مشاهدة النسخة كاملة : هؤلاء هم اليهود - محمد عبد السيد - مصر


محمد عبد السيد
05-27-2010, 07:24 AM
هؤلاء هم اليهود -

لئن كان التاريخ اليهودي يتميز بظواهر لابد للدارس من ملاحظتها كالغرور وفقدان الرغبة في الحوار وإثارة مخاوف الآخرين والارتباط بفلسطين وتمسكهم المطلق بقانون العودة لما يسمونه أرض الميعاد، وكل ذلك مثبت في كتبهم ومذكرات قادتهم ووصاياهم، إلا أن عبادة القوة والتحالف مع الأقوياء يكاد يكون ملمحاً رئيساً بارزاً في التوراة التي تمجّد القوة وتركز على الاهتمام بالحروب•
الوهم بالقوة كرسته حرب العام 1967 فقد جعلت الصهاينة يغترون بشجاعتهم وشجاعة جيشهم الذي وصفوه بالجيش الذي لا يقهر•
تبدأ علاقة اليهودي بالعالم من خلال نظرته إليه كقسمين منفصلين: يهودي وغير يهودي، ونظرة اليهود إلى الشعوب الأخرى مشوبة بالإهمال من حيث السلوك والأخلاق وإن أبدوا اهتمامهم وحذرهم من مراكز القوى لدى هذه الشعوب من أجل التحالف معهم لتحقيق مصالحهم وهذا لاينطبق على يهود العصر الحديث بل يمتد عبر تاريخهم منذ أن انقسمت مملكتهم بعد موت >سيدنا سليمان< إلى جزئين فوجدت إسرائيل ويهوذا•
سقطت الأولى على يد >الأشوريين< والثانية على يد >بنوخذ نصر<، وحين قام >قورش< ساعده اليهود لأنهم نظروا إليه كمخلص رباني واعتبروه المسيح المنتظر فقّدم لهم وعداً بالعودة إلى فلسطين•
هذه الأولى، أما الثانية فإن اليهود لاحظوا أن العلاقة بين الكلدانيين والمصريين متوترة وأن الاصطدام بينهما وشيك، ولماّ قدّروا أن النصر سيكون للمصريين، سارعوا إلى التحالف معهم، وحين برزت قوة المسلمين على الساحة الدولية، تحالف معهم اليهود، حتى وصل الأمر إلى أن يتجسسوا على الروم لصالح المسلمين•
أما في الأندلس، فقد استقبل اليهود المسلمين استقبالا يليق بالفاتحين وعندما أفل نجم المسلمين هناك راح اليهود يتجسسون عليهم لصالح المستعمرين الغربيين وتحريضهم على غزو بلاد المسلمين، وهذا مافعلوه عندما لمع نجم >هولاكو< في الشرق، اتصل به اليهود وحالفوه وقدّموا له المال والمشورة، قبل أن يصل إلى بغداد، وعندما دخلها أعمل سلاحه في رقاب المسلمين ونجا اليهود فلم يُقتل منهم أحد•
في العصر الحديث، بدأ رهان اليهود على فرنسا فحالفوها وتعلموا لغتها وعملوا في خدمتها إلى أن ظهرت إنكلترا قوة جديدة فتحولوا إليها وربطوا مصيرهم بمصيرها بل راحوا يغرون الإنكليز باحتلال فلسطين، متخذين من لندن مركزا للنشاط اليهودي الصهيوني ثم تركوا لندن وتوجهوا إلى برلين عندما برزت ألمانيا قوة سياسية، فتعلموا اللغة الألمانية وترجموا إليها التوراة وعقدوا المؤتمرات حتى ظهور >هتلر< الذي تحاول آلة الإعلام اليهودي تصويره عدّوا لليهود، فقد ظلواعلى صلة به، محاولين استثمار كرهه لمساعدتهم في الهجرة إلى فلسطين، لكن >هتلر< رغم إغلاقه النوادي ومصادرته الصحف إلا أنه استثنى من ذلك الصحف اليهودية! ومن ذلك تحول اليهود بعد ذلك مرة أخرى لمحالفة الإنكليز وبعد الحرب العالمية الثانية تحولوا إلى أميركا بعد أن أدركوا تحوّل مركز القوة العسكرية والسياسية إليها•
هذا التمسك بالأقوياء، انسحب على حب اليهود للقوة نفسها ولعل هذا أحد الأسباب في جعل دولتهم عسكرية في المقام الأول، وجعل شعبهم بالكامل جيش احتياط قادر على حمل السلاح في أي لحظة والالتحاق بوحداته عند الطلب، لنقرأ وندقق فيما قاله >حاييم وايزمن< لقد فشل أعداؤنا في جهودهم لضربنا بالقوة الوحشية مع أنهم فاقونا عدداً بنسبة 10 -1 >
إن الطرح الإسرائيلي لمفهوم السامية سواء أكان في مستوى تصنيف الشعوب، أم في مستوى تصنيف اللغات، يتمركز حول العنصر اليهودي، وكأنه الوريث الشرعي الوحيد للسامية، أو هكذا أرادوا أن يكونوا في هذا الموقع، كما أرادوا أن تكون السامية رمزاً لتفوقهم العنصري المزعوم وإرثاً دينياً توراتياً وتاريخياً، مقتصراً عليهم وحدهم من دون غيرهم• وقد دفعهم التشبث ـ ظاهرياً بالسامية إلى مزاعم وأباطيل وافتراءات على العالم والعلم، وعلى كل ما هو مقدَّس، فمن ذلك زعمهم >أن العبرية أقدم لغة إنسانية<، أو أقدم لغة عرفتها البشرية، وقد غالوا فزعموا أن لغة آدم هي العبرية، وهم بذلك يريدون أن يلغوا مبدأ وجود أصل لغوي سامي قديم، تفرعت منه اللغات السامية ومن بينها العبرية، وكأنهم يريدون أن يقروا أن الأصل السامي القديم يتمثل في اللغة العبرية وحدها، وأن غيرها تفرع عنها!! فهم الأصل وغيرهم الفرع، والأصل تتبعه الفروع، كما يُقال، وعرقياً كما زعموا: أنهم أحباء الله وأصفياؤه، وشعبه المختار!!•
وقد أدى بهم ذلك الشعور الواهم إلى الوقوع في عقدة التميز العرقي والاستعلاء والتفوق، الذي حملوه معهم حيثما حلوا عبر الزمان والمكان كما أدى بهم إلى الانكفاء على الذات، فعاشوا بمعزل عن المجتمعات، وقد دفعهم ذلك الشعور إلى مصادمات مع الأغيار، ومع كل أمة نزلوا ضيوفاً ثقلاء عليها، أو احتلوا أرضها، (أرض كنعان قديماً، وفلسطين حديثاً)، فجاءت ردة الفعل من الأغيار في أشكال مختلفة من صنوف القتل والتشريد والسبي >البابلي< والإبادة الجماعية >الهلوكوست<، والنفي >فقد نُفوا من بريطانيا قرنين من الزمان بسبب قتلهم الطفل >هيو<(1)، وطاردتهم اللعنات أينما حلوا وباؤوا بغضب من الله•
وبدأ كل مجتمع حلوا به يظهر العداء الشديد لهم، فينعكس ذلك على السامية التي يتحدر بعضهم من أصولها، ويحملون بعض صفاتها العرقية الغريبة عن المجتمعات الغربية، وعلى اللغة العبرية البعيدة عن لغات الغرب، وأصبح مصطلح >معاداة السامية< وبخاصة في المجتمعات الغربية المسيحية، ذات العرق الآري معادلاً موضوعياً لليهودي بموروثه الديني والأيديولوجي، وأسلوبه في التعامل مع الآخر وشعوره بعقدة التفوق على الأغيار، وأخذت تتفجر عداوات ومشاحنات وحسابات قديمة جديدة، بعضها على مستوى الديانتين >اليهودية والمسيحية<، وبعضها أو كثير منها يصدر عن منافسة محمومة غير شريفة في أسواق المال والعمل والحياة• لقد شاع في الشارع الغربي وغير الغربي لمن لا تعجبهم تصرفاته بأنه يهودي أو كاليهودي، ويتساءل المرء: لماذا لم يقع الاختيار إلا على شخصية اليهودي من بين شعوب العالم؟ في تقديري، لأنهم وجدوا فيه شخصاً محباً للمال، عاشقاً للحياة، مرابياً، محتالاً مماطلاً، لا يلتزم بعهد ولا ميثاق، فيصبح ذلك الوصف مطابقاً للسمت الذي ارتسم في الذاكرة الإنسانية لذلك اليهودي المتقلب عبر التاريخ، وعبر شخصيته التوراتية والتلمودية، وعبر تمرده على كل مقدَّس، وعلى الحق المطلق في جدلية، تقوم على الوهم والنرجسية وعبادة الذات، فيرسل الناس ذلك الوصف لعنة وسبة على ذلك السمت•
لم تكن معاداة اليهودي أو السامية، وبخاصة في المجتمعات الغربية إبَّان العصور الوسطى وعصر النهضة، أمراً عارضاً عشوائياً، ليست له مسوغاته ودواعيه، ومن يقرأ تاريخ اليهودي جيداً، يدرك هذه الحقيقة التي لا ندَّعيها عليه، فقد جاءت كردة فعل، شرعنها بعضهم بالقول تارة، وبالفعل تارات أخرى، وأصبح اليهودي شديد الخوف لمجرد التلفظ أو الجهر بمعاداة السامية لأنها تشكل في ذاكرته رمزاً يحمل في طياته مختلف اليوميات العصيبة، والذكريات الأليمة، والأحداث الجسيمة التي عاشها >اليهودي< في تاريخه الطويل، وأصبحت معاداة السامية تشكل هاجساً، وكابوساً مزعجاً لديه فيخشى منها ومن الجهر بها أن تتحول إلى أسلوب حقيقي فاعل في التعامل معه مجدداً، بعد أن وضعت الحرب عليه أوزارها، فيعيد التاريخ بعض صفحاته السوداء من بؤس اليهودي وشقائه عبر التاريخ، وتيهه في الأرض هائماً يبحث عن ملاذ آمن•
لقد استغل اليهودي أبشع استغلال محارق النازية >الهولوكوست< في المال والسياسة والدعاية وتكميم الأفواه، وأخذ يوظف ما أخذت تنادي به الدول الغربية والمحافل الدولية بعد الحرب العالمية الثانية من إعلاء لحقوق الإنسان وتكريس لمبدأي العدالة والمساواة التي كان >اليهودي< في الأغلب وراء الترويج لها، ليبعد عنه شبح الماضي بما يحمله من هواجس وكوابيس تقض مضجعه•
كما أصبح مجرد الهمس أو الجهر بمعاداة السامية من الأمور المحرَّمة والمناطق المحظورة taboo، لأنه لا يفهم من هذه المعاداة إلا أنها تعنيه وحده شخصياً وجماعياً من بين الشعوب السامية الأخرى، وهذا في تقديري السبب الرئيس الذي يدفعه إلى التشنج والصراخ ليدفع عنه تلك المعاداة، التي يفهم منها أنها تخصه وحده، بسبب محاولته الاستئثار بها من دون غيره من الشعوب السامية الأصيلة•
وقد يكون صمت العرب ـ وهم المتحدرون من أصول سامية ـ وعدم تصديهم لمن يعادي السامية عملاً له مسوغاته ودواعيه، ولا سيما بعد أن اقتصر مفهومها على شخصية اليهودي وحده، وقد يكون إذا أحسنا الظن بأكثرهم بسبب قلة الرغبة في مشاركة أبناء عمومتنا من اليهود في أي شيء، بما فيه الدفاع عن السامية•
يُضاف إلى ذلك كله ـ وهو من الأمور البالغة الأهمية ـ أن اليهودي في كيان دولة إسرائيل يعلق الآمال التي أصبحت قريبة دانية، ولا سيما بعد مشروع عملية السلام في الشرق الأوسط على إقامة علاقات طبيعية مع جيرانه، ليدخل من أوسع الأبواب بوابة الدول الشرق أوسطية بما يها الدول العربية بأمن وسلام وطمأنينة، ويسير على بساط من الثقة والارتياح وعدم الانزعاج، ولكن إذا ظلت راية معاداة السامية مرفوعة عالية، فإن رايته لن تخفق عالية في تلك الأجواء التي يتجدد شحنها بين حين وحين بمعاداة السامية، ولن يستطيع اليهودي ـ في ظل تصاعد هذه المعاداة ـ أن يجعل تلك الشعوب قادرة على أن تطوي صفحات الماضي القريب، بما فيه من المعارك الدامية المثقلة بالجراحات الغائرة، والانتصارات المزعومة التي انتزعها والتي قامت على العمالة الدسيسة والخداع•
ولا يدرك اليهودي ولا يتدارك أنه هو أول من يعادي نفسه، ويعادي السامية في مفهومها الذي اصطنعه، ويستعدي عليه >الأغيار< من مختلف الملل والنحل والشعوب، وأكثر من ذلك يستعدي >الصحاب< ممن قامت بينه وبينهم معاهدات أمن وسلام، فمصر التي وقعت اتفاقية >كامب ديفيد< ـ على سبيل المثال ـ لم تسلم من اختراقات في ترويج للمخدرات ونشر مرض الإيدز، وعمليات التجسس، والأردن >اتفاقية وادي عربة< لم يأمن من تصدير مياه ملوثة إليه، ولم يسلم من محاولة اعتداء واغتيال لشخصيات معينة على أرضه، وفي فلسطين >اتفاقية أوسلو< لم تأمن مناطق السلطة من عمليات الاغتيال والهدم والتجريف والإبعاد والاعتقال•
أفبعد هذا كله يريد اليهودي أن يكمم الأفواه، ويسكت الألسن، ويسكت التاريخ، كما أسكت التاريخ الفلسطيني >حتى أصبح أحد التواريخ الكثيرة المستبعدة من التاريخ••• وحرمه من مكان خاص به في الخطاب الأكاديمي الغربي<(2)•
لقد أصبح الغرب المسيحي يجاري اليهود في عدم المساس بالسامية وليس ذلك حباً في اليهود، وإنما لأن الغرب لا يريد أن ينكأ جراحاً قديمة، غائرة في الجسد اليهودي، وفي ذاكرته ووعيه الجماعي، ولا يريد أن يدفع من خزائنه مجدداً مبالغ لا أول لها ولا آخر، لاسترضاء اليهودي، تعويضاً له عن المحارق المزعومة والمبالغ فيها•
ولكن متى يستفيق الغرب، ويدرك أن السامية ومعاداتها أكذوبة من الأكاذيب وأسطورة من الأساطير التي اكتتبها الأولون وراح يدعيها الآخرون منهم، وأنها ليست إلا مسمار جحا، ومشجباً يعلق عليه طموحاته التي لا تنتهي، وأحلامه السرمدية في التميز والتفوق على بني البشر، وإقامة مملكة الرب على أرض كنعان، في خرافة صنعها بنفسه، ثم صدَّقها، وأراد من العالم كله أن يصدِّقها، ويعمل معه على تحقيقها•
فهرس الحواشي والمراجع
1 ـ >هيو<: طفل مسيحي بريطاني، استدرجته يهودية إلى الحي اليهودي، وتمَّ اغتياله، وإلقاء جثته في بئر مهجورة، وبعد اكتشاف الجثة، والاشتباه بمن اغتاله، فُرض على اليهود الجلاء عن بريطانيا مدة مئتي عام، ويرى البعض أن الطعام المقدس عند اليهود >الكشور< لابد أن تدخل فيه قطرات من دم غيرهم >الأغيار<، وقد حُرِّفت كلمة : كاشور إلى >الكشري<، وهي من الأكلات الشعبية في مصر منذ العصر الفاطمي، الذي يعد العصر الذهبي لليهود•
2 ـ >كيث وايتلام<، اختلاق إسرائيل القديمة: إسكات التاريخ الفلسطيني، ترجمة: د•سحر الهنيدي، ص343، ط الأولى، سلسلة عالم المعرفة، الكويت 1999م•