مشاهدة النسخة كاملة : بين الإصلاح والمحافظة


أبوسمية
05-27-2010, 02:21 AM
بين الإصلاح والمحافظة


http://www.mushahed.net/vb/imgcache/2983.imgcache.jpg

خليفة راشد الشعالي


من سنن الحياة، سعي البشر إلى غاياتهم وأهدافهم بغية تحقيق رغباتهم واحتياجاتهم، وينشغل كثيرون في لقمة العيش مجردة، في صراع من أجل البقاء والاستمرار في الحياة كسلوك فطري غريزي . ويتبع الناس في مسالكهم هذه مذاهب شتى، فمنهم من يسير على غير هدى، وآخرون يسيرون على بينة ومبادئ يلتزمون بها، ويعتمد فريق آخر على تنفيذ مايراه صالحاً وفق تخطيط دقيق لمستقبله ولعموم شؤونه الحياتية . وواقع الحياة يؤكد أن لكل فريق مكسباً ونصيباً من سعيه، ومما أسرَّ وأخفى، في ظاهرة يسميها بعض الناس “الحظ”، ويسلم الأغلبية في مجتمعنا الإسلامي بقاعدة ذهبية من فلسفة الحياة تقول، “أنت تريد وأنا أريد والله يفعل مايريد” .



ويدور في فلك هذه القاعدة منظرون ونظريات كثيرة، يجسد بعضها فكرة الإيمان المطلق بالقضاء والقدر من دون تفريط بمبدأ السعي الجاد لإعمار الأرض وتكريم البشر، حيث تسير على هذا النهج كثير من المجتمعات والدول في إطار سعيها لتحقيق غاية إشباع حاجات الأفراد وتحقيق آمالهم، في ما يطلق عليه مفهوم “تحقيق الصالح العام” . وتتميز المجتمعات الحديثة بوجود مؤسسات حكم وطنية، ونظام صارم للمراقبة والمحاسبة، يلزم هذه المؤسسات بتنفيذ ما وعدت به، وتحقيق التنمية في إطار مبدأ تحقيق الصالح العام، وإذا ما غابت أو غيبت هذه المؤسسات، فإن الحراك المجتمعي أو مايسمى بالمؤسسات المدنية / غير الحكومية تنبري لتقود المجتمع سعياً لتعويض النقص أو إخفاقات المؤسسات الرسمية .



تنشأ المشكلة عندما تخفق هذه الأخيرة أو تمنع من أداء دورها في تنمية وخدمة المجتمع، حيث تطفو على السطح طبقة الغوغاء، وتعم الفوضى أو الحوار خارج إطار القانون، بما يمكّن الرعاع من تولي دفة إدارة الحوار والصراع في المجتمع . حينئذٍ، يبتعد أهل الحل والعقد والنخب المختلفة والرموز التي تقود المجتمع تقليدياً عن الإدارة الحقيقية للنشاط الاجتماعي، ويغيب من يستطيع ترشيد الحوار وجعله حواراً هادفاً، أو صراعاً في حدود القانون . على أن شرعية الصراع أو تحرك المجتمعات في العالم نحو الحوار أو ضمنه يتقاسمه مذهبان، اختلفت مسمياتهما وتنوعت أفكارهما، إلا أنهما لا يخرجان عن حالين، الأول تيار يتبنى الإصلاح طريقاً للتطوير والتقدم، وآخر ينزع إلى المحافظة والتشبث بمبادئ المجتمع وقيمه وعاداته وتقاليده وتراثه، سعياً إلى تحقيق الصالح العام في المجتمع وفق محدداته الخاصة، دونما خروج على الثوابت والقيم الثقافية وأحياناً الدينية، على اعتبار أن هذه مقومات بقاء المجتمع وآليات استدامته . بينما يحاول التيار الإصلاحي، تحديد معوقات التطور، ومحاولة تجاوزها أو هدمها، ليسير المجتمع بخطى متسارعة ويلحق بركب الحضارة الإنسانية وخاصة المادية منها على اعتبار أن تلك تؤمن قدراً كبيراً من الإشباع المباشر للحاجات . وعلى رغم تقاطع الأهداف والمصالح بين هذين المذهبين، إلا أن الغالب هو الاختلاف، ذلك لأن الإصلاحيين يؤطرون فكرهم بالليبرالية أو الحرية بالتفكير والنهج، دونما قيود أو حدود، إلا حدود العقل والمنطق، إلا أن بعضهم يأخذ من النظرية ما يوافق القواعد المجتمعية التي ينطلقون منها، ويحاولون ما أمكنهم تجنب التصادم مع الأنظمة أو التيارات المسيطرة في المجتمع . أما المحافظون، فإنهم وإن طلبوا الإصلاح واجتهدوا له كغاية نهائية، غير أن ذلك مشروط عندهم بعدم تجاوز أو هدم القواعد والقيم التي يدينون بها .



وفي حالات التماهي والمجاملة يتكون مذهب (رمادي) متوافق، يرى فيه الإصلاحيون أن القواعد الدينية، مثل قواعد الشريعة الإسلامية، لا تتعارض مع التطور والتنمية المنشودة، وأنه لا تضاد بين شعاراتهم وقيم الدين الأصيلة، على اعتبار أن تفسير الدين يمكن إرجاعه لقاعدة تحقيق المصالح، وهو في ذلك لا يتعارض مع حقوق المرأة في قيادة السيارة أو الاختلاط والتعددية، وغير ذلك من الغايات والحاجات الإصلاحية، بينما يرى فريق من المحافظين عند اعتناق هذا المذهب التوافقي أنه لا مانع من إعادة تفسير القواعد الدينية والأحكام، أخذاً بمبدأ “لا يعاب تغير الأحكام بتغير الأزمان” .



ومن أجل تحقيق هذا التوافق ينسى الفريقان الموضوعات الخلافية الأخرى، بينما يبقى تيارا الإصلاح والمحافظة يسيران في خطين متوازيين لا يلتقيان إلا حيث تتلاقى عناصرهما في المذهب الرمادي المتوافق . أخطر ما في هذا الحراك -في مجتمعنا العربي- هو ذلك الانبهار المفرط من جانب الإصلاحيين بثقافة الآخر والانسياق خلف شعاراته دونما تبصر، والانخراط في جبهة واحدة مع فرق ودول ومنظمات ترفع مع بعض مثقفينا راية الانشقاق والعصيان والتمرد، لا لشيء، إلا لبث روح الفرقة وإيقاظ الفتنة .



وعلى الجانب الآخر، فإن المشكلة تكمن في محاولة بعض منظري هذا التيار لجم الأفواه وإغلاق العقول عن التفكر، حيث يصبح العمل والعلم مجرد نقل، ذلك على الرغم من أن تيار المحافظين في المجتمعات الإسلامية ينتسب إلى زعيم وقائد وقدوة الإصلاحيين الأعظم، محمد بن عبدالله صلى الله عليه وسلم، والذي لو لم يكن إصلاحياً متميزاً وهادياً ومبشراً، ما خرج المسلمون من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ولكان السواد الأعظم منا اليوم عباداً لصنم أو بهم .



لهذا، وعلى الرغم من القناعة المطلقة بأن الإصلاح سنة كونية واجبة، كما أن التفريط في الثوابت ضياع للهوية، فإن فريقا الإصلاح والمحافظة في مجتمعاتنا العربية مازالا خارج الميدان ويغردان خارج السرب، وكلا التيارين يمارس نشاطاً خلف الكواليس، بينما محاولات الإصلاح والمحافظة الخجولة، مازالت من مهام المؤسسة الرسمية، ذلك لأن هذين الفريقين لم يتمكنا حتى الآن من تحقيق شيء يذكر في مجال المشاركة السياسية، لهذا فالكل مغيب عن ساحة اتخاذ القرار، أو ترشيده، أو تنفيذه .

نقلا عن الخليج الإماراتية