مشاهدة النسخة كاملة : إلى المحمول لهم قبل أن يفوت الآوان


أبو فاطمة
05-26-2010, 06:31 PM
إلى المحمول لهم قبل أن يفوت الآوان

http://www.mushahed.net/vb/imgcache/2973.imgcache.jpg

بقلم : أحمد ولد الوديعة
كثر الحديث خلال الأسابيع الأخيرة في عناوين الأخبار والقصص الإخبارية وبعض مقالات الرأي عن أزمة الحمالين المضربين عن العمل منذ أكثر من شهر سعيا إلى رفع أجر حمل الطن من خمسمائة أوقية إلى ألف أوقية، ورغم الوقفات العديدة والنداءات المتكررة التي أطلقها هؤلاء الحمالون وأطلقت باسمهم أحيانا فقد حافظ الطرف الثاني فى الأزمة على صمت كامل، ورفض مطلق لأي مفاوضات مع العمال المضربين مراهنا فيما يبدو على أن صبر " الحمالين " على الإضراب عن العمل ليس كصبرهم على العمل وحمل الأثقال فوضعهم المادي البائيس سيقودهم فى النهاية إلى الرضا من الغنيمة بالإياب والرضوح إلى قانون السوق الذي لايرحم .



كانت مسيلات الدموع ومخافر الشرطة، ومجموعات الضغط القبلية هي الإجابات الوحيدة التى وجدها المضربون فى الميدان، ولم تفلح قصص المعاناة الإنسانية التي واجهتها أسر هؤلاء فى التأثير على كبار المحمول المشجعين ضمنيا فيما من جهات حكومية دفعتها حسابات خاطئة إلى اتخاذ موقف غريب من هذه الأزمة الاجتماعية المتفاقمة.
ولأن اغلب الحديث السابق كان عن الحمالين وأغلب النقد أيضا كان موجها لهم لما قام به بعضهم من تصرفات فيها لوثة عنف، فسأركز هذه الشهادة على المحمول لهم عسى أن يخرجهم صراخ كاتب غير حمال عن صمتهم ورفضهم الغريب لرفع أجرة نقل الأثقال لإخوانهم الذين يشاركونهم الدين والوطن والسوق أيضا.
يعتقد التجار المحمول لهم أنه ليس من الممكن الاستجابة لمطالب الحمالين لأسباب منها
- أنها مطالب مسيسة تدخل ضمن أجندة حزب سياسي وجبهة سياسية معارضة مما يعنى أن الموافقة على هذه المطالب سيكون بمثابة " تقديم هدية " لمعارضى السلطة والأصل عند أهل موريتانيا وكلهم وهي عند التجار أصل مقدس أن الدولة لاتعاند.
- أن ترتيب مكاسب إيجابية على إضراب الحمالين سيغرى مجموعات اخرى إلى ممارسة نفس الحق والمطالبة بحقوق ليس على جدول أعمال المحمول لهم والمعمول لهم تقديمها، والواقع أن هذه الرؤية رؤية أمنية أصيلة ظلت تقف دائما فى وجه تحقيق الحركات الاحتجاجية فى هذه البلاد لمطالبها مهما كانت عدالتها وسهولة تحقيقها، تقول هذه الرؤية إن الوسيلة الوحيدة لضمان الاستقرار هي تأبيد الظلم ومساواة الجميع فيه.
والحقيقة أن هاتين الحجتين داحضتين:
- فالحمالون الذين انتفضو مطالبين برفع أجرة حمل الطن حركتهم مطالب نقابية بحتة، تأخذ مشروعيتها من حيف التسعيرة الحالية فمن غير المتصور أن يحمل الإنسان على كتفيه طنا كاملا مقابل دولارين فقط مع كل ما يعرض له نفسه من أخطار آنية ومستقبلية من خلال ممارسة هذه المهنة الخطيرة التى لايدفع لها إلا الفاقة الشديدة، ثم إن من يتابعون أوضاع الشغيلة يدركون أن هذا المطلب ليس جديدا وليس مطلبا خاصا بنقابة دون نقابة حتى ولو كان أغلب المطالبين به هم من المنتسبين لمركزية نقابية لها خلفيتها الإيديولوجية دون شك لكنها راسخة القدم فى العمل النقابي.
- أما الحجة الثانية فهي أوهى من بيت العنكبوت ذاك أن الزمن الذى كان فيه الناس يقبلون بممارسة الظلم عليهم دون تحريك ساكن قد انتهى فكل شيئ فى الواقع اليوم يدفع الناس إلى المطالبة بحقوقهم والإصرار على ذلك وتقديم التضحيات لغاية نيل المطالب، وأظن أن من يقوم بقراءة سريعة فى مئالات الأنظمة السابقة التى تبنى بعضها هذه المقاربة مع شرائح اجتماعية ومجموعات نقابية وسياسية حتى، يعرف أن النهاية كانت دائما استعادة الحقوق العادلة، وزوال الأنظمة الجائرة.
وحتى نكون أكثر صراحة دعونا نرى الموضوع بصورته الإنسانية والاجتماعية الحقيقية بدون رتوش فهذه الأزمة هي جزء من أعراض أزمة اكبر هي بقايا ومخلفات الرق فى هذه البلاد فالشريحة التى ينتمي لها أغلب هؤلاء الحمالة تعاني وضعية صعبة بفعل الممارسات المخجلة التى تعرضت لها فكان من نتائجها الحرمان من التعليم بكل أشكاله، وهو ما جعل الغالبية العظمي من هذه الشريحة محصورة فى ممارسة مهن شاقة ومحدودة الريع، والواجب على الجميع والسلطة والتجار فى المقدمة أن يساعد أبناء هذه الشريحة على الخروج من ظروفهم الصعبة إلى حياة حرة كريمة.
قد يستطيع المحمول لهم اليوم أن يرغموا الحمالين على رفع الراية البيضاء والقبول بالعودة إلى نقطة الصفر فضغط الحاجة قوي على أرباب أسر لا مدخرات لديهم ويعيل كل منهم فى الغالب عائلات كبيرة، لكنهم يرتبكون حين يجنجون على هذا المنطق الغابوي يرتكبون خطأ – بل خطيئة جسيمة فى حق أنفسهم ومجتمعهم لأن الخلاصة التى سيخرج بها هؤلاء الحمالون المطحونون هي مزيد من الشعور بالظلم والمرارة، وغياب النصير فى هذه البلاد، سيقوى ذلك بين صفوفهم دعوات الثأر والإنتقام من مجتمع لم يرحم ضعفهم، ولم يقبل سادته وكبرؤه مجرد الجلوس معهم على طاولة واحدة ليسمعوا منهم أناتهم القادمة من أعماق أجسام أنهكها حمل الأثقال وظلم ذوي القربي.
ورغم أن الوقت يبدو متأخرا بعض الشيئ لتعديل هذه اللقطة القاتمة التى يوشك المشهد أن يختتم عندها إلى حين، فإن من الواجب على كل الحريصين على مستقبل هذا البلد أن يتدخلوا بسرعة ليفرضوا تحقيق جزء من مطالب هذه الشريحة، ولنا مع ذلك ومعه أن نطالبهم بالرفق والتدرج ونقدم لهم ما شئنا من النقد والتوجيه أما أن نتركهم لحالهم يفرض عليهم بعض أقوياء السوق شروط المنتصر فذلك أمر قد يرتاح له بعض قصار النظر من المسكونين بهواجس المؤامرات والتفكير الأمني لكن عواقبه ستكون وخيمة، وسيكتشف المنتشون اليوم لقهر الحمالين أنهم أكبر المتضررين فى المستقبل المنظور لكن انتباههم حينها سيكون متأخرا.. ولات حين مناص.

نقلا عن السراج الإخباري