرفة كامل أدب النفس، ولم أجد إماما يرشدني إلى ما وجهت إليه نفسي سوى ذلك الشيخ، الذي أخرجني في بضعة أيام من سجن الجهل إلى فضاء المعرفة" وانتقل الإمام إلى الدراسة في الجامع الأزهر عام 1866م وحصل منه على شهادة العالمية عام 1977م فأصبح من حقه التدريس في الأزهر وراح يلقي دروسا في التوحيد والمنطق والأخلاق، إلى أن عين مدرسا في التاريخ الإسلامي في مدرسة دار العلوم، وعين في الوقت ذاته مدرسا للغة العربية في مدرسة الألسن.
مرت بالإمام المجدد والوطني الثائر محمد عبده خلال دراسته الأزهرية ظروف نفسية جعلته ينقطع عن الدرس والتحصيل ويحاول إعتزال العالم وأخذ يمارس ضروب الزهد والخلوة مع النفس، إلى أن وفد إلى مصر عام 1871 الإمام الداعية جمال الدين الأفغاني وكانت شهرته قد سبقته كداعية للتحرر من الإستعمار الأجنبي ووحدة الأمة الإسلامية ومجددا للفكر الديني معليا من شأن العقل فصار الإمام محمد عبده من أقرب تلاميذه إليه، وأقدرهم على فهمه فلما صدر قرار إبعاد جمال الدين الأفغاني عن مصر للمرة الأولى قال يوم وداعه لبعض خاصته " لقد تركت لكم محمد عبده وكفى به لمصر عالما" وبدأ الإمام محمد عبده يكتب في صحيفة الأهرام معبرا عن أفكاره، متأثرا بأفكار أستاذه جمال الدين الأفغاني وكان مما كتبه عام 1877م مقال بعنوان " العلوم الكلامية والدعوة إلى العلوم العصرية" جاء فيه " فعلينا أن ننظر إلى أحوال جيراننا من الملل "الشعوب" والدول وما الذي نقلهم من حالهم الأول وأدى بهم إلى أن صاروا أغنياء أقوياء حتى كادوا أن يتسلطوا علينا بأموالهم ورجالهم إن لم نقل قد تسلطوا بالفعل، فإذا حققنا السبب وجب علينا أن نسارع إليه حتى نتدارك ما فات وها نحن بعد النظر لا نجد سببا لترقيهم في الثورة والقوة، إلا إرتقاء المعارف والعلوم فيما بينهم حتى قادتهم إلى رشادهم فإذن أول واجب علينا هو السعي بكل جد وإجتهاد في نشر هذه العلوم في أوطاننا" ومضى الإمام في كتاباته إلى جانب عمله في التدريس، إلى أن تولى الخديوي توفيق عرش مصر، فشعر بخطر أفكار الأفغاني وتلميذه محمد عبده على عهد وحكمه، فعزل محمد عبده من التدريس في دار العلوم عام 1879م وحدد إقامته في قريته وبعد عام من تحديد إقامته صدر عنه العفو، فأراد رياض باشا إصلاح جريدة الوقائع المصرية وتطويرها وكانت لسان الحكومة الرسمي، فعين الإمام محمد عبده محررا فيها تم جعله رئيسا لتحريرها، وسار الإمام في تحرير الصحيفة وإصلاحها فأنضم إليها الزعيم سعد زغلول وغيره من كبار المصلحين و المثقفين المستنيرين الذين يحلمون بوطن متطور يتمسك بأصول الدين من دون قشوره داعين إلى التقدم العلمي من دون تقليد الظواهر المادية الغربية البراقة، ثم قامت الثورة المصرية بقيادة الضابط أحمد عرابي، فسارع الإمام محمد عبده بتأييدها ومناصرتها بعزيمة وإخلاص تحقيقا لحرية الشعب المصري وإستقلاله في الداخل والخارج، و بعد أن تدخل الإنجليز وتم القضاء على ثورة الجيش بقيادة أحمد عرابي وجهت إلى الإمام محمد عبده تهمة التآمر مع الثورة فحكم عليه بالسجن ثلاثة أشهر، ثم بالنفي ثلاث سنوات، لأنه أفتى بعزل الخديوي توفيق فأختار الإقامة في سوريا و رحل إليها عام 1883 فرحب به أهلها وأعجبوا بعلمه وفضله فأقام هناك فترة، فأغتنموا إقامته بينهم وعهدوا إليه بالتدريس في بعض مدارسهم، ومن سوريا إلى باريس مستهل العام 1884م ليلتقي أستاذه جمال الدين الأفغاني وكانا قد تواعدا على اللقاء هناك، لينشئا معا جريدة " العروة الوثقى" فكانت بذلك أول جريدة تصدر بالعربية في أوروبا وكان مكتبها في باريس ندوة لجميع الشرقيين من المثقفين والزائدين ولكنها لم تعمر طويلا حيث طوردت من الإستعمار البريطاني والسلطات الحاكمة في البلاد الإسلامية المحتلة وإن كانت قد تركت صداها لدى المسلمين كافة لما حملته من أفكار متحررة تناقض ما هو مستقر في أذهان الناس، وسافر الإمام محمد عبده عام 1885م إلى بيروت وعهد إليه بالتدريس في المدرسة السلطانية فألقى فيها دروسه المشهورة في علم الكلام وهي الدروس التي كانت ركيزته الأساسية لرسالة كتبها بعنوان " رسالة التوحيد" عن صفات وأفعال الله سبحانه وتعالى ويبدو أن نشاط الشيخ في بيروت لم يكن على هوى الخلافة العثمانية فسعى " السلطان عبد الحميد" لدى الحكومة البريطانية إلى إصدار العفو عن الإمام محمد عبده ليعود إلى وطنه مصر، وعاد الإمام محمد عبده إلى مصر عام 1888م حيث عين قاضيا في المحاكم الشرعية وعمل في محاكم بنها والمنصورة والقاهرة وعين عام 1894م نائبا لرئيس محكمة الإستئناف في القاهرة وقد عرف أثناء عمله في القضاء بإستقلال الفكر وكان يتوخى في أحكامه إيقاظ الوعي وإصلاح ذات البين وكان وديا بين المتقاضين قبل أن يصدر أحكامه، بعد ذلك عين الإمام محمد عبده سنة 1899م مفتيا للديار المصرية، وامتازت فتاواه بالبعد عن التقليد وكان يضع أمام ناظريه دائما الملاءمة بين روح الإسلام ومطالب العصر وكان من أشهر الفتاوى التي أثارت عليه سخط الشيوخ المتزمتين وجلبت عليه ضروبا من القدح والتشهير، إباحته للمسلمين أن يأكلوا من ذبائح غير المسلمين عند الضرورة القصوى، وأفتى بالسماح للمسلمين أن يتزينوا بزي غير زيهم التقليدي تيسيرا لهم في أمور معا شهم، كما أصدر فتواه التي أعتبرت تجديدا مهما في الفقه وهي الفتوى الخاصة بصحة " نظام التوفير في البريد بالأرباح" وصحة نظام التأمين وهو ما ساعد على تأسيس النهضة الأولى للإقتصاد المصري عن طريق الإدخار الإجتماعي وإستثمار المدخرات لمصلحة المجتمع، وبضرورة تعلم لغات الأمم الأخرى، طلبا للعلم والحكمة وتجنبا للشرور الوافدة أو الثابتة، وعين الإمام المجدد والوطني الثائر محمد عبده يوم الخامس والعشرين من شهر يونيو سنة 1899م في مجلس" شورى القوانين" فسار على نهجه الخاص في السمو عن الأغراض الخاصة. وإستهداف المصالح القومية الكبرى كما كان من أوائل مؤسسي " الجمعية الخيرية الإسلامية" التي كانت تهدف إلى التعاون بين الأفراد، ومد يد العون للمحتاجين وتوفير فرص العمل للقادرين عليه، ويرجع إليه الفضل في إنشاء " مدرسة القضاء الشرعي" وتأسيس " جمعية إحياء الكتب العربية القديمة" وفي تلك الآونة من حياة الإمام محمد عبده، نشر وزير خارجية فرنسا، "جبريل هانوتو" مقالا في صحيفة "لوجورنال" الباريسية سنة 1900م بعنوان " موقفنا من الإسلام والمسألة الإسلامية" فلما ترجم المقال ونشر في صحيفة " المؤيد" بادر الإمام إلى الرد عليه مفندا ما زعمه " هانوتو" من فوارق بين المسيحية والإسلام فيما يتصل بالخالق سبحانه، وحقيقة القضاء والقدر وحرية الأفعال ورفض ما زعمه " هانوتو" من قيام التعارض بين الساميين والأريين ولامه الإمام محمد عبده في النهاية لإستخدام معلوماته التاريخية المغلوطة في محاولة التأثير في أفكار الفرنسين الذين يجهلون حقيقة الإسلام، وقد أشتهر هذا الرد كما أشتهر رده على "فرح أنطون"، الذي نشر مقالا عن الفيلسوف " إبن رشد" ورد في سياقه تعريض بالإسلام و المسلمين، وقد نشر الإمام رده هذا في كتابه،" الإسلام والنصرانية مع العلم والمدنية"، وكان الإمام محمد عبده يردد دائما مقولته الشهيرة "إنما بقاء الباطل في غفلة الحق عنه" وكانت هذه المقولة شعارا لحياته التي أفناها في خدمة وطنه ودينه، فتعرض لحملات ظالمة، رموه فيها بمخالفة العرف، والخروج على طاعة السلطان بهذه الروح الثائرة وضع لجريدة "الوقائع المصرية" التي رأس تحريرها ميثاق شرف يقضي بإلزام الصحف جميعا بالوقوف عند حدود الوقار فيما تكتب مع إطلاق الحرية لها في تبيين الحقائق وكشف وجوه الخطأ والصواب من دون خوف.
وفي الساعة الخامسة من مساء يوم 11 يوليو عام 1905م توفي الإمام المجدد والوطني الثائر محمد عبده بالإسكندرية بعد معاناة من مرض السرطان عن سبع وخمسين سنة ودفن بالقاهرة، ورثاه العديد من الشعراء.
وأخيرا وليس أخرا كإستنتاج فإن الإمام المجدد والوطني الثائر محمد عبده يعد واحدا من أبرز المجددين في الفقه الإسلامي في العصر الحديث، وأحد دعاة الإصلاح وأعلام النهضة العربية الإسلامية الحديثة، فقد ساهم بعلمه وإجتهاده في تحرير العقل العربي من الجمود الذي أصابه لعدة قرون، كما شارك الإمام المجدد والوطني الثائر محمد عبده في إيقاظ وعي الأمة نحو التحرر، وبعث الوطنية وإحياء الإجتهاد الفقهي لمواكبة التطورات السريعة في العلم ومسايرة حركة المجتمع وتطوره في مختلف النواحي السياسية والإقتصادية والثقافية، فقد وقف الإمام المجدد والوطني الثائر محمد عبده رحمه الله ضد الرشوة والمحسوبية والإسراف والتفاخر بالمظاهر، وشدد على ترك البدع الضالة، لمنافاتها الشرع والعقل ونادى الإمام المجدد والوطني الثائر محمد عبده بوجوب إبطالها وتطهير الإسلام منها، ولم ينسى الإستعمار وأذنابه فكتب يقول رحمه الله "لا عار على أمة قليلة العدد ضعيفة القوة، إذا تغلبت عليها أمة أشد منها قوة وقهرتها بقوة السلاح، وإنما العار الذي لا يمحوه الدهر، هو أن تسعى الأمة أو أحد رجالها أو طائفة منهم إلى تمكين أيدي العدو من نواصيهم إما غفلة عن شؤونهم، أو رغبة في نفع وقتي".
وأختم بأنه يكفي للإمام المجدد والوطني الثائر محمد عبده شرفا أن تكون من أهم آثاره " إضافة طبعا إلى مؤلفاته القيمة" أولئك الأعلام الذين تأثروا بعلمه وساروا على هدى نصائحه وإرشاداته حيث كانت جلساته لنشر العلم وتفسير كلام الله عز وجل تكسب كل من أستمع له حكمة وعلما، وكان يحضر مجالسه سعد زغلول، وقاسم أمين، وحسن عاصم، وعلي فخري، ولطيف سليم، وحسين رشدي، وعدلي يكن، وعبد الخالق ثروت، وأحمد حشمت، وفتحي زغلول، ومحمد فريد، وعبد الكريم سليمان، ومحمد ماهر باشا، وغيرهم من الشخصيات المعروفة في العالم العربي والإسلامي

نقلا عن السراج الإخباري